هل يتكرر نموذج ميدفيدف- بوتين في إيران؟

  • 30 مايو 2011

يبدو الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد مشغولاً منذ بداية فترة حكمه الثانية والأخيرة بترتيب الأوضاع الداخلية قبل مغادرته سدة الرئاسة في منتصف عام 2013. يشهد على ذلك توالي المعارك التي خاضها مع خصومه السياسيين على مدار العامين الماضيين من أول معركة تعيينه صهره إسفنديار رحيم مشائي نائباً أول له، مروراً باستحداثه وظيفة المبعوثين المكلفين بملفات خارجية محددة، وإقالته وزير الخارجية منوشهر متقي، وانتهاءً بإقالته وزير الاستخبارات حيدر مصلحي، وخفضه عدد وزارات حكومته، وسعيه إلى تولي مسؤولية وزارة النفط بعد إقالة وزيرها مسعود مير كاظمي.

إذا تأملنا الأزمات السابقة ملياً فسوف نخلص إلى عدد من الملاحظات الأساسية، الأولى: أن المرشد الأعلى علي خامنئي دخل على خط ثلاث من تلك الأزمات بشكل مباشر، وهي أزمة تعيين مشائي نائباً أول لنجاد، ثم استحداث منصب المبعوثين، وأخيراً إقالة مصلحي، وهذا يعني أن الشقة آخذة في الاتساع بين المرشد والرئيس على نحو لم يُعرف في فترة نجاد الأولى عندما دخل الأخير السلطة محاطاً بضجيج عالٍ بسبب شائعة مشاركته في الهجوم على السفارة الأمريكية في نوفمبر 1979، وفي وضع كهذا، كان دعم المرشد أمراً لا غنى عنه.

الملاحظة الثانية أن نجاد نجح في الالتفاف على المعارضين لسياساته في عددٍ من الأزمات المذكورة، بينما اضطر لإحناء رأسه للعاصفة في عددٍ آخر منها. فهو تحايل على إصرار المرشد ومجلس الشورى على رفض أن يكون مشائي نائبه الأول، فأقاله من هذا المنصب، لكنه عيّنه مديراً لمكتبه، ولاحقاً مستشاراً له، كذلك تحايل نجاد على انتقادات المرشد لتدخله في عمل وزارة الخارجية بتغيير المسمى الوظيفي للمبعوثين إلى مستشارين، فيما أبقى مهامهم الدبلوماسية على حالها. أما ما لم يستطع نجاد مقاومته فهو إصرار المرشد على بقاء وزير الاستخبارات في منصبه، حتى تردد أن خامنئي خَيّر الرئيس بين إعادة مصلحي والاستقالة، وإن حرص نجاد على نفي ذلك، لكن المهم أن الوزير عاد مجدداً إلى مكتبه، خاصة مع قيام 215 من أعضاء مجلس الشورى بالدعوة لاستجواب نجاد بسبب تراخيه في تنفيذ هذا القرار. أما الموقف الآخر الذى يبدو فيه نجاد ضعيفاً، فهو الخاص بدمج الوزارات خفضاً للتكاليف؛ حيث يتمسك مجلس الشورى في مواجهة ذلك بأمرين: استمرار الوزراء الذين أولاهم ثقته، وعدم دستورية جمع نجاد بين رئاسة الجمهورية وأي حقيبة وزارية كحقيبة النفط.

الملاحظة الثالثة أن علاقة نجاد بصهره مشائي تسببت بشكل معلن في بعض الأزمات المذكورة وفي أخرى غيرها. فمشائي هو نائب الرئيس المُعترض عليه، وهو المبعوث المكلف بملف الشرق الأوسط البالغ الأهمية، وهو الذي تضرَّر من قيام وزير الاستخبارات حيدر مصلحي باستبعاد أحد المقربين من مشائي من وزارة الاستخبارات، فأصبح لدى نجاد مبرر شخصي لإقالة مصلحي بعد الملاحظات الموضوعية التي أبديت على تقصير الوزير في عمله، خصوصاً في مواجهة اندلاع الحركة الاحتجاجية الموسعة بين عرب الأحواز في 16 أبريل الماضي. فلماذا يَصُبّ معارضو نجاد جام غضبهم على مشائي؟ الواقع أنهم يفعلون ذلك لأنهم يرون أن ثنائي نجاد ومشائي يحاول أن يرسم معالم مشهد شديد الاختلاف لتطور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، خاصة في مرحلة ما بعد خامنئي، يتميز بالسمات التالية:

1- التركيز على القومية الفارسية، وعلى الرغم من أن هذا التركيز لم يغب قط عن سياسات إيران في الداخل والخارج قبل الثورة وبعدها، فإنه آخذ في الصعود بشكل لافت إلى حد الادعاء بوجود "مدرسة إيرانية في الإسلام". والادعاء المذكور جاء على لسان إسفنديار رحيم مشائي قبل بضعة أسابيع، وتسبب في حينه في هياج رجال الحوزة الدينية في قم، ممن رأوا في قول مشائي بدعة لا تجوز. ومن جانبه فإن نجاد لم يوفر جهداً في تأكيد  أهمية التواصل مع تاريخ بلاده في مرحلة ما قبل الإسلام، وجسّد افتتاحه متحف قوروش في احتفال كبير أحد مظاهر هذا الاهتمام، وهو أمر أثار أيضاً في حينه عاصفة من الانتقادات. ومن المفارقة أن الاهتمام بالبعد القومي الفارسي يمثل قاسماً مشتركاً بين ثنائي نجاد ومشائي من جهة، وعدد لا بأس به من زعماء الحركة الخضراء وأعضائها من جهة أخرى، ولعل بعضنا يذكر الشعارات التي ارتفعت في العديد من مظاهرات تلك الحركة داعية  لقصر الاهتمام على إيران ونفض الجمهورية الإسلامية يديها من ملفات فلسطين والعراق وحزب الله من منطلق الإيمان بأن إيران تأتي أولاً.

2-  الليبرالية، ومن المفهوم أن استخدام هذا المصطلح في السياق الإيراني لا شأن له بمضمونه الفعلي خارج هذا السياق، فكل ما يشير إليه هو التخفف من بعض القيود الشكلية التي تتعلق في الأساس بالمظهر الخارجي وببعض الممارسات الاجتماعية. ولذلك سنجد أن "متهمي" نجاد بالليبرالية يستندون إلى أنه لا يتشدد في مسألة الحجاب بالنسبة للمرأة ورابطة العنق بالنسبة للرجل، وربما يتذكرون واقعة تقبيله يد مدرسته العجوز في ولايته الأولى، والتي أغضبت في حينها من أغضبت. وسنجد أن منتقدي ليبرالية مشائي يذكرون دليلاً عليها أنه إبان عمله نائباً للرئيس نجاد لشؤون السياحة في عام 2008، سمح ثنائي نجاد/مشائي بإقامة حفل راقص حملت فيه الفتيات نسخاً من كتاب الله. ومن هنا فإن الليبرالية المغضوب عليها لدى الرجلين أكثر تواضعاً من ليبرالية أمثال محمد خاتمي ومير حسين موسوي ومهدي كروبي ممن يطالبون بحزمة من الحريات المدنية والسياسية.

3- يتميز هذا المشهد بخلاف ذلك بتقييد سلطات المرشد لحساب تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية، ويعّبر بعض المحللين عن هذا الاتجاه "بالمهدوية" بمعنى الإيمان بقرب ظهور المهدي المنتظر ليملأ الدنياً نوراً وعدلاً، وطالما أن ظهوره قريب فلا حاجة لوجود نائب للمهدي، أي مرشد للجمهورية واسع الامتيازات السياسية. ويضع هؤلاء المحللون أنصار المهدوية (ومنهم نجاد ومشائي) في مواجهة أنصار ولاية الفقيه بالمعنى الذى طوّره الخميني، والذى يؤيده رئيسا مجلس الشورى والسلطة القضائية إضافة إلى قائد الحرس الثوري ومعظم علماء حوزة قم. وفي تلك الحدود أيضاً نفاجأ بأن المسافة بين ثنائي نجاد ومشائي وزعماء الحركة الخضراء وأتباعها تضيق اقتناعاً من هولاء بأهمية التقييد الموضوعي والزمني لولاية الفقيه.

4- يتميز هذا المشهد أخيراً بعدم الرغبة في التصعيد مع إسرائيل، وإذا كان هذا مفهوماً من شخص مثل مشائي جاهر في عام 2008 بأن "إيران صديقة للشعب الإسرائيلي"، وكانت مجاهرته تلك سبباً في الاحتجاج المباشر على تعيينه نائباً أول لنجاد، فإن الانفتاح على إسرائيل لا يتفق في شيء مع تصريحات نجاد التي تنكر المحرقة وتدعو  إلى إزالة إسرائيل وتتبنى نهج المقاومة، وقد دعم نجاد بعض مقتضيات هذا الموقف بسياسة عملية جسدتها العلاقة مع كلٍ من حزب الله وحركة حماس. وبالتالي فإن متغير الموقف من إسرائيل، وإن كان عامل تفريق بين مشائي ونجاد، فإنه قد لا يكون ذا معنى إذا علمنا أن نجاد يوظف عداءه لإسرائيل في خلق شعبية له بين الإيرانيين.

وصفوة القول في هذا الخصوص هي أن الانتقاد الحاد لمشائي وعلاقته بنجاد مبعثه الخوف من وجود ملامح متبلورة لمشروع نظام سياسي جديد للجمهورية الإسلامية في ذهن الرجلين، والحذر من أن يقف نجاد وراء ترشح مشائي لرئاسة الجمهورية في عام 2013، ويدعمه بكل ما أوتي من قوة ليضمن لنفسه موقعاً أشبه بموقع بوتين في ظل حكم ميدفيدف. وبطبيعة الحال فإن هذا الأمر ليس يسيراً ويحتاج إلى أن يُحاط نجاد في المرحلة الحالية بمؤيديه، سواء في الحكومة أو في مجلس الشورى، عندما تُجرى الانتخابات البرلمانية في العام المقبل، كما أنه يتوقف على درجة تماسك الحرس الثوري فيما يخص دعم المرشد، هذا بخلاف شكل التفاعل بين النظام والحركة الخضراء.

الملاحظة الرابعة أنه نظراً لأن صراع نجاد/ خامنئي هو صراع على جوهرالنظام وليس على تفاصيل سياساته، فإن الجميع يلجأ إلى التصعيد واستعراض القوة، فنجاد يماطل في إطاعة أوامر المرشد ويلجأ إلى الاعتكاف السياسي عندما يرفض خامنئي إقالة حيدر مصلحي في  أول سابقة من نوعها في الممارسة السياسية. وخامنئي يتمسك بموقفه ويخلع عليه أنصاره صفات فذة، بل إن شخصاً في رزانة خاتمي وجدناه يشن هجوماً عنيفاً على نجاد فيشبهه ومن معه بالخوارج الذين قتلوا "الإمام علي".

وفي التحليل الأخير فإن الشهور المتبقية من حكم نجاد ستظل حبلى بأسباب الصراع والمواجهة والتنافس على تشكيل الساحة السياسية الإيرانية في مرحلة هي أصعب ما تكون للأسباب التي سبق ذكرها، ولحالة عدم الاستقرار في مجمل الإطار الإقليمي العربي، فضلاً عن تأثيرات العقوبات على إيران واتجاهات تطور ملفها النووي.

Share