‮"‬القاعدة‮" ‬والوضع الأمني‮ ‬في‮ ‬العراق

  • 25 يوليو 2012

سلسلة التفجيرات الإرهابية التي شهدها العراق، أول من أمس، وأسفرت عن مقتل وإصابة المئات تعيد إلى الأذهان أعمال العنف الطائفي والاعتداءات الإرهابية  التي شهدتها البلاد قبل أعوام، خاصة أنها استهدفت مناطق وتجمّعات شيعية في العديد من المدن الكبرى، كما تأتي بعد دعوة تنظيم “القاعدة” الشباب المسلم إلى التوجّه إلى العراق، وإعلانه “بدء عودة التنظيم إلى مناطق سبق أن غادرها، وخطة جديدة لقتل القضاة والمحقّقين”.

الهجمات الإرهابية الأخيرة تمثّل رسالة واضحة بأن تنظيم “القاعدة” في العراق يريد تفجير أعمال العنف الطائفي مجدّداً في البلاد، وهذا ما يفهم من تركيزه في دعوته الأخيرة على استهداف الشيعة هناك، وهذه دائماً استراتيجيته في تفجير الأوضاع الأمنية، وإحداث الفوضى في البلاد، التي تعتمد على إثارة النعرات بين السُّنّة والشيعة، وتكريس العداء والتوتر بينهما، ودفعهما إلى المواجهة الدموية.

تجدّد أعمال العنف الطائفي في العراق خلال الفترة الماضية لا يمكن قراءته بمعزل عن الأزمة السياسية المعقّدة التي تشهدها البلاد، التي لم تجد طريقها إلى الحلّ حتى الآن، نتيجة تمسّك القوى السياسية بمواقفها إزاء القضايا الخلافية، ورفضها التوافق على حلول وسطية لإنهائها، وهو الأمر الذي تحاول قوى التطرّف والإرهاب توظيفه لمصلحتها، والدليل على هذا هو ذلك التلازم بين الأزمة السياسية وتصاعد العمليات الإرهابية والأزمة الأمنية في البلاد، التي تعبّر عن نفسها من خلال العدد الكبير من القتلى والجرحى الذين سقطوا ضحايا التفجيرات الإرهابية ذات البعد الطائفيّ خلال الفترة القصيرة الماضية، وهذا يعني أن هناك من يحاول توظيف الأزمة السياسية في البلاد، والعمل على استمرارها، والانطلاق منها لمحاولة تفجير الخلافات الطائفية في البلاد مجدّداً، وهذا لا شك في أنه يعدّ أخطر ما يمكن أن يتعرّض له العراق في المرحلة المقبلة؛ لأنّه ينال من أساسين لازمين لسيادته، هما التعايش بين الفئات والطّوائف والأعراق المختلفة، وتماسك الدولة ووحدة أراضيها.

لقد أثبتت خبرة السنوات الماضية أن الطائفية هي المنفذ الأخطر، الذي يمكن لقوى التطرف والإرهاب النفاذ منه للنيل من العراق، وتهديد أمنه ووحدته، خصوصاً مع وجود العديد من القضايا والملفّات العالقة والمثيرة للخلاف بين مختلف مكوّنات الشعب العراقي، التي كانت سبباً في حالة التجاذبات السياسية الأخيرة، ولذلك فإن العمل على معالجة هذه الملفات والقضايا، وتحقيق التوافق بشأنها، وتحصين الساحة الداخلية من أي محاولة لإثارة الخلافات بين مكوّنات الشعب العراقي، يجب أن يكون أولوية قصوى للقوى السياسية العراقية كلها خلال الفترة المقبلة، لأنه من دون ذلك، فإن قوى التطرف والإرهاب ستجد الفرصة مواتية لتنفيذ مخطّطاتها الإرهابية التي ستنال من أمن العراق واستقراره، وتعيده سنوات إلى الوراء.

إذا كانت “القاعدة” وجماعات التطرّف تحاول تفجير الساحة العراقية، فإن أبلغ ردّ عليها هو إعلاء المصلحة الوطنية من جانب القوى السياسية والدينية كلها، وتبني خطاب توافقي تصالحيّ جديد، يضمن استيعاب أي خلافات، ويتجاوز أي تحديات، ويضع العراق أمام الطريق السليم لاستعادة دوره ومكانته.

إن تفجير الوضع الأمني في العراق خلال المرحلة الراهنة يعدّ سيناريو سيئاً ليس للعراق فقط بل للمنطقة بأكملها كونه يوفّر فرصاً سانحة لخلط الأوراق وإرباك الجهود التي تستهدف تحقيق الاستقرار، كما يمنح التنظيمات الإرهـابية مـجالاً جـديداً للحـركة ويهدر أي جهود تستهدف توفير حياة كريمة يستحقّها الشعب العراقي بعد طول معاناة.

Share