هل يمتلك العراق «الدولة» طاقة تحمّل تبعات إلغاء الاتفاقية الأمنية؟

  • 7 يناير 2020

تسارعت وتيرة التطورات في تداعيات مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، خصوصاً فيما يتعلّق بانعكاسات هذا الحدث وتأثيراته على الوضع في العراق، سواء من الناحية السياسية أو الميدانية، وذلك نظراً للعلاقات المتشابكة والمعقدة التي باتت تربط التيارات السياسية النافذة والمؤثرة على الساحة العراقية، وكذلك معظم الشخصيات التي تمارس العمل السياسي بشتى أشكاله في إيران، والتأثير الكبير والنفوذ الواسع الذي تتمتع به طهران في كل مفاصل الدولة العراقية.
منذ حادث مقتل سليماني، فجر يوم الجمعة الماضي، في غارة أمريكية على موكبه عقب خروجه من مطار بغداد الدولي، الذي قتل فيه إلى جانبه نائب رئيس ميليشيات الحشد الشعبي العراقية الموالية لإيران أبو مهدي المهندس وعدد آخر من قادة الميليشيات وضباط الحرس الثوري الإيراني، والوضع في العراق يزداد تأزماً يوماً بعد آخر، حيث دعوات الثأر والانتقام، وهتافات «الموت لأمريكا» وعمليات التجييش والتحريض المستمرة والتهديدات التي لا تتوقف باستهداف القواعد والمصالح والقوات الأمريكية في كل مكان على أرض العراق، كلها سيدة الموقف وحديث الساعة ولسان حال قادة الميليشيات ومنتسبيها وكل من يدور في فلك إيران، ويدين بالولاء لنظام الولي الفقيه. حمّى الغضب على الولايات المتحدة الأمريكية انتقلت مباشرة إلى كل السياسيين العراقيين المشاركين في العملية السياسية، بدءاً من رئيس الجمهورية برهم صالح، مروراً برئيس حكومة تصريف الأعمال عادل عبد المهدي، وصولاً إلى الكتل السياسية والأعضاء في البرلمان العراقي الذين ينتمون إلى التيارات والأحزاب الموالية لإيران، والذين تناوبوا منذ يوم الحادثة على إعلان أن الوجود الأمريكي في العراق بات غير مرغوب فيه، وأن عملية تصفية سليماني هي اعتداء سافر على السيادة العراقية وتجاوز للقوانين والأعراف الدولية، بل وانتهاك للاتفاقيات الثنائية التي تنظم العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق والتي تمّ توقيعها عقب انسحاب القوات الأمريكية عام 2011 بعد احتلال دام 8 سنوات.
وفيما يبدو أنه تجسيد لحجم النفوذ الإيراني الهائل في العراق الذي بات بمثابة حديقة خلفية للنظام الحاكم في طهران، بادر مجلس النواب العراقي تحت ضغط من قادة الميليشيات والزعماء السياسيين الذين يتسابقون لإثبات ولائهم المطلق لإيران، بالتصويت على قرار ينهي العمل بالاتفاقية الأمنية مع التحالف الدولي ضد داعش، ويطالب الحكومة بإنهاء وجود القوات الأجنبية في البلاد، وعدم استعمال الأراضي العراقية أو المجال الجوي لأي سبب كان، وإلغاء طلب المساعدة الأمنية من التحالف الدولي الذي يقاتل تنظيم داعش بسبب «إنهاء العمليات العسكرية في العراق وتحقيق النصر».
القرار الذي يبدو أن تأثيره لن يتجاوز حدود المبنى الذي تم التصويت فيه عليه وحناجر النواب الذين تداعوا لاتخاذه، واجه مباشرة رفضاً مطلقاً على أعلى المستويات في الولايات المتحدة الأمريكية، أعرب عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لم يكتف بمجرد رفض فكرة الخروج من العراق، بل وهدد بفرض عقوبات كبيرة على بغداد إذا أصرت على الذهاب بعيداً في هذا الطريق، حيث قال للصحفيين: «لن نغادر العراق إلا إذا دفعوا لنا تكلفة القاعدة، التي تكلفنا مليارات الدولارات لتأسيسها، وسوف نفرض عليهم عقوبات لم يروا مثلها من قبل ستجعل العقوبات الإيرانية تبدو هينة بعض الشيء».
وبالإضافة إلى الرفض الأمريكي، فإن قرار البرلمان العراقي يعاني نقاط ضعف تجعله غير قابل للتنفيذ وتجعل أثره شبه معدوم، في مقدمتها افتقاره للإجماع، حيث تغيبت عن جلسة التصويت عليه الكتلتان السنيّة والكردية، واعتباره بحكم الاقتراح أو التوصية وليس بمستوى القرار الملزم لأنه ليس من صلاحيات البرلمان إصدار قرارات سياسية، فضلاً عما يشوبه من ضبابية وعدم وضوح في المضمون والمقصود، حيث لم يوضح مقصده «التحالف الدولي أم اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين حكومتي العراق والولايات المتحدة».
إذاً القرار ليس سوى رد فعل انفعالي عاطفي ومحاولة للتناغم مع رغبات طهران وتوجيهاتها، فليس للعراق «الدولة» طاقة بتحمّل تبعاته وأقلها فقدان القوات العراقية النظامية «الجيش» التدريب ومصدر التسليح والاستشارات والغطاء الجوي، وتكلفة الديون والتعويضات التي ستترتب على الدولة العراقية مقابل إلغاء الاتفاقية الأمنية التي تصل، وفق التقديرات الأمريكية، إلى نحو تريليونَي دولار تعادل موازنة العراق لـ 15 عاماً مقبلة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات