هل يستطيع «داعش» العودة مرة أخرى؟

  • 28 يناير 2021

ما حدث في ساحة الطيران ببغداد، يوم الخميس الماضي، يُمثِّل رسالة واضحة بأن تنظيم «داعش» لا يزال قويًّا وقادرًا على نشر الفوضى، وتقويض السلطة، وبسط النفوذ. فما العوامل التمكينية التي يسّرت عودة التنظيم بهذه السرعة؟ ومن المستفيد من عودته؟ وما السبيل للقضاء عليه بلا رجعة؟

أدى التفجيران الإرهابيان اللذان وقعا يوم الخميس 21 يناير الجاري، في سوق شعبية مكتظة وسط بغداد، إلى وفاة 32 شخصًا، وإصابة 110 آخرين. وأعلن «تنظيم داعش» الإرهابي، عبر وكالة «أعماق» التابعة له، مسؤوليته عن التفجيرين. ويعدّ هذا الهجوم الدموي أمرًا نادرًا في العاصمة العراقية التي لم تشهد تفجيرات مماثلة منذ هزيمة التنظيم في العراق وسوريا في عام 2017. وقد نُفِّذ هذان التفجيران بعد يوم واحد من تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد، جو بايدن، وفي وقت تدرس فيه السلطات العراقية إجراء انتخابات تشريعية، وتدعو فيه إلى حلِّ الميليشيات المسلحة، وضمها إلى الجيش العراقي، وهو ما دفع الكثيرين للتساؤل عن دوافع هذا العمل الإرهابي وتوقيته وأهدافه.

هزيمة «داعش» في الميدان
في فورة عنفوانه عام 2014، كان «داعش» يسيطر على مساحة شاسعة من الأراضي تبلغ 100 ألف كيلومتر مربع ممتدة بين سوريا والعراق، ويخضع له نحو 8 ملايين من السكان، ويملك أكثر من 40 ألف مقاتل من 120 بلدًا. وكان يجني نحو 80 مليون دولار في الشهر عن طريق بيع النفط، وتحصيل الضرائب، وأعمال النهب والابتزاز والتهريب. غير أن تضافر الجهود الدولية، الذي أثمر إنشاء التحالف الدولي ضد «داعش»، أدى إلى كسر شوكة التنظيم، واستعادة المناطق التي استولى عليها في سوريا والعراق. كما أن مقتل أبي بكر البغدادي، زعيم التنظيم، في عملية نفذها الأمريكيون، جعل قيادة التنظيم في تخبط، ودفعها إلى الاختباء تحت الأرض.

عوامل عودة «داعش»
أسهمت مجموعة من العوامل في عودة ظهور تنظيم «داعش»، وانتشاره في العراق وسوريا، وعلى رأسها «الإحساس الراسخ بالظلم والاضطهاد» لدى فئات عديدة من المجتمع بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي، كما هي الحال في العراق، أو الحرب الأهلية، كما هي الحال في سوريا. واستمرار هذه العوامل هو ما يُيسّر عودة «داعش»، الذي كيّف أهدافه وطريقة عمله مع الواقع الميداني الجديد؛ فبات يعتمد على قيادة غير مركزية، من خلال مجموعات صغيرة تعمل على نحو شبه مستقبل، ومن خلال عمليات الذئاب المنفردة التي ينفذها أفراد متأثرون بفكره المتطرف. وبدلًا من بسط سيطرته على الأراضي والمدن، وما يتبع ذلك من أعباء متصلة بإدارة شؤون السكان، أصبح «داعش» يركز على حرب العصابات والضربات الخاطفة لاستنزاف قدرات خصومه، والنأي بعناصره عن نيران العدو.

وبحسب ريناد منصور، الباحث والمحلل في مركز «دار تشاتام» البريطاني، فإنه بالرغم من هزيمة «داعش» في ميدان القتال، فإن ذلك لا يعني أنه لن يعود أبدًا. فبحسب منصور، فإن «الوقود الذي يشعل لهيب «داعش» يكمن في إحساس عدد كبير من السكان بالظلم والإقصاء». وهذا الإحساس بالظلم والإقصاء لا يزال قائمًا، بل وتشتد وتيرته. وقد استفاد هذا التنظيم مرارًا وتكرارًا من دعم بعض فئات الشعب في العراق الذين يشعرون بالتهميش والظلم. لذلك، فإن الفشل في الوصول إلى تسوية سياسية، وتحقيق الإدماج لجميع مكونات المجتمع العراقي، بطوائفه وأعراقه المختلفة، يعني أن خطر «داعش» لن يزول.
وكان القصف الجوي، الذي نفذه التحالف الدولي ضد «داعش» في العراق، قد أدى إلى تدمير منازل الناس البسطاء وممتلكاتهم، وفاقم من معاناة اللاجئين والنازحين الذين هربوا من إرهاب التنظيم. وفي هذا الصدد، يقول أنتوني كودرسمان، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن العاصمة، إن «الأداء الضعيف للحكومة العراقية في إعادة إعمار ما خلفته الحرب على «داعش»، وتزايد أعداد اللاجئين والنازحين، أوجدا الظروف المواتية لاستفحال حالة عدم الاستقرار، التي تُيسّر عودة داعش».
ومن العوامل الأخرى التي سهّلت تعافي تنظيم «داعش» وعودته إلى الواجهة، هو تغير أولويات خصومه؛ فلم يعد القضاء على التنظيم الأولوية رقم واحد بالنسبة لخصومه الرئيسيين. ففي العراق، أصبح التصدي للميليشيات المسلحة قضية أهم بالنسبة للقوات الأمريكية التي باتت تشكل خطرًا عليها، لاسيما بعد اغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق «القدس» الإيراني على يد الأمريكيين. وقد انكب تركيز سياسة الولايات المتحدة في العراق، منذ الانتصار ميدانيًّا على «داعش»، على إيران، وعلى تقليص الوجود العسكري هناك، وهو ما تجلى في إعلان دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي السابق، تخفيض عدد القوات الأمريكية الموجودة في العراق، حيث لم يبق سوى 2500 جندي هناك، وهو ما أتاح الفرصة لـ «داعش» لاستعادة أنفاسه وتنفيذ هجمات أكثر جرأة وتأثيرًا. كما أصبحت حماية الأكراد لمناطقهم من تركيا وفصائل المعارضة السورية أولويةً تتقدم على خطر «داعش»، الأمر الذي تسبب في إحداث تغيير في ترتيب الأولويات، وأدَّى إلى تحويل الموارد بعيدًا عن الحرب على التنظيم.

جائحة «كورونا»
لا يتوانى تنظيم «داعش» الإرهابي، وغيره من الجماعات المتطرفة والإرهابية، عن استغلال الأزمات لمصلحته، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو صحية، كما هي الحال مع جائحة «كورونا». فقد استغل انتشار فيروس كورونا في العالم، وعمل على تعزيز نفوذه في المناطق التي يوجد فيها، بالعراق وسوريا، واستئناف أنشطته الإرهابية. كما حاول استثمار هذه الجائحة لنشر أفكاره المسمومة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أخذ يروج لفكرة أن الفيروس هو عقاب أنزله الله لمعاقبة الكفار ونُصرة للتنظيم. كما دفعت الجائحة كثيرًا من الدول المشاركة في التحالف الدولي ضد «داعش» إلى الانكفاء على ذاتها، وتركيز جهودها ومواردها على التصدي لهذا الوباء، وترميم ما سببه من آثار اقتصادية واجتماعية على شعوبها.
المستفيدون من عودة «داعش»
تخدم عودة «داعش» مصالح القوى الإقليمية. فبالرغم من الهجمات التي يشنها التنظيم على الميليشيات التابعة لإيران في سوريا والعراق، فإن عودته توفر لإيران مبررًا لإبقاء الميليشيات الموالية لها، والتي تواجه ضغوطًا من الحكومة العراقية لحلها وضمها إلى الجيش العراقي، وضغوطًا من روسيا، وإسرائيل، والولايات المتحدة لإخراجها من سوريا. كما تستفيد تركيا بدورها من عودة «داعش» لتثبيت وجودها في شمال سوريا وشرقها، بذريعة محاربة الإرهاب.

ماذا بعد؟
ما جرى في بغداد، يوم الخميس الماضي، هو دليل على أن التهديد الإرهابي الذي يواجه العراق لا يزال مرتفعًا، وأن وضع البلاد لا يزال محفوفًا بالمخاطر من نواحٍ كثيرة. وعلى هذا الأساس، حذّرت مجلة «فورين بوليسي»، في تقرير لها في 21 يناير الجاري، من أن تجاهل الإدارة الأمريكية الجديدة للعراق سيكون خطأً كبيرًا، حيث أشارت المجلة إلى أن الهجوم الانتحاري الأخير في بغداد هو تذكير بأن العراق يجب أن يكون إحدى أولويات الإدارة الأمريكية الجديدة.
إن القضاء التام على «داعش»، وعلى أغلب التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، يتطلب معالجة العوامل التي أدت إلى ظهورها. فإذا كان غياب الاستقرار السياسي، والأمني، والعدالة الاجتماعية، وانتشار الفكر المتطرف هي الأسباب الرئيسية وراء نشأة هذه التنظيمات وازدهارها، فإن إيجاد حلول سياسية دائمة في بؤر التوتر، مثل العراق، وإرساء أسس السيادة الوطنية، والاستقرار، والحوكمة الجيدة، ونشر المُثل العليا التقدمية، ودعم الدولة القومية على حساب دولة الميليشيات والحكم الطائفي، ومحاربة الفكر المتطرف، هي كلها عوامل كفيلة باجتثاث الإرهاب من جذوره، وإلحاق الهزيمة التي لن يستطيع «داعش» وأمثاله أن ينهضوا من تبعاتها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات