هل يضع خلاف خامنئي- نجاد حداً للنظام الرئاسي الإيراني؟

  • 31 ديسمبر 2011

وصل الخلاف الداخلي في إيران بين مرشد الجمهورية علي خامنئي من جهة، ورئيسها محمود أحمدي نجاد، من جهة أخرى، إلى ذروته مؤخراً، وأعلن المرشد عن إمكانية تحول الجمهورية الإسلامية من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني. ففي حديث له أمام عدد من الأكاديميين في إقليم كرمنشاه الغربي بتاريخ 16 أكتوبر 2011، قال خامنئي: "النظام السياسي الحاكم للبلاد حالياً نظام رئاسي يتم فيه انتخاب الرئيس بشكل مباشر من قِبلَ الشعب، وهو أسلوب جيد و مؤثر.. ولكن إذا اعتُبر في يوم ما أن النظام البرلماني هو الأفضل لانتخاب مسؤولي السلطة التنفيذية، فلا مشكلة إطلاقاً في تغيير الآلية الموجودة حالياً".

التصريح المشار إليه لخامنئي ليس هو الأول من نوعه على مستوى المضمون، فقد سبق لمحمود هاشمي شهرودي رئيس مجلس القضاء الأسبق أن عبر عن المعنى نفسه في عام 2010 عندما دعا صراحة إلى تغيير آلية انتخاب رئيس الجمهورية من الاقتراع الشعبي المباشر إلى الاقتراع البرلماني أو عبر مجلس خبراء القيادة. بل إن حميد رضا كاتوزيان النائب المحافظ في مجلس الشورى كان قد ذهب خطوة أبعد؛ إذ دعا قبل ثلاثة أسابيع من تصريح خامنئي، إلى إلغاء منصب رئيس الجمهورية لعدم الحاجة إليه؛ لأن النظام الإيراني "يرفل في نعمة ولاية الفقيه وقائد الثورة العظيم"، وأضاف "إن لم يكن هناك من بد لسلطة تنفيذية فليكن انتخاب رئيس وزراء عن طريق مجلس الشورى".

الدعوة إذن لتقليص القاعدة الشعبية لرئيس الجمهورية ليست جديدة، لكن الجديد فيها أنها صدرت عن مرشد الثورة صاحب الكلمة الفصل في شأن النظام، والذي يملك حق عزل رئيس الجمهورية بنص المادة 110 من الدستور، بعد صدور حكم من المحكمة العليا يفيد تخلف الرئيس عن أداء وظائفه القانونية أو صدور رأي من مجلس الشورى الإسلامي يفيد عدم كفاءته القانونية. لذلك فإن تصريح المرشد يحتاج إلى تحليل خلفياته ومعناه وآثاره المستقبلية.

يتمثل جوهر الخلاف بين المرشد والرئيس في ترويج نجاد والفريق المحيط به وعلى رأسه صهره اسفنديار رحيم مشائي، لتيار "المهدوية" الذي يؤمن بقرب ظهور المهدي المنتظر. ويعني ذلك أن التيار المذكور، الذي يصفه المحافظون بـ "تيار الانحراف" إنما يهدم نظرية ولاية الفقيه من أساسها؛ لأن الصلاحيات الدنيوية الواسعة التي يتحلى بها ولي الفقيه تنبع من أنه ينوب عن المهدي الغائب، أما وأنّ هذا المهدي قارب الظهور، فمن المنطقي أن تبطل الحاجة لصلاحيات وليه أو نائبه. في هذا السياق يمكن أن نضع عديداً من مظاهر تحدي نجاد إرادة المرشد، ولاسيما في فترة رئاسته الثانية. ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما يتعلق بقضية اختيار نجاد معاونيه ووزراءه، فقد تمسك نجاد بتعيين مشائي نائباً له، ثم ضغط عليه المرشد فعدل، ثم قام نجاد بإقالة حيدر مصلحي وزير الاستخبارات، لكن المرشد أرغمه على التراجع عن الإقالة. ومن مظاهر تحدي الرئيس إرادة المرشد أيضاً ما يتعلق بقضية تدخل الأول في عمل وزارة الخارجية من خلال استحداثه منصب المبعوثين المكلفين بمهام دبلوماسية، ثم تدخل المرشد، فتحايل نجاد على الأمر، وغيّر مسمى المبعوثين إلى مستشارين. هنا نلاحظ أن الحديث عن صراع المرشد مع الرئيس لا يدور في فراغ، فهناك قائمة كبيرة من المؤسسات التي تقف خلف المرشد، ومنها على سبيل المثال مجلس الشورى بأغلبيته المحافظة، والذي مثل ساحة للمواجهة مع الرئيس في قضايا تتعلق بفساد معاونيه، وخفض الدعم الحكومي، ودمج الوزارات، والتعيين في الوظائف التنفيذية أيضاً. وفي إحدى تلك المواجهات كاد نجاد يتعرض للاستجواب في مجلس الشورى لكن اعتبارات الحفاظ على الاستقرار كانت لها الغلبة فطُويت صفحة الخلاف ولو مؤقتاً. كذلك اصطف الحرس الثوري كالعادة خلف المرشد، على الرغم من أن الرئيس نجاد هو الذي سمح للحرس بأن يرث دور الشركات الأجنبية المنسحبة من سوق النفط والغاز بسبب سياسة العقوبات الاقتصادية على إيران.

ومن المفارقة أن نجاد، وهو يعمل على تقليص الصلاحيات السياسية للمرشد باسم الإيمان بقرب عودة المهدي، يعمل في الوقت نفسه كما تبين على تعزيز موقع رئيس الجمهورية، في حين كان عليه أن يحرص على تقليص هذا الموقع؛ لأن المهدي المنتظر سيجمع بين يديه كل الصلاحيات الدينية والدنيوية. بل إن المفارقة الأشد هي أن نجاد لم يحصن فقط موقعه كرئيس للجمهورية بسلسلة القرارات المنفردة التي قام باتخاذها، إنما سعى أيضاً لتحصين موقع رئيس الجمهورية بشكل عام  في النظام الإيراني والانتقال به من مرتبة الرجل الثاني بنص المادة 113 من الدستور إلى مرتبة الرجل الأول. ومثل هذه المفارقة الواضحة تنزع غطاء الإيمان الديني عن تيار المهدوية، وتسدل عليه رداءً براجماتياً نفعياً، بمعنى أن جوهر الصراع ليس بين تيار المهدوية وتيار ولاية الفقيه، لكنه صراع بين مركزين: المرشد والرئيس، وإرادتين: خامنئي ونجاد. وفي هذا السياق نبتت فكرة التحول من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني أو إلى النظام المختلط في أقل تقدير.

على هذه الخلفية، ينطلق تصريح المرشد الذي يلوح بإمكانية انتخاب الرئيس بواسطة مجلس الشورى، من فرضية مؤداها أن هذا الوضع يمكن أن يحصن المرشد ضد محاولات تقليص صلاحياته طالما أن الأغلبية البرلمانية ستظل في قبضة التيار المحافظ الذي يدين لخامنئي بالولاء. ومثل هذه الفرضية ستنتج عدداً من التداعيات، أهمها تحويل مجلس الشورى إلى رمانة ميزان النظام السياسي، وزيادة دور مجلس صيانة الدستور في تنقية كشوف المرشحين للانتخابات التشريعية واستبعاد كل العناصر المحسوبة على الحركة الخضراء وربما المعارضة بشكل عام، وتصعيد حدة المنافسة السياسية في الانتخابات التشريعية. لكن بغض النظر عن تلك التداعيات كافة، فإنه ليس هناك ما يضمن أن تصب عملية نقل آلية انتخاب الرئيس من الشعب إلى نواب الشعب، في مصلحة المرشد. فلا ننسى أن خامنئي كان في الأصل هو الأب الروحي لنجاد، وأنهما معاً ينتميان إلى المعسكر المحافظ، وأن أول تصريح لنجاد عن فكرة المهدوية كان في أيلول/ سبتمبر 2005 خلال زيارته لنيويورك، لكن تصعيد هذه الفكرة لم يبدأ إلا في الولاية الثانية له. على صعيد آخر، فإن توسيع نطاق التعديلات الدستورية لإعادة العمل بمنصب رئيس الوزراء، إذا ما تمّ فعلاً، سيزيد الأمور تعقيداً. ولا يغيب عن بالنا هنا أن زعيم الحركة الخضراء وآخر رؤساء الوزارة في إيران، مير حسين موسوي، كان خلافه مع الرئيس خامنئي أهم ملامح النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، مع أن الرجلين كانا ينتميان في ذلك الحين للمعسكر المحافظ.

وفي تحليل الأفق المحتمل لتصريح المرشد توجد ثلاثة اتجاهات مختلفة، الأول يرى أن نجاد قد يفقد منصبه في أي لحظة قبل انتهاء ولايته الثانية في حزيران/ يونيو 2013، وذلك ما لم يحسن إدارة البلاد ويبتعد عن التوجهات الاستقلالية لحاشيته. ويذهب أنصار هذا الاتجاه خطوة أبعد بالقول إن بديل نجاد جاهز بالفعل، وهو باقر قاليباف رئيس بلدية طهران، وكأنه قُدر لبلدية طهران أن تفرز رؤساء الجمهورية الإيرانية الواحد تلو الآخر. والاتجاه الثاني يرجح أن يتم إلغاء منصب رئيس الجمهورية أو تغيير آلية انتخابه على المدى البعيد وليس القريب. ويزيد أنصار هذا الاتجاه بالقول إن هناك رئيساً واحداً على الأقل سوف يأتي بعد محمود أحمدي نجاد، وباستخدام آلية الانتخاب نفسها الممثلة في الاقتراع العام المباشر. أما الاتجاه الثالث والأخير فيتصور أن تصريح خامنئي هو لمجرد الاستهلاك المحلي، بمعنى أن هدفه هو ردع نجاد ومن سيأتي بعده عن أي محاولة لتحدي إرادة المرشد، طالما أن سيف التعديل الدستوري مشهر وجاهز لإلغاء منصب الرئيس أو تحجيمه في أي لحظة.

في تقديري الشخصي فإن الاتجاه الثالث هو الأرجح؛ لأنه إن كان هناك درس تعلمه خامنئي من خلال خبرته السياسية الطويلة، فإنما هو أن المعسكر الواحد لا يفرز الأصدقاء دائماً، وأن الرئيس المحافظ الذي قد ينتخبه مجلس الشورى ورئيس الوزراء الذي قد يحظى بالأغلبية البرلمانية قد يكونان خصمين شديدين للمرشد كما هما اليوم محمود أحمدي نجاد ومير حسين موسوي. وهذا درس التاريخ.

Share