هل ينذر ارتفاع الدين العالمي بأزمة مالية قادمة؟

  • 21 ديسمبر 2019

يُصنّف ارتفاع الدين العام العالمي ضمن رزمة المخاطر التي يعانيها الاقتصاد العالمي، والمتمثلة بتباطؤ النمو، وارتفاع البطالة، وتراجع أسعار السلع الأولية كالنفط الخام وغير ذلك، ما قد يتسبب بوجود إرهاصات أزمة مالية مقبلة قد تعصف بالاقتصاد العالمي مجدداً.
البيانات الحديثة التي قدّرها صندوق النقد الدولي حول وصول حجم الدين العالمي في نهاية العام الماضي إلى نحو 188 تريليون دولار، بارتفاع يقدر بنحو 1.5% مقارنة بعام 2017، وارتفاع معدله إلى إجمالي الناتج العالمي بمقدار 226%، يشير إلى أن الاقتصاد العالمي ربما يتعرض إلى جملة من التحديات مستقبلاً؛ إذ إن تزايد الديون العالمية يعني تزايد أعباء خدمتها ووضع بعض الدول تحت وطأة عدم القدرة على سداد ديونها، ما سيضغط على بنود الإنفاق العام في ميزانياتها ويجعلها تتخذ إجراءات تقشفية تتخلى فيها عن دعم المواد الأساسية وخصخصة شركات وتخفيض رواتب العاملين أو تقليص أعدادهم، الأمر الذي ينذر باضطرابات شعبية تحدث المزيد من التحديات.
البيانات الأخيرة الواردة في دراسة أصدرها الصندوق، تقول إنه على الرغم من أن نسبة ارتفاع الدين العام إلى الناتج المحلي هي الأقل منذ عام 2004، إلا أن دولاً عدة ليست جاهزة لمواجهة دورة جديدة من التراجع، جراء ارتفاع مستويات هشاشتها الاقتصادية والمالية، ما يوجب عليها معالجة أوجه تلك الهشاشة حتى يتمكن الاقتصاد العالمي من مواجهة أي صدمات محتملة. كما تؤكد البيانات أن مستويات الدين العام في أغلب الدول ما زالت أعلى من مستوى عام 2008. وبحسب مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، فإن القطاع الخاص، بات حالياً المحرك الرئيسي لتزايد حجم الدين العالمي، حيث يشكل ثلثي إجمالي الدين، مضيفة أن الدول المنخفضة الدخل، تعاني زيادات حادة في أعباء ديونها على مدى السنوات الخمس الماضية، الأمر الذي شكل تهديداً لأهداف التنمية، نتيجة لتوجه حكومات هذه الدول لإنفاق المزيد من الأموال على خدمة الديون مقابل تراجع الإنفاق على القطاعات الاجتماعية التي تخدم التنمية كالصحة والتعليم والبنية التحتية وما إلى ذلك.
وعلى الرغم من أن بعض الاقتصاديين لا يعتبرون ارتفاع الدين العالمي خطراً فيما لو بقيت أسعار الفائدة منخفضة كما هو عليه الحال الآن، فإن الأمر المقلق يتعلق بإمكانية التوقف عند هذه المعدلات من الديون، إضافة إلى الآلية التي ستواجه بها الدول المدينة ديونها، عبر انتهاج سياسات استثمارية تحقق مزيداً من المداخيل التي تمكنها من سداد ديونها؛ فمثلاً يرى المتخصص بقضايا الاقتصاد، جان مارك فيتوري، أنه في «الوضع الحالي، لا يوجد ضمانات بأن الوسائل ستكون كافية لمنع الركود من التحول إلى أزمة جديدة، حقيقية ودائمة». ولذلك فإن وصول مستويات الدين العالمي لمستويات مرتفعة، ينذر بمخاوف أخرى من تصاعده مستقبلاً إلى الحدود غير الآمنة، وهو ما سيكون كارثة إذا فشلت حكومات بعض الدول في سداد أقساط ديونها في مواعيد استحقاقها، الأمر الذي يزيد المخاطر ويهدد الاستقرار العالمي.
لقد عكس تراكم مستويات الديون العالمية وجود مجموعة من العوامل التي أسهمت في تزايد معدلاته، أهمها: انخفاض أسعار السلع الأساسية بشكل حاد، وتزايد الكوارث الطبيعية والصراعات الأهلية، ولجوء الحكومات إلى الإنفاق الاستثماري على المشاريع غير المنتجة، وتفشي حالة عدم اليقين التي يعانيها العالم، من جراء التوترات التجارية والبريكست والمخاطر الجيوسياسية التي تعانيها دول عدة في هذه المرحلة. فارتفاع الدين العالمي لا يمثل خطراً على الاستقرار المالي فحسب، إنما يشكل عبئاً على الجهود التي تبذلها الدول في مجالات النمو والتنمية، وخاصة في الدول النامية.
وحتى يتم تجنب أي أزمات مالية مقبلة، فإن الدول ذات الاقتصادات الناشئة والنامية بات مطلوباً منها العمل على جعل الاقتراض أكثر استدامة من خلال جذب الاستثمارات وزيادة عائدات الضرائب، ومحاربة الفساد وزيادة المساءلة، والتركيز على المشاريع الاستثمارية ذات العوائد المرتفعة، واعتماد سياسات اقتصادية تهدف إلى القضاء على الفقر والبطالة وتحفز الاستثمار وتزيد الثقة بأسواقها المحلية.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات