وحدة المصير الإنساني

  • 9 أبريل 2020

مسألة وحدة المصير الإنساني ليست جديدة، فقد كانت محوراً في أدبيات وسلوكيات وعلاقات الأمم والشعوب على مدار التاريخ؛ ولطالما جرى الحديث عن أن مصير البشرية مشترك، سواء من قبل الأديان والرسالات السماوية أو الفكر السياسي العلماني أو غيره من الأفكار والأدبيات التي تحدثت عن التحديات التي تواجه البشر، سواء كانت أوبئة أو حروباً أو كوارث طبيعية أو غير طبيعية، والتي لا تقتصر تداعياتها على شعب أو مجموعة بشرية أو دولة أو حتى منطقة بعينها؛ وإنما تشمل الإنسانية كلها وتهدد وجودها بعواقبها الوخيمة؛ بل وحتى لم يُستبعد أن تتسبب في فناء الجنس البشري، ما لم يتم التصدي لها.
ومع ذلك، ربما لم يسبق أن شعرت البشرية بأن مصيرها بالفعل واحد، بالشكل الذي فرضه تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)؛ الذي وضع العالم أمام تحدٍّ مصيري وبشكل مختلف عن كل التحديات، بل والكوارث العالمية التي مرت بها البشرية على الأقل في العقود السبعة الأخيرة؛ أي منذ الحرب العالمية الثانية التي تسببت بدمار شامل وخسائر بشرية مرعبة وكوارث اقتصادية واجتماعية لم تكن مسبوقة في حينها؛ واليوم يأتي هذا الفيروس بشكل مفاجئ، ويغزو العالم بطريقة غير مسبوقة؛ لا من حيث نمط مسار انتشاره أو تفشيه، ولا حتى من حيث طبيعة العدوى التي لا يمكن التنبؤ بنتيجتها؛ وإنما أيضاً بسبب تداعياته وتأثيراته التي عمت كل جوانب الحياة وفي كل بقاع الأرض دون استثناء؛ حيث لا يوجد مكان في مأمن منه؛ ففي نحو ثلاثة شهور تفشى الفيروس في كل دول العالم؛ وأدى إلى إصابة الملايين، ومقتل عشرات الآلاف؛ وإذا ما استمر على الوتيرة نفسها فإنه سيصيب عشرات، بل مئات الملايين وسيتسبب بمقتل أعداد ضخمة من البشر؛ كما أن انعكاساته الاقتصادية والاجتماعية وبالطبع النفسية والمعنوية، ستكون كارثية بكل معنى الكلمة.
ومن هنا، فإن الجنس البشري بالفعل يواجه تحدياً مصيرياً، وهو غير مسبوق من نواحٍ مختلفة؛ ولكنه بالمقابل قادر على أن يستجيب له ويتعامل معه إذا ما وحد جهوده وعزز من تعاونه الحقيقي، والذي يعني ليس فقط مجرد الاستشعار بالخطر المشترك، ولا بالتعاطف الكلامي أو اللفظي، أو بإظهار مشاعر الحزن أو التضامن، وإنما أيضاً، وهذا هو الأهم، المشاركة بكل الإمكانات المتوافرة في جهود المكافحة، وفي الوقت نفسه الاستعداد للتضحية بالمال والوقت والجهد من أجل مصلحة الجميع؛ وهو هنا الجنس البشري بأكمله؛ بل إن فيروس كورونا، وهذا ربما من تداعياته أو تجاوزاً نقول «إيجابياته» أظهر للبشرية أن مصيرها -كما هو أصلها- واحد، ومن ثم فلا نجاة للجميع بدون تعاون الجميع؛ ولكن هذا التعاون يجب أن يتجسد في خطوات عملية ومبادرات حقيقية، من أجل الحد من تفشي هذا الفيروس؛ بما يتضمنه ذلك من اتخاذ إجراءات مشتركة وتنسيق أوسع فيما يتعلق بالإجراءات الاحترازية، خاصة التي تتطلب التعاون الإقليمي والدولي؛ وفي الوقت نفسه الشفافية في البيانات وتبادل المعلومات؛ وتكثيف العمل على إيجاد لقاح فعال للتخلص من هذا الفيروس والعلاج منه؛ وهذا جانب مهم فيه التعاون الدولي؛ حيث يمكن أن تساهم الجهود المشتركة، وتوظيف الإمكانات المتنوعة، في التوصل إلى علاج في وقت أسرع من الجهود المنفردة؛ حيث يلاحظ السعي من قبل العديد من الدول إلى تسجيل سبق في هذا المجال.
وربما يكون من أهم المظاهر التي تجسد الشعور بوحدة المصير الإنساني، هو التعاون في تخفيف المعاناة التي يتعرض لها الملايين من الناس حول العالم بسبب التداعيات الاقتصادية، حيث يجد الكثير من الناس أنفسهم فجأة بدون عمل؛ وما يرتبط بذلك من ارتفاع معدلات الفقر الذي لا تخفى عواقبه الإنسانية والاجتماعية الوخيمة أحياناً؛ ويجب هنا أن تُبرز الإنسانية أفضل ما لديها لا أسوأه، وأن تُظهر تضامناً أخوياً يعكس حقيقة أن البشرية أصلها واحد ومصيرها في ظل التحديات التي تواجهها بكل تأكيد واحد.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات