هل ينجح "الميثاق المالي" في حل الأزمة الاقتصادية الأوروبية المتفاقمة

  • 7 فبراير 2012

يبدو أن الاتحاد الأوروبي يريد تحويل الأزمة المالية المتفاقمة التي يعيشها إلى فرصة. ففي الوقت الذي تواجه فيه بعض دول منطقة اليورو شبح الإفلاس، اختار الاتحاد الأوروبي بجرأة أن ينتقل بالتكامل الاقتصادي إلى المستوى التالي؛ حيث وقعت دول الاتحاد في قمتها التي عُقدت في 30 يناير 2012، على "ميثاق مالي"، عُرِف رسمياً باسم "اتفاقية الاستقرار والتنسيق والحوكمة في الاتحاد الاقتصادي والنقدي". ويهدف مشروع الاتفاقية، الذي وافقت عليه الدول الأعضاء في الاتحاد باستثناء المملكة المتحدة وجمهورية التشيك، إلى تعزيز الانضباط المالي بين دول منطقة اليورو، من خلال تطبيق "آليات تصحيح تلقائية ومراقبة أكثر صرامة" على الإنفاق الحكومي لكل دولة من الدول الأعضاء، وفق "ميزانية متوازنة".

تنص الاتفاقية على أن تكون ميزانيات الدول الأعضاء ميزانيات فوائض أو على الأقل "متوازنة"، وذلك من خلال التشديد على ألا يتجاوز العجز الحكومي السنوي نسبة0.5 % من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي. وفي حالة انحراف دولة من الدول الأعضاء عن هذه القاعدة، يقدم مشروع الاتفاقية "آلية تصحيح تلقائية" لضمان تقويم الوضع والعودة إلى المسار الطبيعي. كما أن هناك شرطاً آخر ينص على فرض "عقوبات مالية مُحكَمة" ضد الدول الأعضاء التي اعتادت اقتراف "ذنب الوقوع في عجز الميزانية". واتُفق على أن يكون شهر مارس المقبل هو الموعد المقرر لتوقيع الاتفاقية على أن تدخل حيز التنفيذ فوراً في حال صدّقت عليها 12 دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على الأقل.

وفيما يتعلق بالخطوات التي تلي التصديق على الاتفاقية، قال رئيس المجلس الأوروبي هيرمان فان رومبوي: "تلتزم كل دولة توقع على الاتفاقية بوضع "كابح على ديونها" أو "قاعدة ذهبية" في تشريعها، وينبغي أن يتم ذلك على مستوى دستوري أو ما يعادله". وعلى الرغم من أن القواعد الجديدة لا تنطبق سوى على الدول الأعضاء في الاتحاد النقدي (17 دولة)، فإن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى حشد دعم الدول الأخرى أيضاً، حتى يتسنى لاحقاً دمج الاتفاقية في قانون الاتحاد في غضون خمس سنوات من دخولها حيز التنفيذ.

وفي 2 فبراير الجاري وقعت دول منطقة اليورو أيضاً على النسخة النهائية من اتفاقية أخرى، تهدف إلى إنشاء "آلية الاستقرار الأوروبي". وتم إرسال هذه الاتفاقية إلى الدول الأعضاء في منطقة اليورو، ومن المقرر أن تصبح سارية المفعول بحلول شهر يوليو من العام الجاري. ومبدئياً، تهدف الاتفاقية إلى أن تحل محل ما يُعرف بـ "صندوق الاستقرار المالي الأوروبي"، وهو صندوق استُخدم مؤقتاً لإنقاذ الاقتصاديات المتعثرة وهي إيرلندا والبرتغال. ومع ذلك، تجري حالياً مشاورات جادة لدمج الصندوقين بهدف إنشاء برنامج حماية قوامه 750 مليار يورو (ما يعادل تريليون دولار). ومع ذلك ترددت ألمانيا في دعم هذه الخطوة. وقالت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، بشكل قطعي إنها لن تناقش قضية تحديد سقف مالي لآلية الاستقرار الأوروبي/ والميثاق المالي الجديد إلا في قمة الاتحاد الأوروبي المقبلة المزمع عقدها في مارس 2012.

وقد أشار قادة الاتحاد الأوروبي الذين حضروا القمة التي عُقدت في بروكسيل في نهاية يناير الماضي، إلى الحاجة الملحة لتحفيز النمو وتوفير فرص العمل عبر المنطقة. وفي هذا الصدد، قال جوزيه مانويل باروسو، رئيس المفوضية الأوروبية: "نعم، نحن في حاجة إلى الانضباط لكننا نحتاج إلى النمو أيضاً". ورغم أنه لم يتم التعهد بمزيد من الحوافز المالية، فقد تم تقديم مقترحات تنص على توفير مزيد من برامج التدريب التي تهدف إلى تأهيل الشباب للالتحاق بالوظائف، وتوظيف الصناديق التنموية غير المستغلة في توفير الوظائف، وتيسير عمليات الاقتراض للصناعات الصغيرة. وقال رئيس المفوضية الأوروبية إنه سيتم تخصيص نحو 82 مليار يورو (ما يعادل 107.5 مليار دولار) من الصناديق التنموية غير المستغلة للصناعات الصغيرة. وأضاف: أن المفوضية الأوروبية سترسل فرقاً متخصصة إلى ثمانية من الدول الأعضاء التي بها أعلى معدل بطالة بين الشباب. وستقدم هذه الفرق برامج تدريب وإرشاد مهني لتأسيس منشآت جديدة لخدمة الشباب.

ورغم ما سبق، لاقت خطوة الاتحاد الأوروبي، باتجاه التحرك نحو مزيد من التكامل الاقتصادي والإصرار على فرض إجراءات تقشفية على الاقتصاديات المتعثرة، انتقادات من قبل بعض السياسيين وقادة الاتحادات التجارية والمستثمرين والمحللين الاقتصاديين. فمع أن هذا التشريع يهدف إلى إعادة ثقة المستمرين الدوليين في قدرة الدول الأعضاء على سداد ديونها، فإن كثيراً من الخبراء يرون أن هذا الأسلوب محفوف بالمخاطر، وحجتهم في ذلك أن الاتفاق المالي من شأنه أن يحرم الاقتصاديات الأوروبية المتعثرة من إدارة حزم تحفيز قوية، الأمر الذي يساهم في إطالة أمد حالة الركود. ويرى كثير من الاقتصاديين الأمريكيين أن دولاً مثل اليونان والبرتغال تحتاج حالياً إلى أموال لإنقاذها، وليس لإجراءات تقشفية، لتفادي التخلف عن سداد قيمة سنداتها. ويصرون على أن التأخر في إنشاء صندوق إنقاذ مالي من شأنه أن يدفع المستثمرون إلى مواصلة المراهنة على الاقتصاديات الضعيفة مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا، ومن ثم يرفع الفوائد على الديون ويساهم في تفاقم عجز موازناتها.

كما تعرضت قمة الاتحاد الأوروبي أيضاً لانتقادات قوية بسبب عدم معالجتها أزمة البطالة التي تعصف بالدول الأوروبية الرئيسة، حيث تشير التقديرات إلى أن هناك نحو 23 مليون عاطل عن العمل في منطقة الاتحاد الأوروبي (ما يمثل 10% من السكان العاملين). ففي إسبانيا، رابع أضخم اقتصاد أوروبي، ارتفع مستوى البطالة إلى قرابة 23%، وبلغ إجمالي عدد العاطلين عن العمل إلى نحو 5 مليون شخص، نحو 50% منهم من فئة الشباب التي تقع دون الخامسة والعشرين.

لقد بلغ الركود درجة بدأت معها الاقتصاديات الأكبر في أوروبا تشعر بويلاته، ويتضح ذلك في قيام الحكومة الفرنسية الشهر الفائت بمراجعة توقعات النمو الخاصة بها لعام 2012 من 1% إلى 0.5%. وفي ظل الإجراءات التقشفية وتقليص الإنفاق، يُخشى أن تنزلق الاقتصاديات الأوروبية المتعثرة إلى حالة ركود أطول مدى وأشد وطأة.

غير أن المشكلة الكبرى التي لم تُحل حتى الآن بالنسبة لمنطقة اليورو ولاستمرارية "الميثاق المالي" هي اليونان؛ إذ أن كثيراً من الاقتصاديين لا يستبعدون احتمالية تخلف اليونان عن سداد الديون، وهو الأمر الذي قد يكون له أثر سلبي، ليس على الميثاق المالي المقترح فحسب، بل على الاتحاد النقدي ذاته. وفي هذا الصدد، قال يواخيم فلس، كبير الاقتصاديين في مصرف مورجان ستانلي: "هناك شيء واضح: إذا استمرت الأزمة اليونانية في الانكشاف، فلا يمكن استبعاد حدوث سيناريو سيء حقاً لمنطقة اليورو، يتمثل في تخلف اليونان عن سداد الديون وخروجها من منطقة اليورو".

وتواجه اليونان في الفترة المقبلة تحديان جدّيان، يتمثل أحدهما في تسديد قيمة سندات بمبلغ 14.5 مليار يورو يحل موعدها في 20 مارس، والثاني في عقد انتخابات عامة بحلول شهر أبريل القادم، لذا فهي مترددة في قبول مطالبات دولية باتخاذ مزيد من الإجراءات التقشفية لكي تحصل على حزمة مساعدة ثانية في وقتها. لكن الوقت ينفذ بالنسبة لصفقة الإنقاذ المالي المقترحة، التي تشمل خسارة أكثر من 70% لحملة السندات في عملية استبدال طوعي للدين، ويجب تقديم العرض الرسمي بحلول 13 فبراير لكي تسمح بإنجاز الإجراءات قبل حلول موعد سداد السندات في 20 مارس.

في الوقت ذاته، تطالب الجهات الدولية المقرضة بضمانات من أنه إذا تم تشكيل حكومة جديدة في اليونان، فإنها ستلتزم بالتعهدات التي قطعتها الإدارة الحالية على نفسها لكي تحصل على التمويل. ومع ذلك، قال أنتونيوس ساماراس، زعيم الحزب الديمقراطي الجديد في اليونان، إنه سوف يقاوم طلبات ثلاثي الدائنين الدوليين (المفوضية الأوروبية، والمصرف المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي) التي من شأنها تعميق حالة الركود.

في ظل دخول الأزمة مرحلة الحل أو الفشل، يعتقد بعض الخبراء أن تخلف اليونان عن سداد ديونها وخروجها من منطقة اليورو قد لا يكون بالضرورة أمراً سيئاً للاتحاد الأوروبي. ولا يرون أن العدوى ستنتشر، وأن الدول الأخرى ستختار الخروج من منطقة اليورو. بل يعتقدون أنه إذا تركت اليونان منطقة اليورو فستواجه أوقاتا صعبة بحيث تصبح نموذجاً يردع الاقتصاديات المتعثرة الأخرى في المنطقة حتى لا تتبع مسارها أو تحذو حذوها. إضافة إلى ذلك، سوف يكون هناك قبول اسياسي قوي بالميثاق المالي والسندات الأوروبية؛ "لأن الحلقة الأضعف من السلسلة لم تعد موجودة". ومع هذا، فإن الأشهر المقبلة ستقرر مسار الأزمة الاقتصادية الحالية، وما إذا كانت ستمهد الطريق أمام تكامل اقتصادي أكبر للاتحاد الأوروبي أو ستؤدي إلى انفراط عقد الاتحاد النقدي الموحد.

Share