واقع مائيّ‮ ‬صعب

  • 16 يناير 2012

التقويم الذي أجراه مؤخراً "البنك الدولي" حول قطاع المياه في دول "مجلس التعاون لدول الخليج العربية" يكشف بوضوح عن الواقع المائيّ الصعب الذي قد تواجهه هذه الدول في غضون السنوات المقبلة، فقد أشار إلى أن "إمدادات المياه والموارد المائيّة في هذه الدول ستواجه تحديات عديدة في عام 2050، لأن الكميّة المستخرجة من المياه الجوفية أكبر بكثير من كمية إعادة التغذية، فضلاً عن أن خزانات المياه الجوفيّة بدأت في النضوب بسرعة"، وهذا يشير بوضوح إلى طبيعة المشكلة المائيّة في هذه الدول، التي ترجع في الأساس إلى الفجوة الكبيرة بين العرض والطلب الكلي على المياه، ولا سيّما في ظل النمو السكاني المتزايد، والتوسع العمراني، وغير ذلك من القضايا التي تمثل ضغطاً على الموارد الحالية للمياه.

تمثل المياه عنصراً رئيسياً في التنمية في أيّ دولة من الدول، لأنها ترتبط بحاضر هذه الدول ومستقبلها، وكلّما كان هناك إدراك واضح لطبيعة هذه الموارد المائيّة، وكيفية استخدامها بكفاءة ورشد، كانت هذه الدولة قادرة ليس على التحسّب لأي أزمات مستقبلية قد تواجهها فقط، وإنما على توظيفها بكفاءة لتخدم برامج التنمية المستدامة فيها أيضاً، وهذا ما تدركه دول "مجلس التعاون"، فمنذ سنوات وتحقيق الأمن المائي يتصدّر أولوياتها، حيث شرعت في وضع العديد من البرامج والخطط المهمة في هذا الشأن، كبرنامج الإدارة المتكاملة والمستدامة للموارد المائيّة، وإقامة مشروعات مشتركة للمياه كمشروع إجراء أبحاث التحلية. وقد تجسّد هذا الإدراك بوضوح في "إعلان أبوظبي للمياه" الصادر عن القمة الحادية والثلاثين لـ "المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية" التي عقدت في أبوظبي في ديسمبر عام 2010، الذي تضمّن عدداً من السياسات التي من شأنها تحقيق التكامل الخليجي في هذه القضية الحيويّة.

لقد عبّر الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، عقب محاضرة عن المياه العذبة في العالم، ألقيت في مجلس سموه الشّهر الماضي، بوضوح عن واقع مشكلة المياه في دولة الإمارات، ودول "مجلس التعاون لدول الخليج العربية" بوجه عام، حيث أكّد سموه أن "المياه تشكل أهمية كبرى تفوق أهمية النفط بالنسبة إلى دولة الإمارات، وأن شبه الجزيرة العربية، بشكل عام، تواجه مشكلة جدّية في هذا الشأن"، وقدم رؤية عميقة لكيفية التعاطي مع التحدّي الذي تشكله هذه المشكلة مستقبلاً، حيث دعا سموه إلى ضرورة تركيز الجهود على إجراء الدراسات والبحوث، ووضع الخطط والاستراتيجيات والحلول الملائمة، التي من شأنها إيجاد السبل الكفيلة بتلبية احتياجات المستقبل، وحفظ الموارد الطبيعيّة وصونها للأجيال القادمة.

إن إدراك المشكلة هو البداية السليمة لحلّها، ووضع التصورات والرؤى المختلفة للتعامل معها في المستقبل المنظور والبعيد، وهذا هو النهج الذي تتبعه دولة الإمارات في إدارة أزمة المياه التي تواجهها، حيث تمتلك خطّة متكاملة لتحقيق الأمن المائي، تنطلق من الواقع المائي الراهن، وتستشرف احتياجات الدولة المستقبليّة من المياه، حتى تستمر حركة التطور والتقدّم التي تشهدها في المجالات كافة.

Share