هل نشهد ولادة دولة تركية جديدة؟

د. عماد حرب: هل نشهد ولادة دولة تركية جديدة؟

  • 23 أبريل 2008

مرة ثانية تتصدر الخلافات الداخلية بين القوى العلمانية والتيار الديني في تركيا عناوين الأخبار، وتتجسد آخر تجليات هذه الخلافات في محاولة المدعي العام التركي سحب رخصة حزب العدالة والتنمية الحاكم، ومنع 71 من أعضائه في البرلمان، بمن فيهم رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان، من ممارسة السياسة. وبعد الأزمة الطويلة التي شهدتها تركيا العام الماضي حول انتخاب وزير الخارجية وقتها عبد الله غول رئيساً للجمهورية، يشي الانقسام الحالي في الجسد السياسي التركي بتطورات على قدر كبير من الأهمية. وتحديداً، يظهر الخلاف الحالي بين الفريقين على أنه علامة أخرى من علامات مخاض دولة تركية جديدة قد تستطيع أخيراً أن تجمع بين الرأي العام الشعبي وميوله الحقيقية وبين سيادة القانون التي يجب أن تكون قاعدة السياسة الداخلية في آسيا الصغرى.

لقد تقدمت العلمانية على الدين في تركيا منذ ولادة الدولة (الجمهورية) الحديثة على يد مصطفى كمال (أتاتورك) عام 1924، ولا يزال قسط لا يستهان به من الشعب التركي (هناك من يقول إنهم الأغلبية) يعتقد أن الطريق الأمثل للوصول إلى تركيا الحديثة هو العقلانية. ودائماً ما ظنت النخبة التركية أن رحلة الانضمام الطويلة إلى الاتحاد الأوروبي يجب أن تبدأ بالتخلص من قرون من الهوية الإسلامية المدعومة من دولة دينية وهي الإمبراطورية العثمانية، وباتباع سياسة رأسمالية منفتحة، وبانفتاح غير محدود على العقلية والعادات الغربية. وكان التحالف بين المؤسستين العسكرية والبيروقراطية، والذي كان مدعوماً من المفكرين المؤمنين بالغرب، قد عمل طوال عقود على مراقبة الأحزاب ذات الطابع الديني وقام بإلغائها عندما وجدها. وهكذا، أصبحت العلمانية هي عقيدة الدولة بلا منازع حتى تسعينيات القرن الماضي عندما نجح حزب الرفاه بزعامة نجم الدين أربكان عام 1995 في الفوز بأكبر عدد من مقاعد البرلمان (وليس الأكثرية) ليدخل في تحالف حاكم مع حزب الطريق القويم الوسطي.

عند ذاك بدأ التحالف العسكري-العلماني يشعر بأن دولته بدأت بالتغير؛ حيث شرع أربكان، عندما أصبح رئيساً للوزراء عام 1996، بالتكلم عن أجندة إسلامية تهدد سيطرة العلمانيين في المسائل السياسية الداخلية والخارجية والقضايا الاقتصادية والاجتماعية، وبدأ الإسلاميون الأتراك يفرضون أنفسهم بعد أن كانوا مهمشين من قبل الدولة ونخبتها. في النهاية، انتهى خلاف أربكان مع العلمانيين والعسكريين عام 1997 بتنحيته عن منصبه، وقامت المحكمة الدستورية العليا بسحب رخصة حزبه وبإبعاده عن العمل السياسي لمدة خمس سنوات.

وفي عام 2002، حمل حزب العدالة والتنمية راية النضال الإسلامي غير المتطرف، ونجح في الحصول على عدد كاف من المقاعد في البرلمان لتشكيل حكومة مستقلة عن أي تأثير من الأحزاب الأخرى. ولكن الحزب بزعامة أردوغان وغول اختار الطريق الأقل تحدياً، وأعلن أنه ليس لديه أية أجندة لتغيير المجتمع التركي أو تغيير طبيعة الدولة العلمانية، كما أعلن التزامه بالديمقراطية المعبر عنها من خلال صناديق الاقتراع. والأهم من ذلك أن الحزب امتنع عن تحدي ومعاداة العسكريين والبيروقراطية والنخبة. وفي المجال الاقتصادي، اتبع الحزب سياسة تشجيع الاستثمار والتجارة ودعم التصنيع، فيما سمحت علاقاته الجيدة مع رأسماليي الأناضول، أو ما يُعرف بـ"نمور الأناضول"، بأن يحصل على تأييد شريحة واسعة من الطبقة الوسطى، وأن يصبح بالتالي وبحق راعياً للتطوير الاقتصادي والسياسي. وعندما حان وقت الانتخابات البرلمانية لعام 2007، والتي فاز فيها بـ341 مقعداً من أصل 550، كان الحزب قد أصبح مثلاً يحتذى للأحزاب الإسلامية الديمقراطية الحديثة والمعتدلة في العالم الإسلامي.

ولكن عام 2007 كان أيضاً عام تجديد المؤسسة الرئاسية بعد انتهاء ولاية الرئيس العلماني أحمد نجدت سيزار، والذي كان يخشى، هو والمؤسسة العسكرية، أن يقوم أردوغان بترشيح نفسه لمنصب الرئيس كما كان متوقعاً. ولكن أردوغان اختار لهذا المنصب وزير خارجيته عبد الله غول المحبوب شعبياً وأوروبياً. ورغم معارضة وتهديد المؤسسة العسكرية ومقاطعة الأحزاب العلمانية الأخرى لجلسة الانتخاب وإلغاء نتائجها من قبل المحكمة الدستورية التي يسيطر عليها العلمانيون، نجح غول في أن يصبح رئيساً. ومع النجاح في الانتخابات البرلمانية، جاء انتخاب غول ليضع حزب العدالة والتنمية في مقعد القيادة في السياسة التركية وفي وضع يسمح له بالسيطرة الكاملة على الدولة.

ولكن يبقى هناك على الأقل موقعان أساسيان في المؤسسات الدستورية لايزال يسيطر عليهما العلمانيون، وهما لا يخضعان لإرادة الشعب وصناديق الاقتراع؛ الأول: هو بالطبع المؤسسة العسكرية التي تعتبر نفسها، بحسب دستور عام 1982 الذي كتب أثناء الحكم العسكري، الحامية الأولى للوطن والدولة والعلمانية، وقد تدخلت هذه المؤسسة في الحياة السياسية في أربع مناسبات على الأقل (1960، 1971، 1980، 1997)، ويمكن أن تتدخل ثانية، حسب ظن بعض المراقبين، إذا ما رأت أن ثمة تهديداً لعلمانية الدولة. أما الموقع الآخر، فهو المحكمة الدستورية العليا التي عين أغلبية أعضائها العلمانيين الرئيس السابق سيزار. وإلى جانب البيروقراطية الساخطة، التي يعبر عنها المدعي العام، قد تحاول المحكمة أن تنزع البساط من تحت أقدام الحزب، وأن تحرم الممثل الأفضل للإسلام المعتدل من فرصة يبرهن فيها على نجاحه واعتداله. وللعساكر والقضاة ثقلهم المؤسسي، بل إن العسكر لديهم أيضاً قوة السلاح للتخلص من المدنيين إذا شاؤوا. ولكن تبقى المؤسستان غير منتخبتين، وليس لهما مرجع شعبي من خلال صناديق الاقتراع.

لا أحد يستطيع أن يتنبأ باتجاه سير الأحداث على وجه اليقين؛ فقد يشعر حزب العدالة والتنمية بأنه قوي بشكل كاف كي يقوم بأعمال لا تحمد عقباها كإرغام العلمانيين على القبول بتغييرات سياسية ومؤسسية واجتماعية لا يؤمنون بها. وقد تشعر المؤسسة العسكرية بإمكانية التدخل في السياسة متذرعة بحماية الدولة من الفوضى. وقد تقرر المحكمة الدستورية سحب رخصة حزب العدالة والتنمية كما فعلت أيام أربكان. ولكن يبقى السؤال الأهم وهو: هل يمكن لأي من هذه السيناريوهات أن يحصل في وقت يدعو فيه الجميع تقريباً وبصوت عال إلى العمل الحثيث للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وإنهاء الرحلة التي بدأت منذ عقود؟

من ناحية أخرى، من الممكن جداً بسبب النجاحات السياسية والاقتصادية التي حققها حزب العدالة والتنمية، والثقة الشعبية التي يحظى بها، والتي ظهرت في جولتين انتخابيتين متتاليتين، أن تقتنع القوى العلمانية في النهاية بأن تسمح للعبة الديمقراطية بأن تأخذ مجراها الطبيعي، وإذا حصل هذا، فقد يكون ما نراه اليوم بداية مخاض لدولة تركية جديدة تكون مؤسساتها نتاجاً للإرادة الجماعية لشعبها بدل أن تبقى نسخة عن سياسات قديمة ونخبة ساخطة. ودولة كهذه قد تصبح مثالاً يحتذى لمجموعة من الدول الإسلامية التي تحاول أن تعقلن سياساتها ومؤسساتها من خلال إيجاد حل مقبول يجمع بين إسلام حديث ومعتدل ومتطلبات العولمة الكثيرة.

Share