هل سيعود بوتين حقاً إلى الكرملين عام 2024؟

  • 9 يوليو 2020

قال ديمتري أليكسندر سايمز، في مقاله المنشور في «ذا ناشونال إنترست»، إن الرئيس فلاديمير بوتين يتمتع الآن بالحق القانوني في البقاء في السلطة حتى عام 2036، بعد أن صوّتت أغلبية كبيرة من الروس لصالح الإصلاحات الدستورية المدعومة من الكرملين، ولكن السؤال المطروح هو: هل سيترشح بوتين بالفعل في الانتخابات المقبلة عام 2024؟

خلال استفتاء وطني دام أسبوعاً، صوّت الروس على حزمة من التعديلات الدستورية التي تضمّنت بنداً لإعادة تحديد فترة ولاية الرئيس فلاديمير بوتين؛ ما سيسمح له بولايتين إضافيتين لمدة 6 سنوات، بعد انتهاء فترة رئاسته الحالية في عام 2024. وتولى بوتين بشكل شبه مستمر منصب رئيس روسيا منذ عام 2000، باستثناء الفترة من 2008 إلى 2012، عندما شغل منصب رئيس الوزراء في ظل خليفته، الذي اختاره، دميتري ميدفيديف.

وشملت التعديلات البارزة الأخرى حظر كبار المسؤولين الذين يحملون الجنسية الأجنبية، وحظر «مصادرة» الأراضي الروسية، وبنداً يعرّف الزواج بأنه بين رجل وامرأة. كما كرس الدستور بعد تعديله «الحقوق الاجتماعية»، مثل الضمانات بأن الحد الأدنى للأجور سيتجاوز الحد الأدنى من الدخل المعيشي، وتعديل المعاشات وفقاً للتضخم.

وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية الروسية، يوم الخميس الماضي، أن 77.9 في المئة من الناخبين أيدوا التعديلات المقترحة، بينما عارضها 21.3 في المئة. وقد أفادت التقارير بأن إقبال الناخبين على الاستفتاء كان بنسبة 65 في المئة.

وبعد فوز الكرملين، تتجه الأنظار إلى مستقبل بوتين السياسي. وعلى الرغم من أن بوتين لديه الآن الحق القانوني في الترشح لفترتين إضافيتين، فإن بعض المطلعين السياسيين والخبراء الروس ليسوا مقتنعين تماماً بأنه سيختار القيام بذلك.

يقول أليكسي تشيسناكوف، المحلل السياسي الذي عمل سابقاً مساعداً في الكرملين، لـــ «ذا ناشونال إنترست» إن خطط بوتين المستقبلية لا تزال غير واضحة، ومن المرجح أن الرئيس الروسي يرغب في الاحتفاظ بالأمور كما هي.

وقال تشيسناكوف: «لدى الصينيين مفهوم يُعرف بـ«التنين في الضباب»؛ لاعب قوي في مساحة غير واضحة يمكنه ضرب منافسيه في أي لحظة من زاوية غير متوقعة. وهذه الصورة تقدم تفسيراً جيداً للمنطق وراء سلوك بوتين؛ فهو يودّ أن يبقى «تنيناً في الضباب» حتى نهاية فترة رئاسته». وأوضح تشيسناكوف أن بوتين لا يريد أن تقضي النخبة السياسية الروسية السنوات العديدة القادمة في محاولة لكسب ودّ الخلفاء المحتملين بدلاً من «العمل من أجل الاستقرار». إن إبقاء إمكانية الترشح مرة أخرى في عام 2024 مفتوحة سيساعد على إحباط مثل هذه المناورة. وقال تشيسناكوف إن إعادة تحديد مدة الفترة الرئاسية سيرسل إشارة إلى الزعماء الأجانب بأن بوتين يشعر بالثقة بشأن قدرته على البقاء رئيساً لروسيا خلال العقد المقبل على الأقل. ولكن هناك سبباً آخر محتملاً وراء قرار بوتين الدفع باتجاه دستور جديد؛ يتمثل في الرغبة في تأمين إرثه.

وأضاف تشيسناكوف: «إذا تم النظر إلى هذا القرار بشكل استراتيجي، فلا شك في أن بوتين لم يرغب في منح نفسه فرصة للترشح مرة أخرى فحسب، بل إجراء تغييرات، أيضاً، من شأنها تثبيت خطابه الأيديولوجي والسياسي في النظام السياسي الروسي».

وإذا قرر بوتين العودة إلى الكرملين عام 2024، فسيكون قادراً على ممارسة سلطة أكبر كرئيس. فقد عززت التعديلات الدستورية، التي اعتُمدت يوم الخميس الماضي، نفوذ الرئيس على القضاء. وعلى سبيل المثال، لم يعد الرئيس بحاجة إلى الحصول على موافقة مجلس الاتحاد، المجلس الأعلى للبرلمان الروسي، في تعيين أو إقالة المدعي العام. ويتمتع الرئيس أيضاً الآن بالقدرة على اقتراح أن يقيل مجلس الاتحاد كبار القضاة، في حين أنه بموجب الدستور القديم، كان يمكن فقط للقضاة الآخرين تقديم هذه التوصية.

وفي الوقت نفسه، يحق للرئيس الآن تعيين ما يصل إلى 30 عضواً في مجلس الاتحاد، بما في ذلك 7 منهم يتم تعيينهم مدى الحياة. وقد كان يُسمح للرئيس سابقاً بتعيين ما يصل إلى 17 عضواً، ولم يكن تعيين أي منهم مدى الحياة. بالإضافة إلى ذلك، عند ترك منصبه، يحق للرئيس نفسه، الآن، أن يصبح عضواً في مجلس الشيوخ مدى الحياة.

وقد اكتسب البرلمان سلطات جديدة؛ ذلك أن مجلس الدوما، مجلس النواب في البرلمان الروسي، لديه الآن القدرة على تأكيد أو رفض المرشحين لمنصب رئيس الوزراء، وغيره من المناصب الوزارية الرئيسية. ومع ذلك، يجادل بعض الخبراء السياسيين بأن هذه التغييرات ليست ذات أهمية كبيرة في الواقع العملي.

وقالت تاتيانا ستانوفايا، مؤسِّسة مركز «آر بوليتيك» للتحليل: «إذا نظرنا إلى جوهر هذه الإصلاحات، فإن الرئاسة تصبح المؤسَّسة المسيطرة، في حين أن السلطات الجديدة الممنوحة للبرلمان هامشية وغير حاسمة، وبمجمل الأمر لا توفر له أي نفوذ».

وأشارت ستانوفايا إلى أنه منح مجلس الدوما الموافقة للوزراء، ولكن إذا فشل مجلس النواب في تأكيد مرشحي الحكومة 3 مرات، فإن الرئيس بموجب الدستور الجديد له الحق في تعيينهم بنفسه.

وقد كان من المقرر أن يتم الاستفتاء في 22 إبريل الماضي، إلا أن جائحة فيروس كورونا أجبرت الكرملين على تأجيل التصويت. ومع أن روسيا تمكنت في بداية الأمر من احتواء انتشار المرض، إلا أنها برزت فيما بعد بؤرة عدوى عالمية، مع وجود 661165 حالة إصابة مؤكدة، حتى يوم الخميس الماضي، وذلك وفقاً لقاعدة بيانات جامعة جونز هوبكنز.

وكذلك، وجه فيروس كورونا ضربة إلى الآفاق الاقتصادية لروسيا، حيث حذر أليكسي كودرين، رئيس ديوان المحاسبة الروسي (هيئة الرقابة والتفتيش المالية)، من أن عدد العاطلين عن العمل في روسيا قد يتضاعف 3 مرات مع نهاية هذا العام، من 2.5 مليون إلى 8 ملايين.

وأدى اجتماع الجائحة والمتاعب الاقتصادية إلى إضعاف شعبية بوتين قبل الاستفتاء. ففي إبريل الماضي، انخفض معدل شعبية بوتين إلى 59 في المئة، وهو أدنى مستوى له منذ عام 1999، وفقاً لاستطلاع نشره مركز ليفادا المستقلّ. ومعدلات شعبية الرئيس الروسي في انخفاض مستمر على مدى السنوات العديدة الماضية بسبب تزايد خيبة الأمل الاقتصادية.

ولكن حتى على هذه الخلفية، فشلت المعارضة في توليد أي زخم كبير ضد الإصلاحات الدستورية المقترحة من الكرملين. وعلى الرغم من أن اقتراح إعادة تحديد فترة ولاية بوتين أثار جدلاً، فإن الضمانات الاجتماعية الجديدة للدستور الجديد حظيت بدعم واسع النطاق من الجمهور الروسي. كما أن المعارضة لم تتمكن أبداً من تشكيل استراتيجية متماسكة لمعارضة التعديلات الجديدة.

وقال دينيس فولكوف، نائب مدير مركز ليفادا: «نرى أن المعسكر المؤيد للحكومة كانت لديه استراتيجية واحدة، وهي الخروج للتصويت على التعديلات. ولكن بين معسكرات المعارضة، حارب البعض من أجل المقاطعة الصارمة للاستفتاء، ودافع آخرون عن التصويت ضد الدستور الجديد، واقترح البعض الآخر حزمة بديلة من التعديلات. هذا الانقسام التامّ في صفوف المعارضة سمح للنظام بتحقيق النتيجة المطلوبة».

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات