هل يطرح انتخاب نجاد سيناريو الهلال الشيعي مجدداً؟

د. بشارة نصار شربل: هل يطرح انتخاب نجاد سيناريو الهلال الشيعي مجدداً؟

  • 5 يوليو 2005

ذا كان من المبكر توقع الطريقة التي ستتطور بها العلاقات التي ستسود بين إيران، في ظل الرئاسة المحافظة الجديدة، والدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، فإنه ليس من المبكر على الإطلاق قراءة انعكاسات هذا التحول الكبير في الجمهورية الإسلامية على العلاقات الإقليمية في ظل إتمام سيطرة الأصولية الدينية على النظام الإيراني. تلك السيطرة التي تخالف الاتجاه الذي تتمناه الولايات المتحدة؛ صاحبة مشروع تغيير العالم، وخصوصاً الشرق الأوسط والخليج، في اتجاه "ديمقراطيات"؛ اعتبرت وزيرة الخارجية الأمريكية، في محاضرتها الأخيرة في الجامعة الأمريكية في القاهرة، أنها "الطريق الوحيدة لمحاربة التخلف الاجتماعي والاقتصادي وتحقيق آمال الشعوب في الحرية والأمن على السواء". 

أحمدي نجاد ليس رئيساً عادياً انتخب بالاقتراع العام. ولا هو مجرد جزء من "المؤسسة" الإيرانية؛ جاء به نظام يقصي المرشحين المنافسين، ويسخّر، مع القوى الأكثر رجعية في المجتمع، إمكانيات الدولة لتظهره "أمل الفقراء والمحرومين ومثال الصلابة والعناد في مواجهة الاستكبار". إنه ممثل لانقلاب كبير؛ يوجه ضربة إلى إنجازات الحراك الديمقراطي الإصلاحي، الذي أطلقه الرئيس محمد خاتمي في المجتمع الإيراني، ويعرض للخطر جهود قوى هذا المجتمع الحية، التي استظلت بالإصلاحيين لاستعادة حقوق اجتماعية وسياسية غيبتها الثورة سنوات طويلة. لذلك، فإن الخطر الأول الذي يمثله وصول نجاد إلى الرئاسة هو خطر داخلي، إذ إنه، بأصوليته المتزمتة، واستكماله حلقة السيطرة المحافظة على كامل مؤسسات البلاد السياسية والأمنية، يشكل انتكاسة لآمال الشباب الإيراني، الذي يمثل أكثر من نصف المجتمع، والذي عبر مراراً عن رغبته في التغيير. فإيران في العام 2005 يصعب أن تحكم بذهنية العام 1979، أو يهيمن على مقدراتها "الحرس الثوري" من دون أن تتعرض لهزات أو ترزح في أغلال التخلف والاستبداد. 

اختار الإيرانيون نجاد. والأكيد أن 18 مليون صوت نالها الرئيس الجديد قادرة على تثبيت سلطته في الأمد المنظور، خصوصاً أنه مدعوم من المرشد، والبرلمان، وسائر مراكز القرار في الجمهورية الإسلامية. لكن الخيار الإيراني يدشن عهداً جديداً من علاقة العداء والتوتر، ليس فقط مع الولايات المتحدة، ولكن أيضاً مع الدول الغربية، التي لعبت لفترة طويلة دور المهدئ والمعدل للانجراف الأمريكي نحو مواجهة مع طهران. وسيكون الاختبار في مجال الملف النووي الأبرز على جدول أعمال النزاع بين واشنطن وطهران، بعدما اختار الشعب الإيراني "من يرفض المساومة على حقنا في امتلاك أي سلاح نريد"، وأبعد المرشح البراجماتي الذي لا يمانع في "استمرار المفاوضات من دون التنازل عن الحقوق".

ستكون كل الملفات الإيرانية متداخلة ومتشابكة؛ بدءاً من أسلوب الحكم الداخلي، ومروراً بالملف النووي، ووصولاً إلى تأثير التطور الجديد في علاقة إيران بالأوضاع الساخنة في العراق، ودورها على خط النزاع الإسرائيلي-العربي عبر "حزب الله" اللبناني. فإيران، التي لعبت دوراً صنف بـ"الإيجابي" في أفغانستان، نجحت في ممارسة سياسة واقعية إزاء الوضع العراقي المتفجر، مما أبعد عنها نوعية الاتهامات التي تلصقها واشنطن بدمشق، وجعلها في منأى عن الاستهداف في هذا الملف. وإذا كانت إيران مطمئنة نسبياً إلى تطورات الداخل العراقي لجهة موازين القوى التي أوصلت أرجحية شيعية إلى الحكم، فإنها مع وصول نجاد إلى السلطة قد لا تتردد في زيادة حجم تدخلها لتثبيت هذه الأرجحية، ما يمكن أن يضيف هشاشة إلى التوازن الطائفي العراقي، ويزيد عداء الأطراف السنية الداخلية من جهة وتلك المقاتلة للوجود الأمريكي من جهة أخرى. ومثلما تستطيع طهران لعب دور إيجابي لمصلحة إقامة دولة عراقية متماسكة، فإنها تستطيع أيضاً إرباك الساحة العراقية، وإضافة مزيد من عناصر الاشتعال فيها، سواء عبر تدخل مباشر أكثر فاعلية، أو عبر القوى العراقية الموالية لها، التي قد تجد نفسها، مع وصول نجاد، أكثر قدرة على تحقيق مكاسب إضافية، ضامنة عمقاً استراتيجياً استثنائياً. 

لا يثير وصول نجاد إلى الرئاسة الإيرانية الخوف من زيادة حجم التدخل الإيراني السياسي والاستخباراتي في العراق فقط، بل يثير مخاوف خليجية، همدت لفترة عقد من الزمن، من معاودة إيران أحلام الهيمنة في الخليج العربي، ومحاولتها التأثير في الشيعة في دوله، خصوصاً أن إيران، المتشددة والمعتدلة على السواء، لم تتراجع عن احتلالها الجزر الإماراتية الثلاث، ولم توقف نهائياً تطلعها إلى ممارسة أدوار داخلية وخارجية في دول الخليج، سواء عبر الامتداد الإيديولوجي، أو عبر تحقيق تفوق عسكري استراتيجي في السلاح التقليدي أو في المشروع النووي. 

هل يعيد انتخاب نجاد الداعي إلى هيمنة "حزب الله" الإيراني على الحياة السياسية في بلاده المخاوف من "الهلال الشيعي" التي أعرب عنها قبل أشهر العاهل الأردني؟ 

يصعب الآن التكهن بإمكان أن يطرح من جديد السيناريو الذي تخوف منه الملك عبدالله الثاني، لكن الوضع غير المستقر في العراق، وعجز الحكومة العراقية المنتخبة حتى الآن عن إرساء سلطتها، وانزلاق الأمريكيين إلى مزيد من القتال، وازدياد قدرة الانتحاريين والمقاومين للاحتلال على تنفيذ عمليات، كلها عوامل تعزز إمكانية أن يراود هذا الحلم أطرافاً شيعية، سواء في إيران أو في العراق، على أساس استراتيجية "مقاومة شاملة" للتدخل الأمريكي، تضم إليها سورية ولبنان. وهو حلم يجد مرتكزات في العلاقات الرديئة القائمة بين دمشق وواشنطن، والتهديد المستمر للحكومة السورية، واعتبار الإدارة الأمريكية أنه لم يعد هناك أي أمل في الرهان على إصلاح داخلي سوري أو على تحسن في العلاقات مع وجود حزب البعث حاكماً في سورية. فإذا أضيف إلى ما تقدم عدم استقرار الوضع في لبنان بعد الانسحاب السوري منه، وعدم اكتمال شروط الدولة اللبنانية المستقلة ذات السيادة؛ بمعنى استمرار "حزب الله" لاعباً على الحدود مع إسرائيل، وامتلاكه ترسانة من الأسلحة، وقوة عسكرية محترفة، وقدرة على تجنيد عشرات آلاف المقاتلين عند الحاجة، يصبح الحديث عن تنسيق إيراني-سوري مع "حزب الله" اللبناني على قواعد وأهداف جديدة أمراً وارداً.

لا يعيد انتخاب نجاد رئيساً لإيران رسم الخريطة السياسية في المنطقة، لكنه يغذي احتمالات إعادة رسمها، وإعادة تقويم إمكانيات القوى الإقليمية القادرة على التصدي للمشروع الأمريكي الهادف إلى إعادة صياغة الشرق الأوسط عبر دفع عملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية من جهة وعبر تشجيع قيام ديمقراطيات في الدول العربية ولو مرّت بمرحلة انتقالية مشوبة بـ "الفوضى البناءة" أو بالولادات القيصرية لأنظمة جديدة تستطيع التجاوب مع متطلبات العالم الأحادي القطب من جهة أخرى. ولا شك أن هذا التقويم الجديد سيقابل بتقويم مماثل تقوم به الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، سواء لجهة معالجة الملف النووي الإيراني أو لانعكاسات التطور الداخلي الإيراني على علاقة إيران بالخليج وبالدول المجاورة وصولاً إلى سورية ولبنان. وسيكون صعباً على قوى الاعتدال الأوروبي، التي اجتهدت في التعاطي مع ملف المشروع النووي الإيراني بهدوء بهدف الوصول إلى خاتمة سعيدة، أن تستمر في دورها الإيجابي المعطل للغلواء الأمريكية إذا لم يسارع نجاد إلى تعديل لهجته فيما يتعلق بهذا الموضوع أو تقوم طهران بمبادرة استثنائية تخرجها من دائرة الاستهداف.

هل تنتظر الولايات المتحدة ما سيصدر عن طهران أم تبادر إلى الفعل؟ هذا متروك للأيام المقبلة. لكن المحافظين الأمريكيين، الذين باتوا في مواجهة مكشوفة مع المحافظين الإيرانيين، لن يترددوا في تقليب أوجه الأمور وفي رسم احتمالات التدخل العسكري والعمل الاستخباراتي على السواء. وهم في ظل عقيدتهم الهجومية وسيطرة "أيديولوجيا الخير والشر" قد لا يترددون في التعجيل بتقليم الأظافر التي يمكن أن يمتلكها الإيرانيون، أو زعزعة استقرار الدول التي قد تكون حليفة للتشدد الإيراني المستجد. في هذا الإطار يمكن توقع ازدياد التورط الأمريكي في العراق في محاولة لحسم النزاع مع الإرهاب والمقاومة على السواء، وتصعيد الضغط على دمشق لإجبارها على تقديم تنازلات داخلية وتلبية مطالب واشنطن في شأن دعم "حزب الله" اللبناني والمنظمات الفلسطينية المصنفة في دائرة "الإرهاب". كذلك فإن واشنطن تمتلك ورقة ثمينة هي قرار مجلس الأمن الرقم 1559 القاضي بنزع سلاح "حزب الله"، وهي إذ تركت تنفيذ القرار حتى الآن لـ"الحوار" الداخلي اللبناني، فإنها يمكن في أي وقت أن تضغط لتنفيذه بغض النظر عن المشكلات التي يتسبب بها. فكل شيء مباح في إطار استراتيجية كاملة لمواجهة دولة إيرانية "تعود إلى التخلف"، وتمضي قدماً في "مشروع تسلح نووي"، ولا تخفي رغبتها في دور يتجاوز حدودها ويعوق المشروع الأمريكي.

اختار الإيرانيون من اعتبروه قادراً على التجاوب مع رغباتهم، وحصل نجاد على ما حصل عليه بتعهده بتنفيذ سياسات داخلية اقتصادية واجتماعية يريد الشعب الإيراني أن تخرجه من مشكلات الفقر والبطالة. لكن الإيرانيين تبنوا في الوقت نفسه خياراً استراتيجياً يصعب أن يوفر لهم، في وقت واحد، التنمية والسلام والحرية والتعاون البناء مع المجتمع الدولي.

Share