هل يسيطر اللوبي الإسرائيلي على السياسة الأمريكية؟

هل يسيطر اللوبي الإسرائيلي على السياسة الأمريكية؟

  • 31 مارس 2009

لفتت واقعتا فريمان والأكاديمية السعودية مجدداً النظر إلى المدى الذي وصلت إليه قوة اللوبي الإسرائيلي، ونفاذ تأثيره في الولايات المتحدة. ففي مارس 2009، تراجع، أو تم إقصاء، تشارلز فريمان، مساعد وزير الدفاع والسفير الأمريكي في السعودية سابقاً، ورئيس مجلس سياسات الشرق الأوسط حالياً، عن قبوله السابق لمنصب رئيس مجلس الاستخبارات الوطني؛ بسبب الحملة التي قادها اللوبي الإسرائيلي، بقيادة اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (إيباك)، لاغتيال شخصيته. وقد أوضح فريمان أن إيباك "على استعداد للغوص في أعماق البذاءة والخزي والسفاهة من أجل تحقيق أهدافها"، مبيناً أن "هدف هذا اللوبي هو التحكم في العملية السياسية" في الولايات المتحدة، من خلال "استخدام فيتو ضد تعيين أشخاص يعارضون آراءه وتوجهاته".

وفي الحقيقة، لم تخف الإيباك أنها كانت وراء إبعاد فريمان؛ لأن "مقولاته وتصريحاته ضد إسرائيل زادت على حدها". فلطالما انتقد سياسة بلاده في دعمها وحمايتها غير المشروطين لإسرائيل؛ مبرهناً أن ذلك هو سبب تضاؤل الأمل، إن وجد أصلاً، في إحياء عملية السلام، وعداء العرب للأمريكيين، وتهديد المصالح الوطنية للولايات المتحدة. وكثيراً ما هاجم استمرار الاحتلال والاستيطان في الأراضي العربية، وحشر الفلسطينيين في جيتوهات. وفي حربي لبنان وغزة، اتخذ موقفاً مناهضاً لإسرائيل والولايات المتحدة، واصفاً الحرب الأخيرة بأنها اعتداء إسرائيلي "وحشي".

وفي واقعة الأكاديمية الإسلامية السعودية، يتوقفنا مشهدان. يتلخص المشهد الأول في رسالة عضو الكونجرس، فرانك وولف (جمهوري وأحد أنصار اللوبي الإسرائيلي)، إلى وزيرة الخارجية الأمريكية، هي السابعة من نوعها، والثانية إلى هيلاري كلينتون، في 12 مارس 2009، والتي يطالب فيها بتشكيل لجنة خبراء مستقلة لفحص الكتب المدرسية المقررة على طلاب الأكاديمية؛ ملمحاً إلى حض هذه الكتب على عدم التسامح مع من "لا يتبنون التفسير الصارم للإسلام". أما المشهد الثاني، فيتمثل في الجلسة غير المسبوقة (سواء بالنسبة لعدد الحضور أو مدة الاجتماع) للجنة التخطيط بحكومة إقليم فيرفاكس التابع لولاية فيرجينيا الأمريكية، حيث توجد الأكاديمية، لمناقشة الجوانب الفنية لطلب الأخيرة توسيع أحد مقراتها، في 18 مارس 2009. وقد استغل اللوبي اليهودي وأنصاره الجلسة لمخاتلة الرأي العام والحكومة في الإقليم بأن مناهج الأكاديمية تتضمن ما يدعو إلى نبذ التعايش السلمي واستخدام العنف مع غير المسلمين، وأن الأكاديمية نفسها تعد بؤرةً لتخريج جيل جديد من الجهاديين الإرهابيين. ومن ثم، يجب إغلاقها. بل إن اللوبي اليهودي وأنصاره اتخذوا من الواقعة ذريعة للهجوم على الإسلام، ومواصلة حملة التخويف ضد العرب والمسلمين في الولايات المتحدة؛ وهو ما دعا أحد أعضاء حكومة إقليم فيرفاكس للتصريح، أثناء الجلسة، بأن هذه الاتهامات تأتي من أشخاص لهم أجندة خاصة، يريدون فرضها على حكومته. ولنتذكر أن هذه الحملة تتزامن مع قرب إعلان الرئيس باراك أوباما عن مبادرة جديدة تجاه العالم الإسلامي، حيث من المتوقع أن يعلن عن ملامح هذه المبادرة خلال زيارته تركيا في 6-7 أبريل 2009. 

وقد جددت هذه الواقعة الجدل حول نفوذ اللوبي الإسرائيلي أو أسطورته. فليس ببعيد عن ذلك دراسة جون ميرشايمر وستيفن والت (2007)، أستاذي العلوم السياسية في جامعتي شيكاغو وهارفارد، على التوالي، حول اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية، التي أيّد فريمان أطروحتها، ونشرها مجلس سياسات الشرق الأوسط الذي يترأسه، في صورتها الأولى كورقة عمل، عندما "لم يجرؤ أحد على نشرها بسبب الخوف من اللوبي الإسرائيلي". يجزم الكاتبان أن اللوبي اليهودي لم ينجح فقط في جعل الإدارات الأمريكية المتعاقبة تتبنى سياسات محابية لإسرائيل، ومخاتلة الرأي العام لإقناعه بأن هذه السياسات متوافقة مع المصلحة الوطنية الأمريكية. بل تمكن أيضاً من دفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ قرارات أو التورط في عمليات تتعارض مع مصالحها الوطنية، لكنها تخدم المصالح الإسرائيلية. وهذا يتضمن "شيطنة الفلسطينيين"، غزو العراق، وتحاشي دول بعينها مثل سوريا وإيران…إلخ. وبالتوافق مع ذلك، نجح هذا اللوبي في إقناع الأمريكيين أن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل متماثلة، وأن من مصلحة الأولى أن تكون داعماً أو حامياً للثانية. في هذا الخصوص، يعتقد الكاتبان أن إسرائيل أصبحت عبئاً على الولايات المتحدة. فالتزام الأخيرة تجاه إسرائيل والتحالف الوثيق بينهما يضع الولايات المتحدة على النقيض من الرأي العام العالمي، وليس فقط العربي والإسلامي (حرب لبنان 2006 مثلاً)، ويجعلها، بدرجة أو بأخرى، هدفاً للإرهاب.

على الجانب الآخر، كتب جوناثان فريدلاند مقالاً في الجارديان (18/3/2009)، ينتقد فيه الترويج لأسطورة قوة اللوبي الإسرائيلي، مبيناً أن دوره له حدود، ولا يمكن بأي حال أن يرقى إلى درجة السيطرة على السياسة الخارجية الأمريكية، أو إرغام الإدارة الأمريكية على اتخاذ قرارات محابية لإسرائيل، بغض النظر عن انعكاساتها على صورة الولايات المتحدة ومصالحها. وعلى عكس ميرشايمر ووالت، يرى فريدلاند أن الولايات المتحدة تستخدم إسرائيل لتحقيق مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها النفط؛ ما يفسر السلوك الأمريكي تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، وليس نفوذ اللوبي اليهودي. 

ويقول فريدلاند إنه لو كانت مجموعات الضغط الإسرائيلية تسيطر حقاً على السياسة الخارجية الأمريكية، لما كان ثمة اختلاف وتباعد بين البلدين في كثير من المواقف والقضايا. ثم يقدم أدلة عدة تشير إلى تواضع تأثير تنظيمات اللوبي الإسرائيلي على عملية صنع القرار في الولايات المتحدة، منها إنفاذ صفقة طائرات الأواكس للسعودية في الثمانينيات، احتجاز عشرة بلايين دولار للضغط على إسرائيل لحضور مؤتمر مدريد للسلام في 1991، إرغام إسرائيل على عدم بيع أسلحة إلى الصين عامي 2000 و2005، وعدم إطلاق سراح جواسيس إسرائيل من السجون الأمريكية. لكن من بين هذه الأدلة، يذكر فريدلاند معارضة إسرائيل (ولوبيها) الغزو الأمريكي للعراق، وهو الأمر الذي لا يمكن تقبله. فوفقاً لمصادر عديدة، كان اللوبي الإسرائيلي من أهم المحرضين على اجتياح العراق وإطاحة نظام صدام حسين، وهو الموقف نفسه الذي يتكرر الآن مع إيران، والتي يدعي اللوبي، أنها مثلما كانت العراق، تمثل تهديداً خطيراً أو وجودياً للدولة العبرية. يذكر أن اللوبي الإسرائيلي سهّل عقد اجتماع سري بين الإسرائيليين والإدارة الأمريكية السابقة، الصيف الماضي، بخصوص طلب إسرائيل المساعدة العسكرية الأمريكية لمهاجمة البنية التحتية النووية لإيران.

وأخيراً، يثير الجدل المتجدد حول نفوذ اللوبي الإسرائيلي حديثاً ذا شجون حول دور اللوبي العربي أو "الآخر"، تلك الظاهرة المهملة حقاً في أدب السياسة الخارجية الأمريكية؛ بسبب ضعفه النسبي الكبير مقارنة بنظيره الإسرائيلي. ذلك أن تنظيمات اللوبي العربي تعكس مصالح متعارضة أو متنافسة لاثنتين وعشرين دولة عربية مختلفة. في هذا الخصوص، يرى خليل مرّار، أستاذ العلوم السياسية بجامعة دي بول الأمريكية؛ في أحدث كتبه (2009) عن اللوبي العربي والسياسة الخارجية الأمريكية، أن جماعات الضغط العربية تفاوت تأثيرها في السياسة الخارجية الأمريكية من مرحلة إلى أخرى. لكنه يؤكد أنه على الرغم مما آلت إليه جهود التسوية السلمية من جمود، فإن تنظيمات اللوبي العربي حالياً في وضع هو الأفضل في تاريخها، ويمكن أن تصبح مؤثرة. ويعلل مرّار ذلك بأن اللوبي العربي يدافع عن مبدأ الدولتين أساساً لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهو المبدأ الذي يحظى ليس فقط بتأييد غالبية الرأي العام وصانعي القرار في الولايات المتحدة، بل أصبح سياسة متبعة، وجزءاً من المصلحة الوطنية الأمريكية. فضلاً على ذلك، فإن مبدأ حل الدولتين يحظى بتأييد أحد أجنحة اللوبي الإسرائيلي. ففي العام الماضي، تم تأسيس منظمة جيه ستريت J. Street، التي تعرف نفسها بأنها "الذراع السياسي للحركة الموالية لإسرائيل والمدافعة عن السلام في الوقت نفسه". تدافع المنظمة عن تسوية سلمية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أساس دولتين، تعيشان جنباً إلى جنب في أمن وسلام. وترى أن إنهاء هذا الصراع يصب في مصلحة الجميع: الولايات المتحدة وإسرائيل والفلسطينيين والشرق الأوسط كله. وفي الحقيقة، تخلق هذه المنظمة مساحة للسياسيين الأمريكيين الذين يدعمون إسرائيل، ولكن يعتقدون، في الوقت نفسه، أن سياسات الحكومات الإسرائيلية تضر بالفلسطينيين، وتضع مستقبل الدولة اليهودية في خطر.  

لكن هذا لا يعني أن الطريق معبد أمام اللوبي العربي لتحقيق أهدافه المتمثلة في الاعتراف بالحقوق المشروعة للفلسطينيين في تأسيس دولة قابلة للحياة، من خلال اتفاق متعدد الأطراف. فإضافة إلى جمود العملية السلمية، وتزايد وتيرة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، فإن على تنظيمات اللوبي العربي مواجهة خصم يفوقها في كل شي تقريباً (التمويل، العلاقات العامة، الروابط المؤسسية بدوائر صنع السياسة في الكونجرس والبيت الأبيض، المساهمة في الحملات الانتخابية…الخ)، وهو اللوبي الإسرائيلي، الذي يبذل كل ما في وسعه للحؤول دون تحقيق تسوية سلمية على أساس مبدأ الدولتين، أو على الأقل إرجاء هذه التسوية إلى أجل غير مسمى، أو لحين تغيير الوقائع على الأرض واعتراف الإدارة الأمريكية بها، وفي مقدمتها المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وفي جميع الحالات، يضغط اللوبي الإسرائيلي ليجري التفاوض وفقاً لشروط إسرائيل.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات