يختارون التهم بأنفسهم.. محاكمات وهمية للإيغور

  • 10 يونيو 2020

أكثر من مليون إيغوري اختفوا في معسكرات اعتقال الصين في إقليم شينجيانغ. وبحسب بحث واستقصاء دويتشه فيله (DW) فقد أجبر الكثير منهم هناك على توجيه التهم لأنفسهم، وبعدها تصدر ضدهم أحكام جاهزة، أصعبها لمن يختارون مخالفات دينية.

تحدق المرأة في الصورة على الشاشة وهي تنحني قليلاً، وفي تجمع البنايات المحاطة بسياج مرتفع، هناك تحت سارية العلم تكون النداءات الصباحية. وفي المبنى بجوار السارية تعقد «المحاكمات القضائية»: محاكمات وهمية دون سند قانوني وبدون إمكانية الدفاع أو الاستئناف.

وتبدأ المرأة بالبكاء بدون صوت طوال دقائق وتمسح دموعها بظهر يدها، لأن ذكريات الزمن، الذي مكثت فيه داخل معسكرات إعادة التأهيل الصينية تثير حفيظتها: التعسف وجلسات الاستجواب، التي لأجلها توقظ النساء، اللاتي تقاسمت معهن الزنزانة، من النوم في عمق الليل، والخوف الدائم. «حالة فظيعة هناك، إنهم يسلبون منك حتى آخر قسط من الحرية»، تحكي المرأة، وهي مصدومة، كما نلاحظ، من المدة التي مكثت فيها في المعسكر، وتطاردها الكوابيس، وفقدت، كما تقول، الرغبة في الحياة.

هذه المرأة إيغورية، إنها فرد من أقلية مسلمة تعيش في إقليم شينجيانغ في شمال غرب الصين، بعيداً عن بكين. ثقافياً وعرقياً هناك ارتباط للإيغور مع جيرانهم في كازاخستان أو قيرغيزستان أكثر من الصينيين الهان، الذين يمثلون الأغلبية في الصين. الإيغور، الذين طالما سعوا إلى الاستقلال، يتعرضون للتمييز والمضايقة والمراقبة في جميع مجالات الحياة من قبل القيادة الشيوعية، بزعم أنهم يمثلون خطراً أمنياً، على غرار عام 2009، عندما اندلعت في أروميتشي عاصمة الإقليم احتجاجات عنيفة للإيغور ضد الصينيين الهان وقُتل 140 شخصاً على الأقل، أو في عام 2014 عندما نفذ انتحاري اعتداء على سوق وقتل عشرات الأشخاص. وعلى هذا التهديد الإرهابي تعتمد بكين.

محاكمات وهمية بمعسكرات إعادة التأهيل

في نهاية عام 2016 بدأت الحكومة الصينية بالتعامل بشدة أكثر تجاه الإيغور، ومنذ تلك اللحظة تشكلت شبكة من معسكرات الاعتقال والسجون. وتفيد تقديرات منظمات حقوق الإنسان ونشطاء بأن مليون شخص على الأقل معتقلون هناك. ومن يتم إطلاق سراحه من أي معسكر يخضع بعدها للمراقبة ويُجبر في الغالب على العمل في مصانع تعمل لصالح شركات أجنبية، بينها ألمانية.

وتتحدث الحكومة الصينية عن «مراكز تكوين مهني طوعية» من شأنها محاربة «الفكر المتطرف». وفي الحقيقة يتم هناك إجبار الإيغور على التنصل من دينهم وثقافتهم وتعلم لغة المندرين. وقد ثبت ذلك أيضاً من خلال وثائق حكومية داخلية تم تسريبها.

والإدارات تنهج أسلوباً تعسفياً، إذ يكفي وجود نسخة من القرآن على رف بالبيت للاختفاء طوال شهور أو سنوات. وفي كثير من الأحيان لا يستطيع الأقارب والأصدقاء تخمين سبب اختفاء أقاربهم أو زملائهم في العمل.

وفي بعض الحالات، مثلما اكتشفت دويتشه فيله DW بعد بحث دام شهوراً، كان على كل معتقل في تلك المعسكرات اختيار «الجريمة» التي سينسب إليه ارتكابها. وتحكي المرأة أنهم قدموا لها قائمة من 75 جنحة مزعومة وأجبروها على اختيار واحدة منها على الأقل؛ أي أنها تحدد بنفسها لاحقاً المخالفة التي لأجلها تم اعتقالها. والجنح في القائمة، وهذا ما أكده أيضاً ثلاثة سجناء سابقون، هي في الغالب أشياء يومية عادية، مثل ارتداء الحجاب والصلاة أو الاتصال بأقارب في الخارج.

عقاب على الممارسات الدينية والثقافية

«قلت لهم إنني لم أفعل شيئاً من ذلك، لكنهم أرغموني على اختيار مخالفة. وهددوني: «ستبقين هنا إلى أن تختاري واحدة»، كما حكت المرأة التي تبقى هويتها مخفية لأسباب أمنية، وهي تعيش اليوم مثل السجناء الآخرين الذين تحدثت إليهم دويتشه فيله DW في كازاخستان المجاورة. وربما وافقت السلطات الصينية على مغادرتها بعدما مارست الحكومة والأقارب هناك الضغط. لكن وضع الإقامة للمرأة ما زال غير مؤمن، وهي تخشى على أقاربها في شينجيانغ، الذين قد يواجهون القمع.

ولأن غالبية المخالفات الـ 75 على القائمة ذات طبيعة دينية، فهذا يدل على أن السلطات تضطهد الممارسات الدينية والثقافية للإيغور، كما يؤكد نشطاء وحقوقيون منذ مدة طويلة، وتحريات لدويتشه فيله DW بداية السنة. والصين على ما يبدو تحاول تركيع الإيغور ومحو ثقافتهم ودينهم.

سأموت في غضون سنيتن

بعد اختيار «جرائمهم»، كما يقول السجناء السابقون، تم النداء عليهم إلى غرفة لمحاكمة وهمية بدون دفاع ورأي عام أو إمكانية الاستئناف. والعملية تختلف بوضوح من معسكر إلى آخر: مرة يتم إصدار الحكم على عدد من السجناء دفعة واحدة وأحياناً فرادى. وفي أحد المعسكرات كان الأقارب حاضرين أيضاً.

وتم إعلان أحكام جاهزة بالسجن ومدة العقوبة للرجال والنساء المعتقلين. «وبعدها كان السجناء مرغمين على القول: نادم على مخالفاتي وأعدكم بعدم تكرار أخطائي». كما تقول المرأة، التي تلقت عقوبة بالسجن لسنتين، وهي تتذكر بدقة اللحظة التي أعلن فيها مقدار العقوبة، وكيف ماتت شرارة الأمل الأخيرة داخلها: «ثم فكرت: سأكون ميتة في غضون سنتين».

وبالرغم من ذلك، فإنها كانت محظوظة، لأن آخرين حكم عليهم بعشر سنوات أو أكثر. والعقوبات الطويلة، كما يجمع معتقلون سابقون، تلقاها من اختاروا «مخالفات» دينية مثل الصلاة بانتظام. وهؤلاء المعتقلون هم من اختفوا لاحقاً. ولا يعرف الناس إلى أين أُخذوا.

الإيغور معرضون بشدة لتعسف البيروقراطيين

تتطابق شهادات السجناء الأربعة الذين تحدثت إليهم دويتشه فيله DW وتبعث على الاستنتاج بأن المحاكمات الوهمية في شينجيانغ منتشرة. وحتى خارج المعسكرات، كما يفيد المراقبون، ليس للإيغور فرصة في تلقي محاكمات عادلة. «هم معرضون لتعسف البيروقراطيين وأعضاء الحزب (الشيوعي) الذين قد يأمرون باختفائهم».

رد الصين

طلبات متكررة بقائمة أسئلة مفصلة إلى السفارة الصينية في برلين ووزارة الخارجية في بكين ظلت بدون جواب. وعوضاً عن ذلك أرسلت البعثة الدبلوماسية في برلين لدويتشه فيله DW برابط مع إعلان نُشر في نهاية 2019 على موقع السفارة. والعنوان: «بعض الحقائق حول موضوع شينجيانغ»، حيث يُذكر بأنه لا توجد معسكرات اعتقال في شينجيانغ، فقط منشآت تكوين لمهارات حرفية. هناك تتم مساعدة الأشخاص الذين «تأثروا بفكر إرهابي ومتطرف ولم يتسببوا بعد بأي ضرر حقيقي وخطير». والهدف هو «إعادتهم إلى الدرب القويم ومنحهم الحماية من الإرهاب والتطرف وضمان عمل آمن وتحسين جودة الحياة»، كي يتمكن الإيغور من عيش «حياة هانئة»، بحسب الإعلان.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات