«مسبار الأمل».. حلم زايد وطموح العرب إلى المريخ

  • 19 يوليو 2020

يجسد مشروع الإمارات لاستكشاف كوكب المريخ «مسبار الأمل» حلم المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بالوصول إلى الفضاء؛ الذي تحقق بكوادر وطنية شابة، تم تسليحها بالعلم والمعرفة. وفي الوقت
نفسه؛ فإن هذا المسبار، الذي يُعَدُّ أول مهمة عربية وإسلامية من نوعها، يجسد طموح العرب بالوصول إلى الكوكب الأحمر.

ساعات قليلة تفصلنا عن انطلاق «مسبار الأمل» في رحلته التاريخية إلى المريخ؛ حيث سيتم هذا الانطلاق فجر يوم غد الاثنين، الموافق 20 يوليو 2020، في تمام الساعة 01:58، وذلك من مركز تانيغاشيما الفضائي في اليابان.

وفي الواقع، فإن مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ «مسبار الأمل» يُعَدُّ فكرة طموحة بدأت قبل نحو 6 سنوات؛ حين تم إعلان إرسال أول مسبار عربي إسلامي إلى الكوكب الأحمر. ويتولى مركز محمد بن راشد للفضاء عملية التنفيذ والإشراف على جميع مراحل عملية تصميم مسبار الأمل وتنفيذه وإرساله إلى الفضاء. فيما تقوم وكالة الإمارات للفضاء -بصفتها الهيئة الاتحادية المختصة بالقطاع الفضائي في دولة الإمارات- بالتمويل والإشراف على الإجراءات والتفاصيل اللازمة للمشروع. وفي حين أن هدف المهمة هو تقديم صورة شاملة عن الطقس في أجواء كوكب المريخ، وتمهيد الطريق لتحقيق اختراقات علمية؛ فإن المسبار هو جزء لهدف أكبر يتمثل في بناء مستوطنة بشرية على المرّيخ خلال المئة عام المقبلة. وتقول «وكالة الأنباء الفرنسية»، في تقرير لها، إن دبي وظَّفت مهندسين وتقنيين لتصوُّر كيف يمكن أن تُبنى مدينة على الكوكب الأحمر، ومن ثمَّ إعادة إنشائها في صحراء الإمارة باسم «مدينة المرّيخ للعلوم» بتكلفة تبلغ نحو 500 مليون درهم (135 مليون دولار). وتضيف الوكالة، في تقريرها، أنه بفعل التشابه الكبير مع الأرض في بداياتها يبقى المريخ المكان الوحيد في الكون؛ حيث يمكن للبشر إيجاد آثار محتملة لحياة في الماضي السحيق خارج كوكبهم. وتفتح أنشطة استكشاف الكوكب الأحمر في الوقت الراهن آفاقاً واعدة أكثر من أي وقت مضى منذ بدايتها في عام 1960.

ويُعَدُّ مشروع «مسبار الأمل» منجزاً علمياً، سيكون له العديد من التداعيات الإيجابية لجهة تعزيز النموذج التنموي لدولة الإمارات العربية المتحدة؛ حيث يؤسس المشروع لاقتصاد مستدام مبني على المعرفة. وسيكون بمنزلة تطوير نوعي مهم لقطاع الفضاء الوطني الذي يضم حالياً 10 أقمار صناعية مدارية، و8 أقمار صناعية جديدة قيد التطوير، فيما يبلغ إجمالي الاستثمارات في القطاع نحو 22 مليار درهم؛ وهو يُعَدُّ قطاع الفضاء الأكبر في العالم العربي، وتستند خطط تطويره إلى محاور عدَّة هي الاستراتيجية الوطنية لقطاع الفضاء، والسياسة الوطنية لقطاع الفضاء، والخطة الوطنية للاستثمار الفضائي، وقانون تنظيم قطاع الفضاء؛ بصفتها خريطة طريق لتطوير قطاع الفضاء في الدولة.

وفي السياق نفسه؛ فإن هذا المشروع العملاق من شأنه تعزيز مكانة دولة الإمارات في مجال استكشاف الفضاء وعلومه؛ وهو يُعَدُّ إسهاماً إماراتياً في تشكيل وصناعة مستقبل واعد للإنسانية؛ حيث إن المعلومات التي سيتم تجميعها من خلال المسبار ستكون متاحة لنحو 200 مؤسسة ومركز علمي حول العالم. ويؤكد المهندس عمران شرف، مدير مشروع «مسبار الأمل»، أن هذا المشروع يدعم مكانة دولة الإمارات شريكاً عالمياً في تطوير المعرفة البشرية، ويعزز الإسهام العربي في هذا المجال، ويحول دولة الإمارات والعالم العربي إلى دول منتجة للمعرفة ومشاركة بفاعلية في دعم قطاع الفضاء والمجتمع العلمي.

وممَّا لا شك فيه أن مشروع «مسبار الأمل» ينطوي على حزمة من الدلالات المهمة، منها قدرة دولة الإمارات على مواجهة التحديات مهما كانت درجة تعقيدها وصعوبتها، وإثبات أنه لا يوجد شيء مستحيل، ما دمت تسعى إلى تحقيق المرتبة الأولى. ولعل إطلاق المسبار في المدى الزمني المحدَّد له بالرغم من هذه الظروف الاستثنائية التي يمر بها العالم بفعل جائحة «كوفيد–19»؛ يؤكد مدى صلابة عزيمة قيادتنا الرشيدة وإرادتها. كما أن هذا المشروع يعكس ما بلغته دولة الإمارات من تقدُّم علمي؛ حيث إنه لم يكن بالإمكان تدشينه من دون وجود تراكم علمي ومعرفي. وبالإضافة إلى ذلك؛ فإن هذا المشروع يؤكد أن دولة الإمارات قد دخلت مضمار التنافس العلمي الدولي في مجال صناعة الفضاء واستكشاف طبيعته. وثمَّة هدف مهم وحيوي لمشروع مسبار الأمل، يتمثل في بناء كوادر وطنية تتمتع بكفاءة عالية وقدرات خاصة في المجال التكنولوجي والفضائي؛ وهذه الكوادر سوف تسهم بشكل شديد الفاعلية في نهضة دولة الإمارات.

وعلى صعيد آخر؛ فإن مشروع «مسبار الأمل» يبعث برسالة مهمة مفادها، أن العرب والمسلمين قادرون على الإسهام بإيجابية في بناء الحضارة العالمية، وأنهم يمكن أن يكونوا أكبر من مجرد مستهلكين لما ينتجه الغرب؛ بمعنى أن بإمكانهم إنتاج العلم والمعرفة والابتكار. ولا شك أن توقيت هذه الرسالة مهم للغاية؛ حيث إن العرب والمسلمين ليسوا في أفضل حالاتهم؛ وهذا الوضع يبث اليأس والإحباط في نفوس شبابنا الذين هم أملنا في مستقبل أكثر إشراقاً. وبإطلاق «مسبار الأمل» ليبلغ هدفه تكون دولة الإمارات قد حجزت لنفسها مكاناً بين عدد محدود من الدول استطاعت أن تقوم بهذه المهمة؛ فوحدها الولايات المتحدة والهند والاتحاد السوفيتي السابـق ووكالة الفضاء الأوروبية قد نجحت في إرسال بعثات إلى مدار الكوكب الأحمر، في حين تستعدُّ الصين لإطلاق أول مركبة فضائية إلى المريخ في وقت لاحق من هذا الشهر.

والجدير بالذكر أنه كان قد حُدّد يوم 15 يوليو الجاري عند الساعة 00:51:27 بعد منتصف الليل بتوقيت دولة الإمارات أول موعد مستهدَفاً لإطلاق المسبار، ولكن هذا الموعد تم تأجيله لاحقاً إلى 17 يوليو، ومن ثم تم تأجيل هذا الموعد أيضاً، ويعتبر 15 يوليو هو اليوم الأول ضمن «نافذة الإطلاق» الخاصة بهذه المهمة الفضائية التاريخية. وتمتد هذه النافذة من 15 يوليو إلى 13 أغسطس 2020، علماً بأن تحديد موعد «نافذة الإطلاق» يخضع لحسابات علمية دقيقة تتعلق بحركة مدارات كل من كوكبَي الأرض والمريخ؛ ما يضمن وصول المسبار إلى مداره المخطَّط له في أقصر وقت ممكن، وبأقل طاقة ممكنة، وتمتد فترة «نافذة الإطلاق» أياماً عدَّة تحسُّباً للظروف المناخية وحركة المدارات وغيرها. وينطلق «مسبار الأمل» في مهمته إلى المريخ من مركز تانيغاشيما الفضائي باليابان، كما سلف القول، باستخدام منصة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة، وتم اختيارها لهذه المهمة؛ نظراً إلى سجلها المتميّز ونتائجها الناجحة في أوساط تكنولوجيا الفضاء حول العالم، وامتلاكها إحدى أعلى نسب نجاح إطلاق مركبات فضائية وأقمار صناعية عالمياً.

وسيستغرق «مسبار الأمل» سبعة أشهر للسفر مسافة 493 مليون كيلومتر إلى المريخ؛ ليبلغ هدفه تزامناً مع احتفال الإمارات بمرور 50 عاماً على قيام الاتحاد. وسيدور المسبار حول الكوكب سنة مريخية كاملة، أي 687 يوماً. وقد أكد المهندس عمران شرف، مدير مشروع «مسبار الأمل»، أن المسبار سينفصل عن الصاروخ بعد ساعة من عملية الإطلاق، وبعد الانفصال بثماني دقائق سيشغّل الألواح الشمسية، وبعدها بنحو 20 دقيقة سيتم أول اتصال مع مركز التحكم الأرضي في مركز محمد بن راشد للفضاء، وسيقوم الفريق التقني في المركز بعملية تحليل البيانات الواردة من المسبار، التي تستمر من ثلاث إلى أربع ساعات، وأشار إلى أنه بعد 28 يوماً من الإطلاق سيتم استخدام نظام الدفع والتوجيه للمسبار لتوجيهه نحو مدار المريخ؛ حيث تم تصميم نظام الدفع العالي الدقة بإسهام إماراتي.

وما يجب تأكيده في النهاية أن مشروع مسبار الأمل، الأول من نوعه لدولة عربية، هو بمنزلة حدث تاريخي يعزّز القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة، وقبل ذلك ستكون له انعكاساته الإيجابية العديدة لجهة تكريس النموذج التنموي الإماراتي، والدفع في سبيل التأسيس لأجيال جديدة تملك من العلم والمعرفة ما يمكّنها أن تسهم بقوة في تعزيز هذا النموذج وترسيخه بشكل دائم ومتواصل.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات