هل يقضي «كورونا» على فكرة التقسيم الدولي للعمل؟

  • 26 أبريل 2020

مع جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، اكتشفت الدول الغربية أن هناك صناعات حيوية قد هجرتها إلى الصين وعدد من الدول النامية، بحثاً عن العمالة الرخيصة، فعانت هذه الدول عدمَ توافر بعض المنتجات الصحية المطلوبة لمواجهة هذه الجائحة، مثل أجهزة التنفس الصناعي والكمامات الطبية.

يُعدُّ التقسيم الدولي للعمل من المفاهيم الرئيسية في العلاقات الاقتصادية الدولية، وقد تبلورت فكرة هذا التقسيم، متزامنة مع تبلور النظام الرأسمالي الدولي وسيادة مبادئ حرية التجارة على الصعيد العالمي، ويعني باختصار أن تتخصص كل دولة بإنتاج السلع والخدمات التي تتمتع فيها بميزة نسبية.

وتعود فكرة التقسيم الدولي للعمل بمفهومها التقليدي، إلى عقود طويلة خلت، وتحديداً منذ بداية الحقبة الاستعمارية، حين تخصصت الدول النامية (المستعمرات) بإنتاج المواد الخام، فيما عهدت الدول المتقدمة (المُستعمِرة) إلى نفسها بالإنتاج الصناعي. وكان هذا التقسيم يتم بشكل قسري، حيث تحوّلت الدول النامية إلى مناطق لإنتاج المواد الخام، وسوقٍ لاستهلاك المواد المُصنعة، فيما تخصصت الدول المتقدمة بالإنتاج الصناعي.

ومع تطور النموذج الرأسمالي العالمي، تطورت فكرة التقسيم الدولي للعمل، وبرزت فكرة التخصص بالإنتاج باعتبارها عموداً فقرياً لهذا التقسيم؛ حيث أصبحت كل دولة تتميز بميزة نسبية في مجال معين، موطناً لصناعات بعينها. وفي ظل طغيان العولمة، وتحول العالم إلى قرية صغيرة، لم تكن هناك مشكلة في عمليات الاستيراد والتصدير من دولة إلى أخرى، بحيث تعمّقت فكرة الاعتماد المتبادل على الصعيد الدولي، وصارت من السمات البارزة للنظام العالمي الجديد.

ومع تغوُّل الرأسمالية، في ظل ما يعرف بالرأسمالية الجديدة، بدأ التقسيم الدولي للعمل يشهد تطورات مهمة؛ فلم تعد الدول النامية هي مصدر المواد الخام والدول المتقدمة هي موطن الصناعات؛ فالشركات الغربية الكبرى أو الشركات المتعددة القوميات التي لا يحركها سوى دافع تحقيق المزيد من الأرباح، قامت بنقل مقارها إلى الصين ودول آسيوية أخرى، ودول نامية في أنحاء العالم المختلفة، حيث العمالة الرخيصة، ما يعني انخفاض تكلفة الإنتاج، ومن ثَمَّ تعظيم الأرباح.

مع جائحة كورونا المستجد (كوفيد-19)، اكتشفت الدول الغربية أن هناك صناعات حيوية قد هجرتها إلى الصين وعدد من الدول النامية، بحثاً عن العمالة الرخيصة، فعانت هذه الدول عدمَ توافر بعض المنتجات المطلوبة التي انتقل تصنيعها إلى دول أخرى لمواجهة هذه الجائحة، مثل الكمامات الطبية وأجهزة التنفس الصناعي. وهنا وجدت تلك الدول نفسها في وضع لا تُحسد عليه، فأعطت السلطات المختصة تعليمات لشركة صناعية غير متخصصة أصلاً بصناعة الإمدادات الطبية لصناعة هذه الإمدادات، فبدأت شركات مثل شركات صناعة السيارات، كشركة فورد في الولايات المتحدة، بالتعاون مع شركات أخرى في تصنيع أجهزة التنفس الصناعي، وقامت شركات أخرى في أوروبا غير متخصصة بالمجال الطبي بصناعة هذه الأجهزة والكمامات الطبية والعديد من المنتجات ذات الصلة بمكافحة هذه الجائحة.

ولا شك في أن هذا الوضع سيفرض على الدول المتقدمة التفكير جدياً في إعادة توطين الصناعات التي هجرتها، والحرص على تحقيق مبدأ الاكتفاء الذاتي. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن نائبة رئيسة المفوضية الأوروبية، فيرا جوروفا، حذرت مؤخراً من «الاعتماد الطبي» على الصين والهند فيما يتعلق باللوازم الطبية. وقالت: «إنه أمر يجعلنا في وضع ضعيف، وعلينا أن نقوم بتغيير جذري في هذا الإطار». وتابعت جوروفا: «سنعيد النظر في سلاسل الإمداد… وسنحاول تنويعها وإنتاج أكبر عدد ممكن من اللوازم في أوروبا… إنه درس كبير تعلمناه».

إن هذا الاتجاه إلى إعادة توطين الصناعات هو، بلا شك، اتجاه مضاد لفكرة التقسيم الدولي للعمل والتخصص بالإنتاج، استناداً إلى مبدأ المزايا النسبية للدول، ما يعني أن جائحة كورونا قد تُفضي إلى إنهاء، وفي أحسن الأحوال، تحجيم هذه الفكرة، بحيث تصبح في شكلها القديم، من تراث الماضي.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات