هل يتداعى الجدار بين العرب والأكراد؟

  • 5 أغسطس 2010

في ملاحظة ذات دلالة، ذكرت بعض التقارير الصحفية أن الشوارع في إقليم كردستان، التي شهدت حملة تكريد واسعة بعد عام 1991، لا تجد مكاناً فيها للغة العربية، ولا تجد من يتحدث بها إلا بصعوبة كبيرة. علاوة على ذلك، أشار رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان، فؤاد حسين، مؤخراً إلى جدار كان قائماً بين الدول العربية والإقليم. فهل تغير الوضع الآن؟

لا توجد إجابة قاطعة عن هذا السؤال. ولكن يمكن النظر إلى زيارات مسعود البارزاني، رئيس إقليم كردستان، إلى كلٍ من السعودية ولبنان والأردن ومصر ومقر الجامعة العربية (بين أبريل ويوليو 2010) على أنها تشكل تطوراً مهماً في العلاقات العربية للإقليم. ففي السعودية، قلده العاهل السعودي قلادة الملك عبد العزيز من الطبقة الأولى، والتي لا تعطى إلا لقادة الدول. وفي لبنان، استقبله على أرض المطار رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، وأجريت له مراسم استقبال بروتوكولية كما تُجرى لرؤساء الدول، واعداً إياه برد الزيارة قريباً. وفي الأردن ومصر، اجتمع البارزاني مع قادة الدولتين، اللذين قررا فتح قنصلية لكل منهما في أربيل. كما تبرأ القائد الكردي في مقر جامعة الدول العربية من أية روابط بين حكومته وإسرائيل، وأعلن، بُعيد اجتماعه مع الأمين العام وعدد من ممثلي الدول العربية في الجامعة، استعداده لاستضافة القمة العربية المقبلة في حال تعذر عقدها في بغداد. وفي كل من محطاته الخمس، توقف البارزاني قليلاً أو طويلاً ليتباحث مع مستقبليه حول الوضع العراقي، والدور الكردي، والعامل الإقليمي، وآفاق التجارة والاستثمار مع "العراق الآخر".

ومن المؤشرات الأخرى المهمة في هذا الخصوص، قيام برهم صالح، رئيس حكومة إقليم كردستان، بزيارة رسمية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في فبراير 2010، أتبعتها سمو الشيخة لبنى القاسمي، وزيرة التجارة الخارجية، بزيارة مقابلة على رأس وفد تجاري واستثماري كبير إلى الإقليم في مايو 2010. وكان سمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي، ولي عهد إمارة رأس الخيمة، قد قام بزيارة إلى إقليم كردستان في إبريل 2010؛ لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية في مجالات النفط والكهرباء والزراعة والصناعة والنقل.

علاوة على ذلك، استقبل المسؤولون الأكراد في يوليو الفائت، وفداً من وزارتي الخارجية والاستثمار المصريتين؛ بهدف التباحث حول كيفية تعزيز وتوسيع دائرة العلاقات الثنائية في المجالات التجارية والاستثمارية المختلفة. كما قام وزير التربية والتعليم العالي اللبناني بزيارة رسمية إلى الإقليم، في مايو الماضي، على رأس وفد تربوي لبناني، وأعلن عن استعداد حكومته لتقديم المساعدات الممكنة لتطوير جامعات الإقليم. كما يقوم بعض السفراء العرب، ولاسيما من الكويت ومصر والإمارات، بزيارات إلى أربيل، ويجتمعون مع القادة الأكراد.

وفيما يبدو أنه إرهاصات توجه لمأسسة العلاقات العربية مع إقليم كردستان، تم إبرام عدة اتفاقيات تجارية وغير تجارية، سواء في صورة مذكرات تفاهم أو بروتوكولات تعاون أو عقود، بين الإقليم وبعض الدول العربية، وهي قطر والإمارات ولبنان ومصر، في مجالات تطوير البنية التحتية والتنمية الزراعية والسياحة والتدريب والنقل والطيران والتعليم والنفط والغاز في الإقليم وغيرها. كما قررت خمس دول عربية، هي قطر ولبنان ودولة الإمارات والأردن ومصر، افتتاح قنصليات لها في الإقليم. كما طلبت حكومة كردستان إلى الكويت فتح قنصلية لها في أربيل. يذكر أن العاصمة الكردية تستضيف نحو 18 ممثلية لدول أجنبية، ما بين مكاتب إقليمية للسفارات وقنصليات عامة وفخرية ومكاتب تجارية، مع غياب ممثلي الدول العربية عن الوجود في الإقليم. وقد أشاد بعض المراقبين بهذا التطور؛ كونه يؤسس للوجود العربي الدائم في كردستان، ويمهد للتواصل الدائم بين الإقليم وهذه الدول العربية، ويواجه أو يوازن، على الأقل، تغلغل دول الجوار في شمالي العراق. غير أن بعضهم الآخر يتخوف من التأثيرات السلبية لافتتاح ممثليات دبلوماسية عربية في الإقليم لجهة دعم الطموحات الاستقلالية للأكراد العراقيين، وتكريس خصوصية المناطق الكردية على حساب العراق العربي الكبير. ولذلك عبروا عن رفضهم لهذا التطور. ولطمأنة هذه المخاوف، أعلنت مصر والأردن أنهم سيفتتحون قنصلية أخرى في البصرة.

وعلى الرغم من وجود 15 ممثلية كردية، ما بين قنصليات ومكاتب حكومية وتجارية، في أربع قارات مختلفة، لا تحتفظ حكومة الإقليم سوى بواحدة في دولة عربية، هي دولة الإمارات، وإن كانت قطر قد وافقت على فتح مكتب للإقليم بها العام الماضي من دون حدوث تقدم في الموضوع منذئذ. وثمة تطور إيجابي آخر في العلاقات العربية بكردستان، ففي الفترة من أغسطس 2008 إلى يوليو 2010، وحسب إحصاءات هيئة استثمار إقليم كردستان، بلغ حجم الاستثمار العربي نحو 74% من مجمل الاستثمارات الأجنبية في الإقليم (نحو 3.6 مليار دولار). وهناك أربع دول مسؤولة حصرياً عن هذه الاستثمارات، هي الكويت ولبنان ومصر والأردن، على الترتيب، فيما أعلنت دولة الإمارات نيتها لتوسيع حجم تبادلاتها التجارية مع الإقليم. فخلال زيارتها السالفة الذكر، عبرت لبنى القاسمي عن أملها في أن تصبح الإمارات الدولة الأولى في مجالي الاستثمار والتجارة مع أربيل، كما كشف المدير العام لوزارة التجارة في دولة الإمارات، عبدالله الصالح، أمام مؤتمر التجارة والاستثمار في كردستان، الذي انعقد بلندن في يونيو 2010، عن سعي الشركات الإماراتية إلى استثمار ثلاثة مليارات دولار بحلول نهاية العام الحالي، تصل إلى ستة مليارات خلال سنوات قليلة.

ومن أجل تشجيع الاستثمارات العربية والأجنبية، اعتمدت الحكومة الكردية حملة مؤداها أن إقليم كردستان هو "العراق الآخر" المستقر أمنياً وسياسياً والمحفز للاستثمار، كما أنه بوابة الدخول إلى سائر العراق.

وبالرغم من التطورات الإيجابية التي بدأت تشهدها العلاقات العربية- الكردية مؤخراً، فإن هناك مشكلات قد تعوق تقدم هذه العلاقات مع بعض الدول العربية. ومن بين هذه المشكلات، إلى جانب الخوف من تعزيز استقلالية الإقليم وما يمثله ذلك من تهديد محتمل لوحدة الأراضي العراقية، "سياسة الشتات" Diaspora Politics التي تنتهجها الحكومة الكردية تجاه دول المنطقة؛ أي إقامة علاقات ونسج روابط مع الأقليات والجاليات الكردية في هذه الأقطار، والتي تتسبب أحياناً في حدوث تفاعلات صراعية بين إقليم كردستان وبعض الدول العربية، ولاسيما تلك التي توجد بها أقليات كردية مثل سورية ولبنان. ففي مقابلته مع قناة العربية، في يونيو 2006، صرح رئيس الإقليم بأنه على الرغم من أن حكومة كردستان ترغب "في أن تكون علاقاتنا مع الجيران علاقات صداقة وتعاون في جميع المجالات"، ومبنية على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإنها تقف "مع حقوق الشعب الكردي في تركيا وإيران وفي أي منطقة أخرى"، وترفض "بشكل قاطع أي سياسة إنكار وتجاهل واضطهاد" لحقوق الأكراد. وهذا أمر، بلا شك، يثير حفيظة الدول العربية التي توجد بها أقليات كردية، ولاسيما سوريا؛ حيث دأبت حكومة كردستان على انتقاد تعاملها مع أقليتها الكردية. وفي زيارته الأخيرة للبنان، التقى البارزاني عدداً من ممثلي أكراد لبنان، ودعاهم إلى الوحدة، ووعدهم بتقديم مساعدات إليهم، والسعي لدى الحكومة اللبنانية لتحقيق مطالبهم، وفي مقدمتها تمثيلهم في الوظائف العامة، وإنشاء مراكز لتعليم اللغة الكردية.

وعلى الرغم من ذلك، فإن ثمة اقتناعاً متزايداً في الأوساط العربية بأن هناك ضرورة لتطوير العلاقات العربية مع إقليم كردستان إذا أراد العرب أن يكون لهم دور فاعل في العراق. وفي الحقيقة، فإن تطوير هذه العلاقات من شأنه أن يحقق أكثر من فائدة للجانب العربي، أولها- تهدئة التوتر في العلاقات الحكومية البينية بين بغداد وأربيل، والتي تٌعزى إلى وجود مشكلات، بعضها بالغ التعقيد، بين الطرفين، تتعلق بشكل الدولة العراقية (أمركزية أكثر كما تريد بغداد، أم فيدرالية مرنة تدافع عنها أربيل؟)، ومشروع دستور كردستان الذي ترفضه بغداد، وميزانية الإقليم التي تطالب أربيل بزيادتها، وقانون النفط والغاز الذي لن يصدّر قبل حسم معضلة من له حق التصرف في المصادر الطبيعية: المركز أم الأقاليم، ومصير محافظة كركوك وغيرها من "المناطق المتنازع عليها"، ووضع البشمركة الكردية. ثانيها- نزع فتيل انفجار صراع عربي-كردي محتمل في شمالي العراق، تتوافر له العناصر الثلاثة الأساسية المكونة لأي صراع دولي أو داخلي، وهي السياسة والأرض والثروة، ويزيد عليها عنصر الهوية القومية، ويفاقم من خطورتها أن طرفيه مسلحان بكثافة، ومدعومان بواسطة جماهير محتقنة طائفياً. وليس هناك حاجة إلى توضيح خطورة هذا الصراع على وحدة العراق وتكامله الإقليمي، وبأنه قد يؤدي، في أسوأ احتمالاته، إلى حرب أهلية بين العرب والأكراد، ولاسيما بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق. ثالثها- تعزيز التوجه القومي الجديد لدى أعضاء في النخبة السياسية الكردية بخصوص قضية الاندماج الوطني في العراق. حيث يظن البعض أن قسماً مهماً من هذه النخبة أعاد تعريف أهداف الحركة القومية الكردية وتوجهاتها واستراتيجياتها في ضوء التغيرات الدولية منذ أواخر الثمانينيات من القرن العشرين بصفة عامة والعولمة بصفة خاصة. ومن ثم، حدث تغيير أساسي في الخطاب السياسي لجزء من النخبة السياسية. 

بعبارة محددة، بات هؤلاء مدركين حدود نهج الاستقلال بالمفهوم التقليدي (أي تكوين دولة جديدة) بالنسبة للأمة الكردية والمعوقات الموضوعة عليه، ومن ثم بدؤوا يناضلون من أجل تحقيق أهداف أخرى، مثل المشاركة في السيادة Sovereignty Association، أو تعظيم نطاق ومستوى الاستقلال الإقليمي Regional Autonomy، والسعي لنيل الاعتراف بأنها- أي الحركة القومية- تمثل أمة (وإن كانت بلا دولة) متميزة عن غيرها، ولاسيما الأمة التي تمثلها الدولة التي هي جزء منها. رابعها- دعم التوجه العربي لحكومة كردستان الإقليمية. في هذا الصدد، يرى بعض المحللين أن مواجهة التغلغل الإسرائيلي في كردستان العراقية، والذي يتخذ صوراً وأشكالاً عدة، سياسية واقتصادية وعسكرية واستخباراتية، يتطلب وجوداً عربياً في الإقليم، وتنمية العلاقات مع حكومته. ومن المؤشرات الإيجابية تأكيد رئيس حكومة الإقليم، برهم صالح، في أواخر الشهر الماضي، أن حكومته لديها برنامج طموح في الانفتاح على الدول العربية والإقليمية، الأمر الذي يمهد لمرحلة جديدة من العلاقات الإيجابية البناءة بين الطرفين.

Share