وزير خارجية ليتوانيا: على الأمم الصغيرة أن تطور اقتصادات قائمة على المعرفة

  • 13 مايو 2012

أجرى موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على شبكة الإنترنت مقابلة حصرية مع معالي أودرنيوس أزوباليس، وزير خارجية جمهورية ليتوانيا، ألقى خلالها الضوء على مجالات التعاون القائمة والمحتملة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية ليتوانيا، وأزمة منطقة اليورو والحاجة إلى وجود انضباط مالي في الاتحاد الأوروبي. وقد أجريت المقابلة على هامش المحاضرة التي ألقاها معاليه في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية يوم 7 مايو 2012 بعنوان: "ليتوانيا: نقطة ارتكاز في وسط أوروبا". وفيما يلي نص المقابلة:

س: ما هي وجهة نظركم في موجة الاحتجاج الراهنة التي تجتاح أوروبا اعتراضاً على إجراءات التقشف، والتي انعكست في نتائج انتخابات عدة؟ وما تأثير هذه الموجة في منطقة اليورو؟ وهل تعتقدون أن احتمال قيام البنك المركزي الأوروبي بتحرير سياسته النقدية بدرجة أكبر من شأنه أن يساعد ليتوانيا على أن تصبح جزءاً من منطقة اليورو في عام 2014؟

ج: في البداية، ينبغي علينا أن نفرق بوضوح بين الخطاب الذي يسود في فترة الانتخابات، والواقع بالغ الصعوبة. وأود القول هنا إن ليتوانيا تؤيد السياسة الألمانية بشأن الانضباط المالي. وقد شجعني أيضاً تصريح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأن الاتفاق حول الاستدامة الاقتصادية ليس قابلاً للتفاوض. وهذا موقف جيد؛ حيث أثبتت ليتوانيا أنها عضو مسؤول في الاتحاد الأوروبي بتبنيها إجراءات التقشف الاقتصادي بعد الأزمة المالية عام 2008، والتي أثرت سلباً في اقتصادنا، فأثناء الأزمة، انخفض الناتج المحلي الإجمالي الخاص بنا إلى سالب 15%. وكنتيجة لذلك اتخذنا إجراءات تقشفية قوية؛ حيث قمنا بخفض قيمة الرواتب والمعاشات. حتى رواتب الوزراء تم خفضها بنسبة 45%. واضطررنا إلى إغلاق بعض مستشفياتنا؛ لأن عدداً كبيرا منها كان يعمل بنصف طاقته فحسب. وبطبيعة الحال، كانت كل هذه الإجراءات ذات تأثيرات مؤلمة، ولكننا نفذناها على الرغم من ذلك. ونفذنا أيضاً إصلاحات في مجال التعليم العالي؛ لأن ليتوانيا كان لديها 16 جامعة في ذلك الوقت، وهو عدد كبير جداً بالنسبة لعدد السكان البالغ 3 ملايين نسمة، حيث تم دمج عدد من هذه الجامعات سوياً في الوقت الحالي، الأمر الذي حسّن من مستواها. لقد قمنا ببساطة بإحكام "شد الحزام"، وبعد فترة من الوقت بدأت الأمور في التحسن. ففي الربع الثالث من عام 2009، شهدنا المؤشرات الأولى على عودة النشاط إلى اقتصادنا. ونما الناتج المحلي الإجمالي لدينا بنسبة 5.8% في العام الماضي. ونتوقع نموه هذا العام بنسبة 3.9%. هذا ما شهدناه نتيجة ممارستنا التي تتمثل في أنك إذا أردت أن تتجنب أي أزمة اقتصادية، ينبغي عليك أن تنفق على نحو مسؤول جداً، وألا تفرط في الاستدانة. ولكننا نخاطب شعبنا دائما بصراحة كبيرة حول خططنا للتقشف الاقتصادي. ويظهر هذا أننا نحاول العيش في حدود إمكاناتنا. وهذا هو السبب في أننا نعتقد بأن أوروبا لن تتجه إلى الأشكال الاشتراكية من الحكم.

س: هل بإمكانك أن تحدثنا باستفاضة عن نطاق تعزيز التعاون بين دولة الإمارات العربية المتحدة وليتوانيا ومجالاته المهمة، وبخاصة المجال الاقتصادي، كالتعاون في قطاعات الطاقة والتقنيات المتقدمة والابتكارات وغيرها؟

ج: عندما التقيت مع معالي الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي، وزيرة التجارة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، خلال زيارتي الحالية للدولة، أعربنا عن خيبة أملنا حيال صغر حجم العلاقات الاقتصادية الثنائية بين الدولتين. وقد حددنا أيضاً الكثير من المجالات المشتركة التي يمكننا أن نتعاون فيها. وعلى سبيل المثال، تتميز ليتوانيا بقوتها في مجال التقنية المتقدمة، ونحن نعمل مع العديد من الشركات العالمية الريادية في هذا المجال. وقد عملت شركاتنا للتقنية العالية بنجاح كبير في كثير من دول آسيا الوسطى. واليوم، عندما زرنا مشروع مدينة مصدر المتميز وجدنا أن هناك كثيراً من أوجه التعاون التي يمكن أن تقدمها جامعاتنا ومراكزنا في هذا الشأن؛ لأن ليتوانيا لديها خمسة من المراكز المسماة بوادي السيليكون، ونحن نتعاون بشكل وثيق مع نظرائنا. وفي واقع الأمر، نحن نرى أنفسنا لا باعتبارنا دولة ليتوانيا فحسب، وإنما باعتبارنا جزءاً لا يتجزأ من منطقة شمال بحر البلطيق التي يبلغ عدد سكانها 32 مليون نسمة. ومن المهم ملاحظة أن منطقة شمال بحر البلطيق تنتج 8% من الناتج المحلي الإجمالي لدول العالم. ويتمثل هدفنا الرئيسي في جعل منطقة شمال أوروبا وبحر البلطيق قوية وابتكارية ومترابطة بشدة.هناك أيضا مجال كبير للاستثمارات في تقنيات النانو والتقنيات الحيوية. وباعتقادي أنه من الأفضل للدول الصغيرة نسبياً أن تطور اقتصادات قائمة على المعرفة. وفي الوقت نفسه في إمكان كل من دولة الإمارات العربية المتحدة وليتوانيا أن تركزا على مجالات التعاون التقليدية، كمجال المنتجات الزراعية الذي نتمتع فيه بموقف قوي جدا؛ حيث حصل عدد من شركاتنا مؤخرا على شهادات "الحلال" (التي تمنح للمنتجات الغذائية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية)، وثمة إمكانية هائلة للتعاون في هذا المجال. فضلاً عن ذلك، تتمتع شركات التصنيع الغذائي لدينا بموقف قوي جداً، وهي تشارك في معارض عديدة للمنتجات الغذائية بمنطقة مجلس التعاون لدول الخليج العربية. ولهذا السبب، فقد وجهت الدعوة إلى وزيرة التجارة الخارجية لدولة الإمارات لزيارة دولتنا مع وفد تجاري لرؤية مجالات التعاون بين الدولتين ومناقشتها.

س: كيف ترون التطور الأخير في مواقف حلف شمال الأطلسي (الناتو) وروسيا بشأن الدرع الصاروخي الروسي في كالينجراد؟ وكيف يؤثر ذلك في بواعث القلق الأمني لديكم في ظل وقوع دولتكم في المنتصف بين قوتين كبريين؟

ج: الحمد الله أننا لسنا في المنتصف. جغرافياً، نعم. ولكن بشكل عام نحن أعضاء راسخو القدم في حلف الناتو وأعضاء ثابتون في الاتحاد الأوروبي. ونحن نقف دائما إلى جوار حلفائنا من الدول الديمقراطية الأخرى. وأنا سعيد جداً بالأهداف التي تحققت في بروكسل مؤخراً؛ حيث عقدنا اجتماعا وزارياً لحلف الناتو التقى خلاله وزراء الخارجية ووزراء الدفاع بدول حلف شمال الأطلسي للنقاش في إطار الاستعدادات الكبيرة للقمة المقبلة المقرر عقدها في شيكاغو. وقد أوضحت الوثيقة التي وضعنا مسودتها في الاجتماع الوزاري أننا لن نتناقش مع روسيا بشأن احتمال الجلوس معها للتفاوض. ولكننا قدمنا لها تأكيدات، ومستعدون لأن نؤكد لها مئة مرة أخرى أن الدرع الصاروخي الأوروبي لا يستهدف روسيا، ولكنه يستهدف الدول المارقة. ومع ذلك، فإنني لا أتوقع حضور بوتين إلى قمة شيكاغو؛ لأنهم يعلمون موقفنا، وهو موقف موحد تماماً. ويظهر هذا أن حلفاءنا لديهم وجهات نظر قوية وموحدة حول شؤون الدفاع. فأولاً، شدد أعضاء حلف الناتو على ضرورة تمسك الحلف بدوره التقليدي في الدفاع عن الدول الأعضاء وأراضيها. وهذا هو حجر الزاوية الذي تم التشديد عليه في الاجتماع الأخير. وبالطبع، فإن ذلك لا يستبعد التعاون مع الشركاء الآخرين؛ نظرا لأن هؤلاء الشركاء يؤدون دوراً مهما في عالمنا الحالي، بدءا من جورجيا وصولاً إلى أستراليا ونيوزيلندا واليابان.

س: منذ عملكم في الصحافة ووصولاً إلى توليكم منصب وزير الخارجية، ما هي الصعوبات التي واجهتموها في هذه الرحلة؟

ج: لقد تغير مجال الإعلام عما كان عليه الحال عندما كنت أعمل في الصحافة. فقد أصبحت وسائل الإعلام قوة عالمية مؤثرة، ولكن هذا لا يعني أنها باتت تتحلى بقدر أكبر من المسؤولية. إذ إنني أرى توجهات نحو الصحافة الشعبية (التابلويد)، وخصوصاً في منطقتنا. ويتمثل هذا في أسلوب نشر العناوين الضخمة والصور العملاقة مع كتابة عدد قليل فحسب من السطور تحت هذه الصور والعناوين. وهذا مخيب للآمال شيئاً ما. ومع ذلك، فهناك جانب آخر مشجع: مثلاً، عندما أرى المواقع الإلكترونية تنشر آراء مختلفة عن تلك التي تنشرها المؤسسات الإعلامية الضخمة.

وفيما يتعلق بي، فقد كنت أعمل في صحيفة مستقلة في ليتوانيا خلال مرحلة "البيروسترويكا". وقد كان مسموحاً لي بكتابة ما أريد كتابته وقتذاك. ولكن لاحقا شعرت بأن الرقابة كانت تعود مجدداً، فاخترت الالتحاق بالعمل السياسي. وقد التحقت بهذا المجال؛ لأنه يتيح لي أن أكون أكثر اتساقاً مع نفسي، ويمكنني أن أعبر عن قناعاتي وأفكاري من خلاله؛ كما يمكنني أيضاً أن أصبح عضواً في فريق. وبطبيعة الحال، يمكن لهذا أن يصيبك بالتوتر، ولكن باستطاعتي التأقلم مع هذا الأمر.

Share