هوية الدولة الإسرائيلية.. بين مفهوم الذات والصورة الدولية

إبراهيم عبدالكريم: هوية الدولة الإسرائيلية.. بين مفهوم الذات والصورة الدولية

  • 6 يناير 2008

خلال نحو ستين عاماً من عمر دولة إسرائيل، لم يسبق أن استعرت نيران النقاش على "هوية" هذه الدولة على النحو الذي يجري حالياً. فعلى الرغم من تمكن إسرائيل من تهويد غالبية فلسطين بعملية إحلالية تهجيرية-استيطانية، وبناء وجودها الكياني على مسار تدمير التطور الطبيعي للشعب العربي في فلسطين، يلاحظ حالياً أن الاعتراف بـ "يهودية الدولة الإسرائيلية" يشكل العمود الفقري لمضامين التسوية الإسرائيلية المطروحة. وحين يتم تحري السياقات الذاتية والدولية لمفهوم "الدولة اليهودية"، يجد المحلل أمامه خليطاً من المقولات البسيطة والتأويلات المغرضة، التي تساعد الإسرائيليين على تسويق طروحاتهم، ومحاولة تعميم نتائج معقدة يتم تشريب الوعي بها، محلياً وإقليمياً ودولياً. ويتجلى تداخل تلك السياقات على امتداد العقود التي تلت مقررات المؤتمر الصهيوني الأول (بال 1897). فبعد عشرين عاماً من هذا المؤتمر، ظهر الشكل الرسمي الأول للنص على "الدولة اليهودية" بصورة مواربة في تصريح "وعد بلفور" المتضمن إقامة "وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين". وبعد منح مؤتمر سان ريمو عام 1920 بريطانيا حق الانتداب البريطاني على فلسطين، ظهر المفهوم ذاته في صك الانتداب عام 1922، كما ظهر في توصيات اللجان الدولية التي حاولت وضع حلول للمشكلة في فلسطين بين العرب واليهود. وعاد مفهوم "الدولة اليهودية" ليظهر في قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت رقم 181 بتاريخ 29/11/1947، والذي تحدث عن "دولتين مستقلتين، يهودية وعربية، تقامان في فلسطين". ويتفق المنظرون والساسة الإسرائيليون على أن مصطلح "دولة يهودية" ولد من هذا القرار الذي يعتبرونه الأساس القانوني والدولي للاستقلال، ومن هنا تبدأ الإشكاليات القانونية والسياسية والعملية.. كيف؟!.

 لقد تعهدت إسرائيل من أجل قبولها كعضو في الأمم المتحدة بالمساواة في الحقوق الكاملة لجميع مواطنيها، وعكس إعلان قيام دولة إسرائيل الذي يسمونه "وثيقة الاستقلال" طابع هذه الدولة؛ حيث فرض بن غوريون رأيه في أن يتضمن الإعلان مصطلح إقامة الدولة "على أساس قرار التقسيم"، بدلاً من إقامة الدولة "في إطار قرار التقسيم". واتساقاً مع هذا التحديد، رفضت إسرائيل قرار التقسيم بالمضامين الواردة فيه جغرافياً وسكانياً وسياسياً واقتصادياً وقانونياً.. إلخ، لكن مع تبنيه والتذرع به في معرض النص على "دولة يهودية".

 وتقدم "وثيقة الاستقلال" التي حملت 37 توقيعاً لأعضاء "مجلس الشعب" مدخلاً للموضوع المتعلق بهوية الدولة ومكانة العرب فيها، على أرضية عنصرية سافرة، فقد دعت هذه الوثيقة فلسطين باسم "أرض إسرائيل"، وشددت على ارتباط اليهود بهذه الأرض، وادعت "الحق الطبيعي و التاريخي لليهود في البلاد"، وشملت إعلان إقامة "دولة يهودية في أرض إسرائيل هي دولة إسرائيل" على أساس قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة. وبعد أن بينت الوثيقة أن هذه الدولة ستكون مفتوحة الأبواب للهجرة اليهودية، وتدأب على تطوير البلاد لصالح سكانها جميعاً، جاء في الوثيقة ما يلي: "إننا ندعو أبناء الشعب العربي سكان دولة إسرائيل، رغم الحملات الدموية خلال شهور، إلى المحافظة على السلام والقيام بنصيبهم في إقامة الدولة على أساس المساواة التامة في المواطنة والتمثيل المناسب في جميع مؤسساتها المؤقتة والدائمة".

 وحين تعرض "وثيقة الاستقلال" في ضوء الممارسة الإسرائيلية، تتضح خصائصها الرئيسة، على النحو التالي: أولاً؛ تشكل "وثيقة الاستقلال" إعلاناً للعالم الخارجي عن قيام دولة إسرائيل، تتحدد أهميتها بالنسبة للداخل في تحديد الطابع العام للدولة وتقرير طريقة حياة مواطنيها. وقد جاء الحديث عن المساواة التي تخص العرب في البلاد، مترافقاً مع دعوتهم للقيام بنصيبهم في إقامة الدولة، وهنا ينشأ تناقض بين مفهوم "يهودية الدولة" و"مساواة اليهود مع غيرهم"؛ إذ يصبح النص على المساواة في المواطنة والتمثيل المناسب في جميع مؤسسات الدولة مجرد عرض دعائي تظاهري يوظف داخلياً وخارجياً، دون أن يكون موقفاً مبدئياً للتطبيق.

 ثانياً؛ ينطوي مصطلح "دولة يهودية" الوارد في الوثيقة، على مفهوم انعزالي وعرقي يثير مشكلة للمواطنين العرب في البلاد، بوجود محتويين لصفة "اليهودية" يؤذيان هؤلاء العرب، هما: المحتوى الديني الذي يعدّ أساساً للتمييز العنصري ضدهم باعتبارهم اتباع ديانة أخرى، والمحتوى الإثني المرادف للقومي بالمنظور الصهيوني الذي يعدّ أساساً سياسياً للتمييز ضد العرب بكونهم ينتمون إلى قومية خاصة بهم. يضاف إلى هذا ما يترتب عملياً على "يهودية الدولة" من متغيرات متعددة، موجهة ضد العرب، وتعرضهم للاضطهاد القومي والمعيشي والتمييز العنصري، مثل: مصادرة الأراضي، واستقدام المهاجرين اليهود، وبناء المستعمرات، والتركيز على العمل والإنتاج اليهودي والاقتصاد اليهودي، وتعميم الثقافة اليهودية، وبلورة السياسة اليهودية.. الخ.

 ثالثاً؛ تربط "وثيقة الاستقلال" الحقوق الفردية بواجب المساهمة في بناء الدولة، وبالتالي لا تتعلق بحقوق العرب كأقلية قومية، وبتغليب الحصرية الدينية/الإثنية للجماعة اليهودية(الأكثرية)، تحوّل طبيعة نظام الحكم الإسرائيلي إلى نظام يحتوي أحد أشكال الفصل العنصري (أبارتهيد). وفي ظل عدم تمتع "الوثيقة" بأي صفة دستورية، إذ لا يوجد دستور للدولة، وغياب أي ضمانة قانونية لها، لهذه الأسباب لا يمكن إجبار أي فرد أو سلطة أو مؤسسة على التقيد بهذه "الوثيقة"، فلا يبقى منها ولا ينجم عنها إلا تطويق حقوق العرب كأفراد، وضياع حقوقهم كأقلية قومية.

 وقد حرصت المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة على إبراز صفة "اليهودية" في العديد من القوانين والقرارات التي اعتمدتها. وعلى سبيل المثال؛ نص القانون الأساسي للدولة والكنيست الصادر عام 1985 على أن "قائمة المرشحين لن تشارك في انتخابات الكنيست إذا وجد في أهدافها أو أفعالها ما ينفي قيام دولة إسرائيل كدولة للشعب اليهودي". وحددت المحكمة الإسرائيلية العليا مرات عدة المميزات الرئيسية لمقومات "يهودية الدولة"، بتأكيدها على أن اللغة العبرية هي اللغة الرسمية الأساسية، وتحديد أيام العطلة حسب التقاليد اليهودية، وغير ذلك.

 وعلى المسار التاريخي الصراعي والسياسي، كانت "يهودية الدولة" تغيب عن التداول، مقابل تحديد اسم الدولة فقط (إسرائيل). فمثلاً، في القرار 242 الصادر عام مجلس الأمن في تشرين الثاني عام 1967، الذي ينظر إليه بأنه مرجعية دولية أساسية لتسوية الصراع العربي-الإسرائيلي, جرى الحديث عن اعتراف بقيام دولة إسرائيل، أو اعتراف بحق دولة إسرائيل بالوجود، دون الإشارة إلى أنه يدور الحديث عن "دولة يهودية". وفي العملية السياسية، ممثلة بالاتفاقيات مع مصر والأردن و الفلسطينيين، لم يرد مطلب إسرائيل بالاعتراف بها بأنها "دولة يهودية" أو "دولة للشعب اليهودي". ولم تتطرق هذه الاتفاقيات لطبيعة إسرائيل. وتستخدم وسائل الإعلام العالمية تعبير "إسرائيل"، ونادراً ما تستخدم اسم "الدولة اليهودية".

 لكن تعبير "دولة يهودية" أخذ، خلال السنوات الأخيرة، يطرح بكثافة، في التداول الخاص بالتسوية مع الفلسطينيين والعرب. ففي ديسمبر/كانون الأول 2000، بعد إخفاق قمة كامب ديفيد الثانية، اقترح الرئيس الأمريكي بيل كلينتون خطوطه الأساس الشهيرة لإنهاء النزاع الإسرائيلي?الفلسطيني التي تحدث فيها عن أن "الحل سيقوم على أساس دولتين؛ دولة فلسطين كبلاد الفلسطينيين ودولة إسرائيل كبلاد اليهود". وحدد كلينتون للمرة الأولى بأن يعود اللاجئون إلى وطنهم الذي هو الدولة الفلسطينية, وبذلك عزز صفة "إسرائيل كوطن للشعب اليهودي". وفي عام 2003، خلال قمة العقبة، ركز الرئيس الأمريكي جورج بوش بشكل صريح وعلني على "دولة ديموقراطية فلسطينية تعيش بسلام كامل مع دولة إسرائيل كدولة يهودية"، وأخذ يكرر هذا التعبير لاحقاً قبل مؤتمر أنابوليس وخلاله وبعده. وقد شكّل ذلك، إلى جانب تصريحات وتفاهمات أخرى، استجابة أمريكية لمطلب إسرائيل برفض عودة لاجئين فلسطينيين إلى نطاقها؛ إذ كان التأييد الأمريكي لطبيعة إسرائيل كدولة يهودية يعني تلقائياً وبالضرورة رفض حق العودة للاجئين، تلافياً للخطر الديمغرافي المستقبلي.

 وعلى خط التوافق الإسرائيلي-الأمريكي ذاته، يمكن إدراج التحفظ السادس الوارد ضمن التحفظات الإسرائيلية الأربعة عشر على خارطة الطريق الأمريكية أيار 2003 الذي نص على "تأكيد حق دولة إسرائيل في الوجود كدولة يهودية تُمنع عودة لاجئين فلسطينيين إليها، بما في ذلك إعلان فلسطيني بالتخلي عن حق العودة". وتتكاثر الفطور على هذه الشاكلة، ومنها مثلاً وصف الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي مؤخراً بأن دولة إسرائيل هي "دولة قومية للشعب اليهودي".

 حين يضاف البعد الدولي للمسألة إلى البعد المحلي الإسرائيلي، يولد انطباع بأن "يهودية الدولة" الإسرائيلية ليست مجرد شأن داخلي، بل يراد لها أن تفرض واقعاً دائماً جغرافياً وسكانياً وسياسياً ينسجم مع متطلبات استمرار المهمة الوظيفية لإسرائيل في المنطقة العربية.. ولا يجهل أحد في منطقتنا هذه المهمة، حتى الذين يبدون استعداداً للانخراط في عملية التسوية معها، لاعتبارات خاصة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات