هل يستطيع الكاظمي تحجيم النفوذ الإيراني في العراق؟

  • 6 يوليو 2020

تنطوي التغييرات الأمنية، التي قام بها رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، مؤخراً على أهمية كبيرة؛ لأنها تأتي في سياق جهوده لاستعادة هيبة الدولة، وتحجيم ميليشيات الحشد الشعبي ومن يقف وراءها؛ وهي مهمة ليست سهلة بالنظر إلى تغلغل نفوذ إيران ووكلائها.

شملت التغييرات التي قام بها الكاظمي منصب رئيس جهاز الأمن الوطني الذي كان يشغله فالح الفياض، رئيس هيئة الحشد الشعبي، المعروف بقربه من إيران وولائه لها؛ وحل محله عبدالغني الأسدي، القائد السابق في قيادة العمليات الخاصة بجهاز مكافحة الإرهاب، الذي تمت إحالته على التقاعد قبل عامين. كما تمت إقالة الفياض من منصبه مستشاراً للأمن الوطني، الذي كان يشغله منذ عام 2014، وعين محله قاسم الأعرجي، الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية في حكومة حيدر العبادي.

وجاءت هذه التغييرات بعد أيام من اعتقال عناصر من «كتائب حزب الله» المنضوية تحت ميليشيات الحشد الشعبي، وهو ما أثار موجة من الغضب لدى أنصار هذه الميليشيات؛ وتم الإفراج عنهم سريعاً.

ومن الواضح أن هذه التغييرات لها دلالات مهمة؛ وفيها أكثر من رسالة داخلية وخارجية:

فهي، أولاً، رسالة إلى الداخل العراقي بأن الحكومة، التي جاءت من أجل أهداف محدَّدة، أهمها ضمان الأمن والاستقرار، وتلبية مطالب الشارع العراقي، وخاصة ما يتعلق بإجراء انتخابات جديدة تضمن تمثيلاً عادلاً للشعب العراقي، مصمّمة على المضي قدماً في برنامجها، وأنها لن تتوانى عن اتخاذ القرارات التي تخدم هذه الأهداف؛ فالوضع في العراق غير طبيعي؛ حيث أصبحت الميليشيات، التي أنشئت لمحاربة داعش أصلاً ويفترَض أن تنتهي بعد أن هُزِم التنظيم، صاحبة نفوذ وتأثير، ليس على المستوى الأمني فقط، وإنما على المستوى السياسي أيضاً. وهذا أمر لا يستقيم إذا ما أراد العراق أن يخرج من أزماته المختلفة، السياسية منها والاقتصادية. ومن ثمَّ لا بد للدولة أن تبسط نفوذها، ولا يجوز أن يكون هناك من يشاركها في هذا الحق الحصري. وهذه الغاية تتطلَّب بالفعل قرارات جريئة؛ ويبدو حتى الآن أن الكاظمي لديه الإرادة للقيام بذلك، وكذلك الإمكانيات بالنظر إلى شخصيته، والأهم خدمته في المخابرات، التي استمر فيها أعواماً عدَّة؛ ومن ثم يمكن له أن يعيد تشكيل الجهاز الأمني بحيث يتخلص من العناصر الموالية لإيران؛ وهذا أمر محوريٌّ لنجاح مهمته الأساسية في إخراج العراق من مأزقه الطائفي.

وثانياً: هناك رسالة إلى إيران بأن الحكومة ماضية لوضع حد، أو على الأقل حسر نفوذها، ووقف تدخلاتها التي تجاوزت كل الحدود؛ حيث استباحت سيادة العراق؛ وأكثر من هذا فهي تتدخل بشكل مباشر في قراراته المصيرية؛ بما فيها تشكيل الحكومة، وتوزيع المناصب الرئيسية في الدولة؛ ولهذا لا بد من استعادة السيادة، وممارستها بشكل حقيقي، وهذا يعني أن يكون قرار العراق نابعاً من مصالح العراق الوطنية، وليس مصالح قوى أخرى أجنبية.

ثالثاً: رسالة إلى الإقليم مفادها أن العراق يريد فعلاً أن يعود إلى بيئته العربية، ويستعيد دوره فيها؛ وهذا يتطلب بالضرورة مواجهة المدّ الإيراني، وعلى الأقل ألا يكون العراق ساحة أو منطلقاً لتهديد دول المنطقة.

ورابعاً: هناك رسالة مهمة، ليست إلى الولايات المتحدة فقط، وإنما إلى المجتمع الدولي كله أيضاً؛ وهي أن العراق يريد أن ينأى بنفسه عن الصراعات الإقليمية والدولية، ولا يريد أن يكون ساحة لتصفية الحسابات؛ وهذا بالطبع سيزيد من دعم المجتمع الدولي له، كما أنه سيشجع الأمريكيين على إقامة علاقات متوازنة معه؛ خاصة أن هناك رغبة أمريكية واضحة في الانسحاب، أو تقليل الوجود هناك؛ وقرار مثل هذا يستوجب من الحكومة العراقية أن تكون أكثر قدرةً على السيطرة الداخلية، والتصدي لأي تدخلات خارجية، وفي مقدمتها وأخطرها بالطبع التدخل الإيراني.

ومع كل ذلك؛ فإن مهمة الكاظمي ليست سهلة؛ فإيران فعلياً متغلغلة بشكل كبير في الشؤون العراقية؛ وهناك قوى كثيرة ومؤثرة تتبعها أو تواليها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات