2020 عام الركود.. وأمل النمو معقود على العام المقبل

  • 16 أبريل 2020

تواصل المؤسسات المالية المتخصصة تحديث توقعاتها بشأن النمو؛ حيث تشير بياناتها في كل مرة إلى تراجع النمو الاقتصادي العالمي، ليلحظ المتتبع أن كل نشرة محدّثة تتضمن بيانات أكثر تشاؤماً وقتامة، ولاسيما في ظل اقتصاد يعاني تحديات خلّفها انتشار وباء كورونا المستجد (كوفيد – 19) على الدول المتقدمة والنامية على حدٍّ سواء.

آخر تقرير متشائم، صدر أول من أمس الثلاثاء عن صندوق النقد الدولي، في تقريره الدوري في «آفاق الاقتصاد العالمي»، الذي رجح مرور الاقتصاد العالمي هذا العام بأسوأ ركود تعرض له منذ سنوات «الكساد الكبير» في عام 1929، وخاصة في ظل ما يشهده العالم من إغلاق حدودي تسبب في تعطل العمل في العديد من القطاعات، وسماه الصندوق «الإغلاق الكبير» الذي سيتسبب بانكماش النمو العالمي بأكثر من 3% خلال العام الجاري، قبل أن يعود للنمو بمعدل 5.8% في العام المقبل 2021، مع عودة النشاط الاقتصادي إلى طبيعته.
وبرغم قتامة التوقعات، كانت بيانات التقرير متفائلة بشأن دولة الإمارات، الذي قال إن اقتصادها سيتأثر هو أيضاً خلال عام 2020، لكن المصدات المالية الضخمة التي تملكها الدولة، والأسس القوية لاقتصادها، سيسهمان في تعزيز التعافي السريع من تبعات كورونا؛ حيث سيسجل اقتصاد دولة الإمارات نمواً قوياً في عام 2021 يصل معدله إلى 3.3%، مرجّحاً أن تحافظ على فائض حساباتها الجارية هذا العام، ليصل إلى 1.5% من إجمالي الناتج المحلي، وأن يقفز هذا الفائض في العام المقبل إلى 4.1%.
هذه التوقعات المتفائلة تتفق معها توقعات مؤسسات أخرى، حيث أكدت شركة «أوكسفورد إيكونوميكس» البريطانية للبحوث والدراسات الاقتصادية، في الـ 13 من إبريل الجاري، أن دولة الإمارات ستكون أقدر الدول الخليجية على تحمّل تداعيات كورونا الاقتصادية، استناداً إلى مجموعة عوامل، الأول يتعلق بتنوع اقتصادها، والثاني ناتج عن ازدهار قطاع التجارة الإلكترونية على نحو لافت للنظر فيها، والثالث خاص بالتدابير النوعية التي اتخذتها الحكومة لمساعدة الاقتصاد الوطني على اجتياز التداعيات، كالمحفزات المالية التي اعتمدت للبنوك ولمختلف الأنشطة الاقتصادية، وتخفيض الرسوم على الشركات والأفراد أو تقسيطها مؤقتاً، والعديد من الإجراءات.
وبالعودة إلى توقعات صندوق النقد الخاصة بتعافي النمو العالمي في العام المقبل، فإنها جاءت نتيجة سيناريو يفترض انحسار الجائحة في النصف الثاني من العام الحالي، وتخفيف الدول لجهود الاحتواء تدريجياً، وعودة النشاط الاقتصادي إلى طبيعته. وفي التفاصيل، وخلال العام الجاري، قال تقرير الصندوق إن الاقتصاد الأمريكي سينكمش بنحو 5.9%، وستنكمش اقتصادات منطقة اليورو بنحو 7.5%، وينكمش اقتصاد إيطاليا بنحو 9.1%، فيما ينكمش اقتصاد إسبانيا بنحو 8%، وربما تكون الصين الأوفر حظاً؛ حيث سينمو اقتصادها هذا العام بنحو 1.2%، ليقفز العام المقبل إلى 9.2%.
إن النظرة التفاؤلية بنمو اقتصاد الصين لم تصدر فقط عن «النقد الدولي»، ففي 11 إبريل الجاري توقع معهد التمويل الدولي هو أيضاً أن تسجل الصين هذا العام نمواً اقتصادياً بمعدل 2.1%، فيما توقع انكماش الاقتصاد العالمي بنحو 2.8% في 2020، مرجحاً أن تشهد الأسواق الناشئة انكماشاً حاداً في النمو. كما اتفق «المعهد» مع سيناريو «الصندوق» حول بدء تعافي الاقتصاد العالمي نسبياً، وعودة التدفقات المالية العالمية في النصف الثاني من هذا العام؛ ما سيكون له انعكاس إيجابي على تعافي الاقتصادات الناشئة، التي كان نموها الاقتصادي ضعيفاً حتى قبل أزمة كورونا، برغم أثرها الواضح في توقف تدفقات الاستثمارات في هذه الأسواق بشكل نهائي، وخروجها من المنطقة بشكل كبير.
أما منظمة التجارة العالمية، فقد توقعت هي الأخرى انخفاض التجارة الدولية بنسبة تتراوح بين 13 و32% في عام 2020، فيما توقعت انتعاشها في عام 2021، ليتسبب هذا الانخفاض «بعواقب وخيمة على الأسر والشركات»، بحسب المدير العام للمنظمة، روبرتو أزيفيدو. كما أشارت المنظمة إلى أن انخفاض التجارة بشكل أكبر سيكون في القطاعات ذات سلاسل القيمة المعقدة؛ كالإلكترونيات ومنتجات السيارات، وتجارة الخدمات التي ستتضرر من قيود النقل والسفر.
لقد أصبح العالم يمرّ بأزمة لم يعهدها من قبل، فهو بالإضافة إلى تراجع النمو الاقتصادي على مستوى الاقتصادات الوطنية والاقتصاد العالمي كله، فإنه يواجه الآن تحديات اجتماعية لا تقل خطورة عن نظيرتها الاقتصادية، تتعلق باستمرارية قدرة الأفراد على سد احتياجاتهم، والحفاظ على سلامة البنى التحتية التي تقدم الخدمات للمجتمع، إضافة إلى قدرات الدول والمجتمعات على استخدام التكنولوجيات الرقمية الجديدة التي تسدّ نقص الكوادر البشرية العاملة في الأنشطة الإنتاجية جرّاء سياسات الإغلاق، إضافة إلى معضلة كبرى تهدد الأفراد والمجتمعات، تتعلق بتنامي معدلات الفقر والبطالة.
وفي هذا الخصوص، أطلقت منظمة «أوكسفام» مؤخراً تحذيراً مفاده أن نصف مليار شخص إضافي في العالم قد يصبحون تحت خط الفقر، إذا لم يتم الإسراع في تفعيل خطط لدعم الدول الأكثر فقراً، فيما أشارت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا) إلى أن 8.3 مليون شخص سيدخلون دائرة الفقر في المنطقة العربية نتيجة كورونا. والأخطر من ذلك كان بتوقعات لمنظمة العمل الدولية، التي تقول إن هناك نحو 195 مليون وظيفة بدوام كامل مهددة بالفقدان في الربع الثاني من العام الجاري، إضافة إلى أنه سيتم إلغاء 6.7% من إجمالي ساعات العمل في العالم، وإن من بين 8.8 و35 مليون شخص إضافي سيدخلون دائرة الفقر عالمياً.
كل تلك البيانات المقلقة تشير إلى أن الاقتصاد العالمي بات يواجه الآن أزمة تتطلب من حكومات الدول اتخاذ تدابير وإجراءات تواجه من خلالها تداعيات أزمة كورونا على اقتصاداتها، والتي من أسبابها الرئيسية سياسات احتواء الفيروس، التي وبالرغم من أهميتها، ستزيد من صعوبة تحفيز النشاط الاقتصادي للعديد من القطاعات التي كانت تعدّ محورية في زيادة النمو.
ولأجل ذلك، تطالب منظمات دولية عدة الحكومات بمجموعة من التدابير للخروج ما استطاعت من آثار كورونا الاقتصادية والاجتماعية؛ فمثلاً، تطلب منظمة العمل الدولية من الحكومات دعم الشركات والوظائف والدخل، وتحفيز الاقتصاد وفرص العمل، وحماية العاملين في أماكن عملهم، واعتماد سياسة الحوار بين الحكومة والعمال وأصحاب العمل لإيجاد الحلول. ويدعو البنك الدولي إلى الامتناع عن فرض قيود تصدير جديدة على المستلزمات الطبية الحيوية والأغذية والمنتجات الرئيسية الأخرى، وإلغاء أو تخفيض الرسوم والحواجز غير الضرورية، المفروضة على واردات المنتجات اللازمة لمواجهة كورونا، وضمان عبور المنتجات الحيوية الحدود بسلام.
ويشدد صندوق النقد الدولي على الاستمرار في تدابير الاحتواء الضرورية ودعم النظم الصحية، وحماية المتضررين من الأفراد والشركات على مستوى المالية العامة والقطاع المالي، وتخفيف الضغط عن النظام المالي وتجنب العدوى، والتخطيط لمرحلة التعافي لتعزيز الطلب وتحفيز المالية العامة واعتماد سياسة نقدية تيسيرية، وتوجيه الدعم للبلدان ذات الموارد المحدودة، وتيسير سبل حصول الشركات الصغيرة والمتوسطة على رأس المال والتمويل التجاري.
والخطير في الأمر أن كورونا أزهق أرواحاً وصلت عالمياً إلى نحو 127 ألف، وما هو خطير أيضاً أن الوباء يهدد الأحياء من سكان هذا الكوكب، في حياتهم وأرزاقهم؛ فقد خلق حالة من عدم اليقين، حول كثافة الأزمة الصحية ومدتها. وحتى الوقت الذي يتحقق فيه التعافي المأمول، يجب على الدول تركيز سياساتها الاقتصادية على مجموعة من الأسس؛ أهمها دعم الطلب على السلع والخدمات، وتحفيز حركة التوظيف، ومعالجة الخلل الذي طرأ على ميزانياتها العامة، وبذل مزيد من الجهود التعاونية الدولية للتقليص من الخسائر التي طالت قطاعات النقل والسياحة والطاقة والصناعة والتجارة وغيرها عالمياً.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات