وضع المعرفة في العالم العربي: مؤشرات خطرة

وضع المعرفة في العالم العربي: مؤشرات خطرة

  • 16 نوفمبر 2009

تضمن "تقرير المعرفة العربي لعام 2009"، الذي أطلقه المكتب الإقليمي للدول العربية التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع "مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم" في نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، العديد من المؤشرات والإحصاءات الخطيرة، التي ترسم صورة قاتمة لوضع المعرفة في العالم العربي، وتلفت الانتباه إلى ضرورة التحرك الجاد لمعالجة جوانب الخلل والضعف التي يعانيها هذا المجال الحيوي، الذي يمثل المدخل الرئيس لتطوير المجتمعات العربية ونهضتها.

أول المؤشرات المهمة التي يوضحها التقرير تتعلق بالارتفاع الملحوظ في نسبة الأمية في العالم العربي مقارنة بمناطق العالم الأخرى. فبالرغم من أن المنطقة قد أنفقت نحو 5% من ناتجها المحلي الإجمالي و20% من ميزانيات حكوماتها على التعليم خلال الأربعين عاماً الأخيرة، فإن النتائج لم ترق إلى المستوى المطلوب، ففي الوقت الذي يخطو فيه العالم بشكل متسارع للقضاء على الأمية التكنولوجية، لا يزال نحو ثلث السكان الكبار في العالم العربي (حوالي 60 مليون) يعانون من الأمية الأبجدية، ثلثاهم من النساء، وهو ما يكشف عن فجوة معرفية تحتاج إلى جهد كبير للتغلب عليها. كما تشير الإحصاءات إلى فشل معظم البلدان العربية في تحقيق الهدف الثاني من الأهداف الإنمائية للألفية والخاص بضمان التعليم الأساسي للجميع بحلول عام 2015، فهناك ما يقارب نحو تسعة ملايين طفل في سن التعليم الأساسي في الدول العربية خارج المدارس، فيما تبلغ نسبة الذين لا تتجاوز خطاهم عتبة التعليم الأساسي في سبعة بلدان عربية نحو 40%، مما يصعب على تلك البلدان الانخراط في الاقتصاد القائم على المعرفة والذي يتطلّب معارف نظرية وتقنية لا يمكن اكتسابها إلا في مراحل تعليمية تلي مرحلة التعليم الأساسي.

ويرتبط المؤشر الثاني بمعدلات الفقر والبطالة في المنطقة العربية، فطبقاً للتقرير، بلغت نسبة الأفراد الذين يعيشون تحت خط الفقر في المنطقة نحو 18.4% من مجموع السكان (نحو 34.7 مليون شخص). وعلى الرغم من التطور المهم الحاصل في الناتج المحلي الإجمالي للفرد العربي، والذي ارتفع كمتوسط عام من 5038 دولاراً عام 2001 إلى 7760 دولاراً للفرد عام 2006، ولأكثر من 8000 دولار في العام 2008، فإن التفاوت الواضح بين الدول العربية في توزيع الثروات يقلل من أهمية هذا التحسن؛ حيث تتركز الزيادات في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بشكل واضح في الدول المصدرة للنفط دون دول المنطقة الأخرى.

كما شهدت نسبة البطالة في العالم العربي تزايداً مستمراً في العديد من البلدان العربية؛ فعلى سبيل المثال ارتفع متوسط نسبة البطالة لبلدان مثل الجزائر ومصر والأردن والمغرب وتونس وسورية (يشكلون 57% من القوى العاملة العربية) من 10.6% في الثمانينيات إلى 14.5% في التسعينيات، ثم بلغ 15.5% خلال العقد الحالي، فيما تراوحت نسبة البطالة بين الشباب في العالم 2005، بين 46% في الجزائر و6.3% في الإمارات العربية المتحدة، الأمر الذي يعكس الحاجة الماسة إلى إيجاد فرص العمل للملايين من الشباب العرب الذين تتزايد أعداد الملتحقين منهم بصفوف العاطلين يوماً بعد يوم. وكان تقرير أصدرته منظمة العمل العربية في يوليو من العام 2008 اعتبر أن معدلات البطالة في العالم العربي هي الأعلى والأسوأ في العالم؛ حيث قدرها بنسبة 14% من قوة العمل ونحو 25% بين الشباب، مؤكداً أن هناك حاجة لخلق نحو أربعة ملايين فرصة عمل سنوياً للحفاظ على نسبة البطالة عند هذا المعدل. ويتوقع بعض المراقبين أن تكون نسب الفقر والبطالة في العالم العربي قد تزايدت في الفترة الأخيرة تحت تأثير تداعيات الأزمة المالية العالمية.

أما المؤشر الثالث فيتعلق بالإنتاج البحثي والمعرفي؛ حيث تبين الإحصاءات الواردة في التقرير أن معدل الإنفاق على البحث العلمي في معظم الدول العربية لا يتعدى 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي، ويعتمد في مجمله على التمويل الحكومي الذي يصل إلى 97%، فيما لا يتجاوز معدل نصيب المواطن العربي مبلغ 10 دولارات في السنة من مجمل ما ينفق على البحث العلمي، مقارنة بحصة المواطن في ماليزيا والتي تبلغ 33 دولاراً، وفي فنلندا والتي تبلغ 1304 دولاراً. وبلغ إجمالي حجم الإنفاق العربي السنوي على البحث العلمي نحو 2 مليار دولار، نتج عنه في الفترة من 2002-2006 نحو 38.2 براءة اختراع سنوياً و5000 ورقة علمية منشورة فقط، فيما لم تتجاوز نسبة مساهمة العرب في النشر العلمي العالمي نحو 1.1%، وهي نسبة تظل محدودة، وإن كانت تمثل تطوراً بالنسبة للوضع الذي كان سائداً سابقاً؛ حيث كان العرب شبه غائبين عن ساحة النشر العلمي العالمي. كما تشير الأرقام الواردة في التقرير إلى محدودية نصيب الفرد العربي من الكتب المنشورة سنوياً مقارنة بباقي دول العالم، فإذا وزع مجموع الكتب المنشورة سنوياً في المنطقة العربية على عدد السكان يكون لكل 19150 مواطناً عربياً كتاب واحد فقط، مقارنة مع كتاب لكل 491 إنجليزياً ولكل 713 إسبانياً. كما توضح أرقام أخرى عرضت في المؤتمر الرابع للبحث العلمي الذي عقد في العاصمة الأردنية عمّان مؤخراً أن أعداد الباحثين بلغت 136 باحثاً لكل مليون عربي، مقابل 5085 في اليابان و1395 في إسرائيل و4374 في الولايات المتحدة. ويزيد من هذه المشكلة أن نحو 45% من الدارسين العرب في الخارج لا يعودون إلى أوطانهم ويستقرون في بلاد الغرب.

غير أن الصورة لم تكن قاتمة تماماً، فقد أشار "تقرير المعرفة العربي" إلى بعض المؤشرات الإيجابية المهمة، من ذلك دخول سبع بلدان عربية (دول مجلس التعاون الخليجي وليبيا) في فئة الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة، والتطور الحادث في مجال تقنية المعلومات والاتصالات؛ حيث سجلت البلدان العربية تطوراً في الأداء التقني فاق التطور المرصود في جميع مناطق العالم عام 2008. وجاءت أربع دول عربية، هي: دول الإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والكويت، ضمن قائمة الدول الخمسين الأكثر جاهزية في العالم للاستثمار في هذا المضمار. كذلك كان معدل زيادة مستخدمي اللغة العربية هو الأعلى بين مجموعة اللغات العشر الأولى على شبكة الإنترنت؛ حيث وصل عدد مستخدمي الإنترنت بالعربية إلى 60 مليون شخص. ويبشر هذا التسارع في استخدام الإنترنت باحتمالات أكبر للنجاح في ترويج التطبيقات التقنية في المجالات المختلفة، مما سيساهم في النهوض بالأداء المعرفي العربي بصورة عامة. وعلى الرغم من هذا التقدم الذي تم إحرازه، فلا تزال الفجوة الرقمية قائمة، كما أن معدلات الاستخدام في أغلب الدول العربية ما زالت دون النسبة السائدة في العالم، وهي 21% من السكان.

ومن واقع الأرقام والإحصائيات الواردة في التقرير يمكن الإشارة إلى ملاحظتين مهمتين؛ الأولى: أن تجسير الفجوة المعرفية القائمة حالياً بين العرب وغيرهم لن يكون سهلاً إذا استمر الوضع الراهن، ولاسيما لجهة ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتخلف نظم التعليم وضعف الإنفاق على البحث العلمي، وبالتالي فإن قدرة الدول العربية على اللحاق بركب التقدم والنمو ستظل ضعيفة ما لم يتم تدارك عوامل الضعف الراهنة وتطوير البنية التحتية المعرفية فيها. والثانية: أن الصورة ليست واحدة في كل الدول العربية، بل إن هناك تباينات شديدة فيما بين هذه الدول. ففي الإمارات وباقي دول مجلس التعاون الخليجي تبدو الصورة إيجابية ومبشرة إلى حد كبير؛ حيث قطعت هذه الدول، ولاسيما دولة الإمارات، خطوات مهمة وسريعة في مجالات توطين التكنولوجيا وإقامة اقتصاد المعرفة وتمكين المرأة والاهتمام بالبحث العلمي وتطوير نظم التعليم، وجاءت في طليعة الدول على مقياس التنمية البشرية العالمي. كما قطعت دول أخرى مثل مصر والأردن والمغرب ولبنان خطوات جيدة في هذا المجال، وإن كانت مازلت تواجه تحديات كبيرة بسبب الزيادة السكانية فيها وضعف الموارد الاقتصادية، في حين أن هناك شريحة ثالثة، مثل جيبوتي والصومال وموريتانيا وغيرها، تقبع في مؤخرة دول العالم في هذا السياق وتبدو فرصها في تجاوز الفجوة المعرفية مع دول العالم شبه معدومة في ظل الواقع المتردي الذي تعيشه.

إن ما تضمنه "تقرير المعرفة العربي لعام 2009" من مؤشرات خطيرة يفرض على العالم العربي ضرورة التحرك الجاد من أجل تجاوز جوانب الخلل والضعف القائمة في الوضع المعرفي العربي، والتحول من مجتمعات مستوردة للمعرفة إلى مجتمعات منتجة لها، باعتبار أن ذلك هو المدخل الرئيس، وربما الوحيد، لتحقيق التنمية والتقدم المنشود.

Share