11 سبتمبر: ماذا تعلمنا في خمسة أعوام؟

عبدالوهاب بدرخان: 11 سبتمبر... ماذا تعلمنا في خمسة أعوام؟

  • 11 سبتمبر 2006

الأسئلة نفسها تتكرر كل سنة في ذكرى هجمات 11 سبتمبر 2001. وأهمها هل أصبح العالم أكثر أمنا بفضل الحرب على الإرهاب؟ مجرد التساؤل هنا يضمر الشكوك، مفترضاً أن الإجابة تميل إلى السلبية. لاشك أن هذا التاريخ أصبح محطة زمنية، للمراجعة أو لتأكيد استمرارية الحرب، ولا شك أن ذلك اليوم كان بداية تغيير عميق في مسار العالم. لم يعد الأمن بعده، ولا السياسة ولا القوا نيين ولا العقوبات الدولية ولا حقوق الإنسان، كما كانت قبله.

 لعل السؤال الأهم هل من نهايةٍ ما في الأفق لهذه الرحلة الجهنمية التي أجبرنا عليها الإرهاب، كما تجبرنا عليها الحرب على الإرهاب؟ أكثر فأكثر تتبدل المفاهيم والقيم على نحو لم تعهده البشرية ولم تتوقعه، فيما كانت منهمكة بشؤون العولمة وشروطها ومتطلباتها. وبديهي أن التبدل كما نشهده يومياً، في النقاش وفي الممارسات، لم يستطيع إظهار الضوء في آخر النفق، بل إنه فاقم التمايزات والانقسامات بين مختلف العوالم، أو إذا شئتم بين مختلف الحضارات.

 كان إرهاب 11 سبتمبر أيضا نقلة في الزمن، إذ أعاد العقول والقلوب عصوراً إلى الوراء، كأن تقدماً وتحضراً لم يحصلا، وكأن الإنسانية عاشت كل هذا التطور في انتظار هذه اللحظة لتبدد كل شيء في بعض لحظات. وطالما أن حرباً قد أعلنت، وأنها لم تنته بعد مرور خمسة أعوام، فهذا لا يعني شيئاً غير أن طرفيها باتا يحكمان العالم، كلٌّ على طريقته، ولابد أنهما يتمتعان بهذه الصدفة التاريخية التي صنعت لهما هذه الصيرورة. والدليل أنهما يتخاطبان عبر الإعلام، وحين يتكلم المطارد أو الطريد فإن العالم ينصت ليعرف كيف عليه أن يتكيف مع توجهاتهما.

 بالطبع، الكلام هنا عن تنظيم أو تنظيمات إرهابية، وعن دول، وقد لا تجوز المقارنة بينهما، كما قد لا يجوز وضعها في كفة واحدة، لكن الوقائع جعلت الحرب بين طرفين واضحي المعالم: أمريكا من جهة، والإرهاب من جهة أخرى. لأمريكا هويتها، والإرهاب لا هوية له. قد تعطى له مسميات عدة لكنّه لا يعبر عن أمة معينة أو عن شعب بعينه أو حتى عن بلد محدد. في الغرب يحبون الوضوح ليعرفوا عما يتكلمون، لذا يقولون "الإرهاب الإسلامي" مجازفين بما يمكن أن تشي به التسمية، وبما يمكن أن يؤدي إليه التبسيط خصوصاً حين يقتصر توصيف المعتدي والضحية على الانتماء الديني. أما في العالمين العربي والإسلامي فيؤثرون الحديث عن "المتطرفين" أو "العناصر الشاذة". في أي حال، بين هذين الطرفين عانى العالم وسيواصل المعاناة، بين إرهاب يصعب التعاطف معه أياً كانت الدوافع والأسباب، بل يستحيل المراهنة عليه أو الاعتداد بـ "برنامجه"، وبين دولة عظمى يفترض أنها تتحمل مسؤولية دولية بحكم مكانتها، لكن سياساتها وممارساتها لا تساعد على مكافحة الإرهاب بل أصبحت توصف من جانب أصدقائها وحلفائها بأنها تغذي هذا الإرهاب.

 وهكذا، تعلم العالم خلال الأعوام الخمسة الماضية لا كيف يحارب الإرهاب فحسب، بمعزل عن نجاحاته أو إخفاقاته في هذه المهمة، وإنما تعلم أكثر أن عليه أن "يتعايش" مع الخطر والقلق والخوف. وهذا التعايش مكلف جداً، ويكمن خطره في أن عدم وضوح نهاية محددة لهذه الحال يعني أن تتحول الإجراءات المؤقتة والاستثنائية إلى ما يشبه القوانين الدائمة، بما فيها من حدٍّ للحريات واجتزاءٍ للحقوق واشتباهٍ تلقائي بالأشخاص وتمييزٍ بينهم وتفرقةٍ تلامس أحياناً كثيرة العنصرية المطبقة، حتى لو لم يكن القانون يقرّها أو يتغاضى عنها. وقد انعكس هذا التغيير في السلوكيات على المستويات شتى، ولعل أهمها وأخطرها في اتخاذ الحرب على الإرهاب عنواناً وذريعة لحروب متوالدة ومتعاقبة، كذلك اتخاذها معياراً للتعامل مع النزاعات الإقليمية، كما شهدنا في فلسطين ولبنان وحتى في تبرير غزو العراق واحتلاله، وصولاً إلى طرح خرائط جديدة لمنطقة الشرق الأوسط بهدف معاقبة الدول والمجتمعات والشعوب أولاً، ومن ثم إجراء تغيرات جراحية في كياناتها ظناً بأنها تساهم في القضاء على الإرهاب.

 اختلف العالم عما كان قبل 11 سبتمبر 2001. ولا شك أن الإرهاب تلقى ضربات شديدة، لكن يصعب القول إن العالم أصبح أفضل مما كان. بذلت محاولات كثيرة لفهم "أسباب" ظاهرة الإرهاب، وأقصى ما استطاعت الولايات المتحدة هو إعلان أن السبب هو إخفاق أجهزتها الأمنية والاستخبارية، وبالتالي عزمها على إعادة هيكلة هذه الأجهزة، وربطها بجهاز مركزي مستحدث. وعلى الصعيد الخارجي ابتكرت أفكار وأساليب لمعالجة الكراهية وتلطيفها، وكما أقيمت برامج تأهيل وتدريب وأخرى للمساعدة في تعزيز القدرات الأمنية هنا وهناك أو في تحسين الأداء الاقتصادي. لكن السباق بين هذه المبادرات والحياة اليومية للصراع لم يكن في مصلحة الأهداف النبيلة التي أعلنت، حتى إن خلاصة ثمينة كتلك التي شددت على دعم الدمقرطة وتشجيعها لم تتمكن من فرض نفسها كمصلحة للطرفين؛ لأمريكا التي خرجت بها وضغطت لتطبيقها وللدول المعنية التي تعيش منذ عقود حالا شاذة وانفصاماً حاداً بين الحكومات ومكونات المجتمع.

 وفيما ظهرت الديمقراطية في العراق كوسيلة لتقسيمه، استُخدمت نتائج الانتخابات الفلسطينية عقاباً جماعياً للمقترعين. أما الانتخابات المصرية فشكلت نهاية الطريق لنهج الدمقرطة باعتبار أنها كشفت تعارض "الديمقراطية" مع المصالح الأمريكية.

 عدا "التعايش" مع مقتضيات الحال الإرهابية تعلم العالم مع الوقت أن الهدف من الحرب ليس بالضرورة القضاء على الإرهاب، طالما أن ذلك غاية يصعب إدراكها، وإنما نقل الخطر واحتمالاته من الأرض الأمريكية إلى أي مكان آخر، حتى لو كان في أوروبا حيث الدول الحليفة، وحتى لو كان في دول صديقة. المهم ألا يتكرر في داخل أمريكا نفسها. أكثر من مسؤول أمريكي، بمن فيهم الرئيس جورج بوش، صرّح بذلك ساعياً إلى إفهام الأمريكيين أن العثرات والحوادث التي تصادف في العراق وأفغانستان وغيرهما هي محسوبة إلى حدٍ ما ومتوقعة في حرب ترمي إلى إبعاد الحرب عن الأرض الأمريكية. وفي إطار ذلك تعلم العالم أيضاً أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تعامله كمكب لنفايات سياساتها فحسب بل أيضا كمكب لنفاياتها الأمنية، فكانت "فضيحة" السجون السرية التي تبارى المسؤولون الأمريكيون لنفيها، بل الإصرار على نفيها، إلى أن تبرع الرئيس باعتراف واضح ومبرر بأن تلك السجون وجدت فعلا هنا وهناك، وأن الأساليب التي اتبعت فيها للاستجوابات قد تكون هي التي اقتضت إبعادها أيضاً عن الأرض الأمريكية. وهكذا باتت قصص التعذيب الوحشي في السجون من صميم تراث الدولة العظمى الوحيدة.

 لعل المتسائلين هل أصبح العالم أكثر أمناً وأماناً بفضل الحرب على الإرهاب فهموا الآن أن الأمن المقصود هو الأمريكي فقط، ولعلهم يقبلون هذه الحقيقة آملين في أن يساهم شعور أمريكا بأنها بعيدة عن الخطر في إعادة الرشد إليها، وبالأخص إلى سياساتها لتبدأ عندئذ فعلا معالجة ظاهرة الإرهاب بغية التخلص منها. أما بالنسبة إلى العالم العربي فهو لم يتعلم جديدا لأنه مدرك منذ زمن أن الولايات المتحدة لا تبالي بأمنه، وإنما هي معنية بأمن إسرائيل فقط. لكنه تأكد الآن أكثر أن السياسات الأمريكية كانت ولا تزال الحاضنة الرئيسة للإرهاب، ففي ظلها يولد وينمو ويتوحش، ولم يكن 11 سبتمبر سوى حادث تمرد فيه الوحش على مروضه.

Share