هل يستخدم الأكراد علاقاتهم الخارجية للانفصال عن العراق؟

  • 19 سبتمبر 2010

شهدت العلاقات الخارجية، أو الدبلوماسية-الموازية، لكردستان-العراق تنامياً وتكثيفاً مؤخراً؛ حيث نفذ المسؤولون الأكراد، وعلى رأسهم رئيس الإقليم، مسعود البارزاني، ورئيس الوزراء، برهم صالح، خلال الشهور القليلة الماضية، زيارات ومهمات رسمية عدة، شملت دولاً عدة في أوروبا وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط، وكان من أبرزها جولتا البارزاني الخارجية، خلال الفترة من أبريل/نيسان إلى يوليو/تموز 2010، واللتان أخذتاه إلى لبنان والسعودية وتركيا وفرنسا والنمسا وألمانيا ومصر والأردن. كما استقبل هؤلاء المسؤولون، خلال العام الجاري، وفوداً رسمية أجنبية على مستويات مختلفة (سفراء، وزراء، ورؤساء الحكومات)، وكان من أهمها زيارة جوزيف بايدن، نائب الرئيس الأمريكي، في مطلع سبتمبر/أيلول الحالي.

والحقيقة أن زيادة انخراط إقليم كردستان في الشؤون الدولية يثير التساؤل حول ما إذا كان القادة الأكراد يستخدمون علاقاتهم الدولية سبيلاً إلى الانفصال عن لحمة الدولة العراقية، وتشكيل دولتهم المستقلة. لا توجد إجابة قاطعة لهذا التساؤل؛ فثمة تفسيرات عدة لتنامي العلاقات الخارجية للإقليم. يرى بعض المحللين أن الإدارة الكردية تمهد، بانخراطها المكثف وعالي المستوى في الشؤون الدولية، السبيل للاستقلال. ويدللون على ذلك بتصريحات رسمية كردية متكررة عن حق تقرير المصير للشعب الكردي، والحق في "أن تكون لنا دولتنا أسوة بأية أمة أخرى". ويحصل ذلك على خلفية نزاع عربي-كردي معقد في العراق، يطول العناصر الثلاثة الأساسية المكونة لأي صراع دولي أو داخلي، وهي السياسة (شكل الدولة العراقية وتوجهاتها الخارجية) والأرض (كركوك وغيرها من "المناطق المتنازع عليها") والثروة (من له حق التصرف في نفط وغاز كردستان: بغداد أم أربيل، وكيفية توزيع العوائد)، ويزيد عليها عنصر الهوية القومية؛ ما قد يفضي إلى حرب أهلية بين العرب والأكراد. ففي مقابلة مع مجلة نيوزويك الأمريكية، نشرت في 17 أغسطس/آب 2009، أكد البارزاني أنه في حالة عدم تحقق مطالب الأكراد، ولاسيما تلك المتعلقة بمدينة كركوك، فإنه قد يستخدم الوسائل التي يمتلكها للدفاع عن حقوق شعبه؛ بما في ذلك القوة المسلحة، حتى لو كان العراقيون يفوقونه في العدد.

ومع ذلك، يوازن "ادعاءات السيادة" تلك بيانات رسمية أخرى تؤكد أن الأكراد جزء من الشعب العراقي، وأنهم قرروا أن يكونوا جزءاً من العراق الفيدرالي، وليسوا مع تحقيق مطامحهم القومية عن طريق العنف. ففي مقابلة حديثة مع قناة روسيا اليوم، في مارس/آذار، بيّن البارزاني أن الأكراد "جزء من العراق. وهذه المنطقة [يقصد: كردستان] تعتبر أراضي عراقية أيضاً. ولكن… لدينا ثقافتنا الخاصة، وتاريخنا وتقاليدنا الخاصة بنا". وأضاف "ما دام العراق يتمسك بدستوره الجديد فنحن عراقيون، وفي الوقت نفسه نحن أكراد العراق".

من ناحية أخرى، ثمة من ينظر إلى تطور علاقات كردستان الخارجية على أنها تندرج ـ إلى حد كبيرـ في إطار دعم الهوية وتعزيزها، وهي عنصر مهم من عناصر استراتيجية بناء الأمة في الكيانات دون المستوى القومي، وهي استراتيجية تنشد بقدر ما تستطيع مضمون الاستقلال، من دون الاهتمام كثيراً بالشكل الرسمي له، من خلال ترويج صورة الإقليم كشخصية دولية، وخلق مصالح مشتركة؛ ما يؤدي إلى إيجاد توافق شعبي حول المشروع القومي. كما توفر السياسة الخارجية للقادة الأكراد أدوات لرسم حدود الهوية الكردية، ومن ثم تمييز إقليمهم عن غيره من الوحدات الدولية (سواء من الدول أو الأقاليم)، ولاسيما الوحدة التي ينتمي إليها سياسياً (الدولة العراقية)؛ أو ما يطلق عليه إظهار التميز الخارجي External Distinctiveness. كما يتيح انخراط المسؤولين الأكراد في الشؤون الخارجية لهم منبراً يعبرون من خلاله عن إقليمهم كأمة؛ لأن التفاعلات الدولية توفر شرعية للإقليم، وتمده بفرص اتصال بفاعلين دوليين آخرين، وبخاصة الدول والمنظمات الدولية.

وتركز طائفة ثالثة من الدارسين على اعتبار الدبلوماسية-الموازية استراتيجية كردية لنيل الاعتراف الدولي بادعاءات الإقليم أو تطلعاته السياسية المتعلقة بـ "الأمة" (أن الإقليم يشكل أمة، وإن كانت بلا دولة، مختلفة عن الدولة العراقية) و"السيادة" (الحصول على شهادة دولية بوضعية "شبه دولة" التي يتمتع بها الإقليم حالياً). ولكي تصبح هذه التطلعات السياسية حقيقة، لابد أن "يشتري" المجتمع الدولي هذه الادعاءات، أو على الأقل "يشهد عليها". ولكي تكسب الحكومة الكردية هذا الاعتراف، فإنها يجب أن تخاطب الرأي العام العالمي، وكذلك أعضاء المجتمع الدولي، وبصفة خاصة الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة. وكما عبرت شيلان خانقاه، مندوبة إقليم كردستان للشؤون التجارية في الإمارات، فـ"الانفتاح على العالم الخارجي مطلوب وبكل جوانبه، سواء أكانت اقتصادية أم سياسية أم فكرية. فنحن لا زلنا نمر بمرحلة نحتاج أن نكسب فيها الأصدقاء، لا أن نضيف إلى مدونتنا الأعداء. ولا نريد أن ترجع عجلة الزمن إلى الوراء، ونجعل الجبال فقط أصحاباً لنا".

ويتضمن جهد الإدارة الكردية لنيل الاعتراف الدولي "هجوماً دبلوماسياً بهيجاً"، أو حملة علاقات عامة لتسويق ادعاءات "الأمة" و"الفاعلية الدولية". في هذا السياق، نجد أن تسويق هذه الادعاءات والتطلعات، وبالجملة تطوير صورة إيجابية عن الإقليم في الخارج، على رأس أهداف دائرة العلاقات الخارجية. وهذا ليس بجديد في تجربة الكيانات دون المستوى القومي من كيبيك وحتى تتارستان. ولكن الجديد هنا هو الاستفادة من ثورة تكنولوجيا المعلومات، ولاسيما المواقع الإلكترونية الرسمية (موقع حكومة كردستان الإقليمية وموقع رئاسة إقليم كردستان وموقع العراق الآخر)، في تسويق هذه التطلعات للمجتمع الدولي.

فضلاً على ذلك، فإن انخراط إقليم كردستان في العلاقات الدولية يتصل بما يسمى تعزيز "المصلحة الإقليمية". ويعني هذا أن الإقليم يلج إلى الساحة الدولية من أجل الدفاع عن مصالحه الاقتصادية والثقافية والسياسية وغيرها. في هذا الخصوص، تتبنى حكومة كردستان على المسرح الدولي خطاباً يشبه خطاب الدول؛ من ناحية أنها تعبر عن تفضيلات (أيديولوجية أو ثقافية أو وظيفية أو سياسية) في الإطار المعروف بالمصلحة القومية. وتستثمر الحكومة الكردية علاقاتها الخارجية في التعريف بمصالحها الإقليمية وتعزيزها، سواء أكانت اقتصادية (جذب الاستثمارات الأجنبية، تسويق نفط وغاز الإقليم، والحصول على المساعدات والمعونات الدولية وغيرها) أم سياسية (تأمين تأييد دولي للنظام الفيدرالي المرن في العراق، وتطبيق المادة 140 من الدستور المتعلقة بكركوك و"المناطق المتنازع عليها"، والاعتراف رسميا بأن حملة الأنفال من أعمال الإبادة الجماعية، وتعزيز العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة وغيرها) أم ثقافية (تأكيد المكون الكردي الثقافي في العراق، تعزيز الثقافة الكردية في الخارج).

وتتضمن الدبلوماسية-الموازية الكردستانية أيضاً الترويج لفكرة النموذج الكردي القائم على الديمقراطية والتعددية والاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي، أو "العراق الآخر" كما يحب أن "يسوق" الأكراد إقليمهم إلى العالم؛ بمعنى أن الإقليم بديل أكثر استقراراً وأمناً عن العراق بالنسبة للمستثمرين، كما أنه بوابة الدخول إلى العراق. ويتم الترويج لهذا النموذج من خلال حملة حكومية واسعة للعلاقات العامة في الخارج، وكذلك من خلال المواقع الإلكترونية الرسمية الثلاثة. وثمة إلحاح على فكرة "نشر تجربة إقليم كردستان الناجحة في عموم مناطق العراق، لكي يستفيدوا منها". أكثر من ذلك، يتم الترويج للإقليم على أنه نموذج للاستقرار الإقليمي والرخاء والديمقراطية والتسامح والمجتمع المدني وحقوق المرأة. ففي مقابلة مع فضائية فرانس 24، في يونيو/حزيران 2010، أوضح مسعود البارزاني أن أهم مسوغات وصف إقليم كردستان بأنه "العراق الآخر" هو استتباب الحالة الأمنية والاستقرار الأمني والإداري، "وقد عملنا وسنواصل العمل على أن تعم هذه التجربة بقية مناطق العراق".

كذلك، توظف حكومة كردستان دبلوماسيتها الموازية كأداة لتحقيق أهداف سياسية داخلية، أو ميكانزم لتحقيق التعبئة السياسية. تتلخص الأهداف السياسية الداخلية التي تتوخى الحكومة الكردية تحقيقها من الانخراط في الشؤون الخارجية في توسيع نطاق الاستقلال الإقليمي الذي تتمتع به أو تكريسه، ومن ثم تحسين نمط العلاقات الحكومية البينية المتوترة، وتحقيق أقصى قدر من السيطرة على استغلال الموارد الاقتصادية للإقليم وخاصة النفط والغاز، وتحقيق مكاسب فيما يتعلق بقضية كركوك، والضغط على الحكومة المركزية أو مساومتها لإحداث تغيير دستوري أو مؤسسي يعترف بهذه المصالح الكردية.

وفيما يتعلق باستخدام الدبلوماسية-الموازية بغرض تحقيق التعبئة السياسية، نجد أن القيادة الكردية تتبنى في أحيان كثيرة لغة هجومية عند الإشارة إلى الحكومة العراقية؛ فهي تنتقد الحكومة في مواقف خارجية عدة، منها الموقف من الاختراقات التركية (والإيرانية) المتكررة لشمالي العراق، توزيع المساعدات والمنح الدولية، وتنسيق السياسات الخارجية…إلخ. علاوة على ذلك، تطالب الحكومة الكردية أن يكون الإقليم ممثلاً في المنظمات والمنتديات الدولية، وأن يشارك في المفاوضات المفضية إلى توقيع معاهدات، وأن يكون حراً في عقد اتفاقات دولية في المسائل المتعلقة باختصاصاته الدستورية. فضلاً على ذلك، تتبنى الإدارة الكردية في كثير من الأحيان موقفاً يتسم بالغموض البناء فيما يتعلق بفكرة "الأمة الكردية"؛ أي كردستان الكبرى. وأخيراً، فإن أهم دوافع حكومة كردستان من الانخراط في سياسة الشتات هو التوجه إلى مشاهديها في الداخل برسائل ترضيهم.

ويميل ثلة من الدارسين إلى إعطاء وزن أكبر للتفسيرات الأخيرة لتنامي العلاقات الخارجية لكردستان مقارنة بالتفسير الذي يشايع تزايد التوجه الانفصالي للإقليم. وما يعزز لديهم هذا الرأي أن قسماً مهماً من النخبة الكردية أعاد تعريف أهداف الحركة القومية الكردية وتوجهاتها واستراتيجياتها في ضوء التغيرات الدولية منذ أواخر الثمانينيات من القرن العشرين بصفة عامة والعولمة بصفة خاصة. بعبارة أخرى، حدث تغيير أساسي في الخطاب السياسي لعناصر في النخبة السياسية، حيث باتوا مدركين لحدود نهج الاستقلال بالمفهوم التقليدي (أي تكوين دولة جديدة) بالنسبة للأمة الكردية والمعوقات الموضوعة عليه، وشرعوا، من ثم، يناضلون من أجل تحقيق أهداف أخرى، مثل المشاركة في السيادة، أو تعظيم نطاق ومستوى الاستقلال الإقليمي Regional Autonomy، أو الاستقلال في ظل عراق فيدرالي، والسعي لنيل الاعتراف بأن الحركة الكردية تمثل أمة متميزة. ومع ذلك، ثمة اعتراف بأن الحالة الكردية لا تزال ملتبسة؛ ربما لأن إقليم كردستان، والعراق كله، لا يزال يمر بمرحلة انتقالية، بدأت منذ انتهاء حرب الخليج الثانية مروراً بالاحتلال الأمريكي.

Share