وثيقة التفاهم بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.. الملامح والتوابع

إبراهيم عبدالكريم: وثيقة التفاهم بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.. الملامح والتوابع

  • 7 أكتوبر 2007

استناداً إلى ما ينشر عن سلسلة المحادثات الجارية بين رئيس الحكومة الإسرائيلية "إيهود أولمرت" ورئيس السلطة الفلسطينية "محمود عباس"، وفي ضوء معرفة مخزون المواقف والوصفات المتعلقة بحل النزاع، يمكن استباق الحدث الذي تتجه الأنظار إليه، وهو بلورة "وثيقة التفاهم" بين إسرائيل والفلسطينيين، لتقديمها إلى "مؤتمر بوش" الدولي المقبل، بمحاولة تحديد المضامين الرئيسة لهذه الوثيقة، التي ستشكل بوصلة لسعي الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني إلى إنجاز تسوية سياسية تشمل الموضوعات الجارية والقضايا الكبيرة التي أُجلت للحل النهائي.

 وتعدّ الوثيقة المزمع إنجازها "إعلان نوايا"، ومن المتوقع أن يتم الحديث فيها عن الحاجة إلى ضرورة حل النزاع القائم، ووضع حد لمسيرة عقود من المعاناة لطرفي النزاع، واستئناف عملية السلام التي توقفت طيلة السنوات السبع الماضية، على قاعدة واسعة من المنطلقات تشمل قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ومبادئ مبادرة السلام العربية، ورؤية بوش للدولتين، وخارطة الطريق، وتصورات اللجنة الرباعية الدولية. وبعد ذلك يجري تحديد الأطر العامة لمكونات هذه الوثيقة. فكيف تبدو الملامح الرئيسة لهذه المكونات؟..

 ومن المتوقع أن يتصدر "وثيقة التفاهم" التركيز على خطة خارطة الطريق كأساس للمفاوضات، من دون أن تتخلى إسرائيل عن التحفظات الأربعة عشرة التي وضعتها عليها حكومة "شارون" وقدمتها للإدارة الأمريكية كجزء لا يتجزأ منها. وسيتم إعطاء موضوع الأمن المكانة الأولى، عبر تأكيد نزع سلاح كل التنظيمات وفرض سلطة واحدة في المناطق الفلسطينية، مقابل إخراج قوات الجيش الإسرائيلي من المدن الفلسطينية كمرحلة أولى، ثم استكمال الترتيبات الأمنية، وصولاً إلى التزام الطرفين تماماً بنبذ العنف والإرهاب الصادر من أي طرف منهما ضد الآخر.

 وحين يجري الحديث عن الدولة الفلسطينية تطبيقاً لرؤية بوش للدولتين، ستركز إسرائيل على التحفظ الخامس، وهو أن تكون للدولة في المراحل الانتقالية حدود انتقالية وجوانب معينة من السيادة، وستكون هذه الدولة مجردة من السلاح بشكل مطلق، ولن تكون لها صلاحية إبرام الاتفاقيات والأحلاف الدفاعية أو التعاون العسكري، وستكون لإسرائيل سيطرة كاملة على دخول وخروج الأشخاص والبضائع، وكذلك في المجال الجوي وفي الترددات الإلكترو-مغناطيسية.

 وطبقاً للمعطيات القائمة حالياً، من الواضح أن إسرائيل لن تعارض النظر إلى قطاع غزة والضفة الغربية كوحدة سياسية واحدة، لكنها تحاول فرض حقيقة قائمة على الأرض وهي أن إسرائيل قررت حدودها وحدود الدولة في الضفة الغربية منذ إنشاء "الجدار الفاصل" الذي سيكون هو الحدود الدائمة مع إجراء تغييرات معينة، وهذا يعني أن نحو 8% كحد أقصى من أراضي الضفة سيُلحق بإسرائيل، بما في ذلك المستوطنات اليهودية التي أُقيمت شرقي القدس وفي الضفة عموماً. وسيتم تعويض الفلسطينيين عن الأراضي التي سيفقدونها في الضفة بمساحة مماثلة داخل "الخط الأخضر".

 ومن المقدر أن تحدد "وثيقة التفاهم" الحدود على أساس خطوط حزيران/يونيو 1967، مع مراعاة الاحتياجات الأمنية والتطورات الديمغرافية والمستلزمات الإنسانية، وتبادل الأراضي(بنسبة 1:1)، وهو ما يتيح للفلسطينيين القول إنهم حصلوا على 100%من الأرض، ويتيح للإسرائيليين تفكيك المستوطنات الصغيرة وضم الكتل الاستيطانية الكبيرة للدولة كما وعد الرئيس "بوش" في رسالته لشارون (2004). ورغم أن "وثيقة التفاهم" لن تتضمن تفصيلات حول المناطق التي سيتم تسليمها للفلسطينيين مقابل كتل المستوطنات، بل ستترك للاتفاق عليها في المفاوضات بعد المؤتمر الدولي، إلا أنه من المرجح أن تعرض إسرائيل على الفلسطينيين أراضي في النقب الغربي (حالوتسا) المجاورة لقطاع غزة. وأمام تشدد الفلسطينيين إزاء انخفاض نوعية هذه الأراضي، ستعنى إسرائيل بطرح موضوع نقل مناطق مأهولة بالسكان العرب في منطقة المثلث من المجال الإسرائيلي(نحو 200 كم2 يعيش فيها نحو 200 ألف عربي) إلى سيادة الدولة الفلسطينية، وبذلك تخفف وطأة المشكلة الديمغرافية عليها، مقابل ضم مساحات ومستوطنين بالقدر نفسه في الضفة الغربية إلى إسرائيل.

 وارتباطاً بموضوع تبادل المناطق، وربما في إطاره، ستقترح إسرائيل أن تتضمن "وثيقة التفاهم" قبول صيغة "الممر الآمن" بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بحيث تستخدم السلطة الفلسطينية هذا الممر، لكن السيادة عليه ستبقى بيد إسرائيل. ومما يذكر أنه ظهرت اقتراحات إسرائيلية بإعطاء الفلسطينيين نفقاً يربط بين منطقتي الضفة والقطاع، بينما اقترح آخرون ربط المنطقتين بسكة حديد أو بجسر.

وبشأن الحدود، سيشمل الحل الوسط المتوقع اعتماده في المفاوضات اتفاقاً على حدود مؤقتة في المرحلة الأولى، وتأجيل الإعلان عن الدولة إلى أن يتحقق اتفاق على الحدود الدائمة. ويمكن لـ"أولمرت" أن يلوّح بنجاح خطته، وتنفيذ الوعد بالتخلص من الفلسطينيين. أما "عباس" فيمكنه أن يتباهى بنجاحه في التخلص من وجود الجنود والمستوطنين الإسرائيليين في غالبية مناطق الضفة الغربية. وحسب المصادر الإسرائيلية (التي نفاها الفلسطينيون)، يبدي "عباس" مرونة إزاء إنشاء دولة ضمن حدود مؤقتة، بعد التوقيع على "اتفاق المبادئ"، لكنه يشترط موافقته على ذلك بالحصول على ضمانات الأسرة الدولية على جدول زمني لإنهاء المفاوضات حول الحدود الدائمة.

 حسب هذه الصورة، لن تكون للدولة سيادة إذا لم تكن لها حدود معترف بها، ومن شأن إسرائيل أن تتنازل عن غالبية المنطقة، وأن تبقى تسيطر تماماً على دولة فلسطينية "تحت الوصاية". ويدرك الفلسطينيون أن تعبير "دولة بحدود مؤقتة" يشير إلى خديعة إسرائيلية، إذ ليس لدى الإسرائيليين شيء أكثر ديمومة من المؤقت. وإذا أصرت إسرائيل على السيطرة على الحدود، ومنع الفلسطينيين من حرية الحركة للأشخاص والبضائع، فإن الدولة لن تكون قادرة على العيش.

الموضوع الآخر الذي سيشكل أحد المحاور الرئيسة في "وثيقة التفاهم" يتعلق بقضية القدس التي يتفق الجميع على أنها "الجوزة الأكثر مناعة على الكسر" في كل محاولة للوصول إلى اتفاق إسرائيلي?فلسطيني. ومن المرجح أن يتم في نهاية المطاف التوصل إلى تفاهم بأن تكون في القدس عاصمتان، واحدة لدولة إسرائيل وأخرى لدولة فلسطين. وأن يكون بين سلطتيهما تعاون يسمح بإدارة الحياة لكل السكان. وبين الأفكار التي يتم تداولها حالياً؛ مبدأ "ما لليهود سيبقى لليهود وما للعرب سيبقى للعرب" الذي وضعه الرئيس الأمريكي "بيل كلينتون" في مطلع عام 2001، بتقسيم "السيادة" في القدس الشرقية بين الدولتين، بحيث تبقى الأماكن التي يقطنها اليهود (المستوطنات والأحياء اليهودية) تحت السيادة الإسرائيلية، بينما تنتقل الأماكن التي يقطنها العرب إلى الدولة الفلسطينية. وبهذا يتم تقليص الأقلية العربية التي تعيش في المجال الإسرائيلي بنقل 250 ألف عربي من شرقي القدس إلى الدولة الفلسطينية، فيفقدون حق الإقامة الإسرائيلية. وفي المنطقة المسماة "الحوض المقدس"، أي منطقة الحرم القدسي ومحيطه، ستكون الإدارة مشتركة للأديان الثلاثة؛ كل ديانة مسؤولة عن إدارة مواقعها، دون أن تُرفع "أعلام وطنية" إسرائيلية أو فلسطينية، ويجري استخدام تعبير "السيادة لله" في هذه المنطقة. كما ظهرت مقترحات بإشراك الأردن والسعودية في التسوية الخاصة بقضية القدس. وتحدث بعضهم عن أن كل تسوية لهذه القضية يجب أن تتضمن حلولاً لعشرات المسائل العملية، وفي مقدمتها؛ الترتيبات الخاصة بحرية الوصول للأماكن المقدسة للأديان الثلاثة.

 أما في موضوع اللاجئين، فتبدو المسألة واضحة الملامح، تحت عنوان "إيجاد حل عادل ومتفق عليه لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين"، ومن المتوقع أن تعترف إسرائيل بمعاناة اللاجئين، وأن تبدي استعدادها للمشاركة في خطة دولية لتحسين أوضاع اللاجئين في أماكن إقامتهم، وفي صندوق دولي للتعويضات، لكن تطبيق "حق العودة" سيقتصر على مناطق الدولة الفلسطينية، بإعلان هذه الدولة وطناً قومياً للشعب الفلسطيني، مقابل إسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي، ورفض إسرائيل إدخال أي لاجئ إلى مجالها تطبيقاً لهذا الحق، مع إمكانية إبداء إسرائيل مرونة في النظر بالحالات الخاصة والفردية (جمع الشمل أو غير ذلك) ضمن صيغة الحصص التي ستحدد كبادرات إنسانية.

 يُفهم مما تقدم أن "وثيقة التفاهم" ستدمج بين الطروحات التي تضمنتها الاتفاقيات بين إسرائيل والفلسطينيين وصيغ الحل النهائي لموضوعات الدولة والحدود والمستوطنات والقدس واللاجئين. ويعدّ هذا الدمج نقلة نوعية على مسار البحث عن تسوية للصراع. فهل ستترجم هذه النقلة إلى وقائع جديدة؟ أم أنها ستضاف إلى سابقاتها التي نحّيت جانباً بتأثير التفاعلات الجارية؟!.. إنه سؤال مركّب جدير بالمتابعة والاهتمام.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات