هل يسهم تخفيف القيود في تحسّن الأسواق الاقتصادية على المدى البعيد؟

  • 21 مايو 2020

يلحظ المتتبع للسياسات الاقتصادية التي اتبعتها الدول في هذه المرحلة، بدء الانفتاح التدريجي للأنشطة الاقتصادية فيها، وذلك لمواجهة التداعيات التي خلفتها إجراءات احتواء تفشي فيروس كورونا على الاقتصادات الوطنية والاقتصاد العالمي، وما رافقها من تراجع في مستويات الطلب على السلع الأساسية؛ وخاصة النفط جراء الجائحة.

منذ أن بدأت العديد من الدول تخفيف القيود على الحركة والتنقل، والسماح للمراكز التجارية بالعودة إلى العمل بشروط محددة وإجراءات احترازية، وذلك لأهمية استمرار حركة الشراء والتسوق، بدأت الأسواق العالمية بتجاوز التراجع الذي طرأ عليها؛ ولاسيما في أسواق النفط والذهب والأسواق المالية، وذلك في ظل تزايد التفاؤل بإمكانية تخفيف المزيد من قيود الإغلاق وإعادة الاقتصادات تدريجياً إلى سابق عهدها؛ فبحسب وكالة «بلومبيرغ»، «حازت الدول التي جاءت في طليعة استعادة النشاط، مكافأة، حيث تجاوز أداء الأسهم في الصين وكوريا الجنوبية نظراءهم هذا العام».

وعلى الرغم من ذلك التفاؤل، يرى خبراء أن المستثمرين سيكونون انتقائيين في شراء الأصول، ويبحثون عن خارطة طريق مقنعة للخروج من عمليات الإغلاق، كما أن الدول القادرة على فتح اقتصادها، في الوقت الذي تستطيع فيه الحد من خطر حدوث موجة أخرى من عدوى الفيروس، ستتفوق في الأداء على نظيراتها من الدول التي لن تتمكن من كبح جماح الوباء فيما لو عاود الفيروس الكرّة للانتشار مرة أخرى.

لقد أسهم تخفيف القيود على الأنشطة الاقتصادية، وتقليص حالة الإغلاق الوطني والسماح للمؤسسات الصناعية والمناطق الاقتصادية الخاصة باستئناف عمليات التصنيع، وفتح المراكز الاقتصادية الرئيسية وأنشطة العقارات والتأمين، بانتعاش واضح على الأسواق. ومع تعافي الطلب، ومع قيام ولايات أمريكية بتخفيف إجراءات العزل العام، ومع تراجع الإنتاج العالمي من الخام وانخفاض مخزونات الخام الأمريكية، أغلقت عقود خام القياس الأمريكي غرب تكساس الوسيط وخام برنت العالمي على ارتفاع. وعلى الرغم من توقعات سابقة لوكالة الطاقة الدولية تقول إن الطلب على النفط لا يزال يتجه لتسجيل انخفاض قياسي في عام 2020، عادت الوكالة وقلصت توقعاتها للانخفاض، بعد أن لاحظت أثر تخفيف إجراءات العزل العام على بدء استعادة الأسواق إلى توازنها.

ومؤخراً صعدت أسعار الذهب بوجود أجواء تفاؤل بشأن لقاح محتمل لفيروس كورونا المستجد، حيث ارتفع الذهب في المعاملات الفورية 0.8% إلى 1745.70 دولار للأوقية في أواخر جلسة تداول يوم الثلاثاء الماضي، وصعدت عقود الذهب الأمريكية الآجلة 0.6% لتبلغ عند التسوية 1745.60 دولار؛ فالذهب «سلعة» كغيرها، تلقى الدعم عادة من التحفيز العالمي في تقييد الأضرار الاقتصادية الناجمة عن تفشي كورونا، بوصفه أداة للتحوط من التضخم وانخفاض قيم العملات، كما أنه ملاذ آمن للمستثمرين، فيما لو سادت المخاوف الأسواق، التي تتجسد حالياً بتدهور في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين.

وشهدت نهاية إبريل الماضي، منذ أن قررت بعض دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تخفيف الإجراءات والقيود التي فرضتها على الأسواق، صعوداً للأسواق، كما جاء الصعود تزامناً مع تحسن أسعار النفط الخام، ومع تنفيذ قرار خفض الإنتاج من جانب تحالف «أوبك+»؛ ففي دولة في الإمارات، صعد مؤشر «أبوظبي للأوراق المالية» بنسبة 1.21% في نهاية إبريل، وارتفع مؤشر سوق دبي المالي بنسبة 0.58%. وصعدت بورصة السعودية، بنسبة 0.84%، مع صعود جماعي للبنوك بإعادة فتح فروعها، وزاد المؤشر السعودي في 30 إبريل 1.8%، مع زيادة سهم عملاق النفط «أرامكو» السعودية 2.3%، والشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) 4.3%، وذلك بعد أن بدأ السعوديون يعودون تدريجياً إلى مراكز التسوق.

لقد أسهمت قرارات تخفيف القيـود في انتعـاش الطلب الحقيقي على المواد الخام والسلع وتوافر ضمانات أكثر ثقة للمستثمرين لاستئناف استثماراتهم في أسواق المال والأسهم، لكن استمرار هذا الانتعاش ما يزال مرهوناً بقدرة الدول على التكيف مع الأزمة وفق مبدأ المرونة والانفتاح، والحرص في الوقت نفسه على تفعيل استجاباتها الصحية والوقائية الاحترازية لاحتواء الوباء، حتى يستمر تفادي العواقب الخطيرة لتفشي الفيروس، وتحافظ الأسواق في الوقت ذاته على إحراز المزيد من التقدم.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات