هل سيتم تسليم البشير بالفعل إلى المحكمة الجنائية الدولية؟

  • 15 فبراير 2020

أثار إعلان الحكومة الانتقالية في السودان عزمها تقديم الرئيس المعزول عمر البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية جدلاً كبيراً بشأن احتمالات مثول البشير بالفعل أمام المحكمة. ومما لا شك فيه أن هدف الحكومة من وراء هذا الإعلان الذي جاء بشكل مفاجئ، هو تحقيق حزمة من المكاسب داخلياً وخارجياً.
أعلنت الحكومة الانتقالية في السودان الأسبوع الماضي أن الخرطوم اتخذت قراراً بتقديم الرئيس السابق عمر البشير ومتهمين آخرين إلى المحكمة الجنائية الدولية، على خلفية اتهامهم بجرائم حرب في دارفور. وأوضحت مصادر حكومية أنه كجزء من الاتفاق المبرم بين الحكومة وحركة المتمردين، وافق المجلس السيادي على تسليم أحمد هارون (وزير الداخلية الأسبق) وعبدالرحيم محمد حسين، قائد الجنجويد المعروف باسم علي قشيب.
وفي أعقاب محادثات، عُقدت يوم الثلاثاء الماضي، بين وفد الحكومة الانتقالية برئاسة عضو مجلس السيادة الانتقالي محمد حسن التعايشي وقيادات مسار دارفور، بحضور توت قلواك رئيس فريق الوساطة الجنوبية ومستشار الرئيس سلفا كير للشؤون الأمنية، قال التعايشي، في بيان، إنه تم «الاتفاق حول أربع آليات رئيسية لتحقيق العدالة في دارفور، تتمثل في مثول الذين صدرت بحقهم أوامر القبض أمام المحكمة الجنائية الدولية، وآلية المحكمة الخاصة بجرائم دارفور، وهي محكمة خاصة منوط بها تحقيق وإجراء محاكمات في القضايا، بما في ذلك قضايا المحكمة الجنائية الدولية، وآلية العدالة التقليدية، وآلية القضايا ذات العلاقة بالعدالة والمصالحة».
وفي الواقع، فإن هذه الخطوة التي قامت بها الحكومة الانتقالية السودانية بإعلان تقديم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية، إنما جاءت في سياق ظروف معينة، وتهدف الحكومة من خلالها إلى تحقيق حزمة من المكاسب، وذلك على النحو التالي:
– هناك رغبة محمومة من قبل الخرطوم في الانفتاح على المجتمع الدولي، ورفع اسم السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، وتفادي الضغوط الدولية التي يواجها السودان، التي تمثل تركة ثقيلة من موروث النظام السابق، حيث اعتمد مجلس الأمن الدولي بالإجماع، الأسبوع الماضي، قراراً أمريكياً بتمديد ولاية فريق الخبراء المعني بالعقوبات الدولية المفروضة على السودان، حتى 12 مارس من العام المقبل.
– يندرج إعلان الحكومة الانتقالية في السودان تقديم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية في سياق المناخ السياسي الذي تعيشه البلاد في مرحلة ما بعد الثورة الشعبية التي أطاحت نظام البشير، حيث يعيش السودان حالياً في ظل مناخ داعم لفكرة الحقوق والحريات، ويسعى النظام الجديد إلى إعمال العدالة الانتقالية. وفي هذا الصدد، قال المتحدث باسم الحكومة، وزير الإعلام فيصل محمد صالح: «لا يمكن تحقيق تقدم أو الحديث عن صناعة السلام وبنائه من دون تحقيق عدالة، وطالما هناك جرائم ارتُكبت في دارفور، فإنه يجب بذل كل الجهود لتحقيق العدالة، وهذا شرط أساسي للتعافي والتصافي».
– كما يندرج إعلان الحكومة الانتقالية تقديم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية في سياق رغبتها في تدشين عهد جديد من المصالحة الوطنية وحل أزمة دارفور، التي تطالب الحركات الناشطة فيها بتسليم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمته على ما ارتكبه من جرائم في الإقليم، وتصر هذه الحركات على موقفها، ويبدو أن هذا الإصرار كان وراء هذا الإعلان الذي جاء بشكل مفاجئ، ومناقضاً لتصريحات أدلى بها الفريق أول عبدالفتاح البرهان، رئيس المجلس السيادي، الذي قال سابقاً إن الخرطوم لن تسلم البشير إلى المحكمة المذكورة، وإن محاكمته ستتم داخل البلاد؛ لأن القضاء السوداني مؤهل وقادر على ذلك، بحسب قوله. وتسعى الحكومة الانتقالية التي تدير السودان مع الجيش في فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات إلى إقرار السلام مع متمردي دارفور، وغيرها من المناطق المهمّشة التي حاربت حكومة البشير على مدى سنوات.
ويواجه البشير خمسة اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية؛ منها القتل والترحيل القسري والإبادة والتعذيب والاغتصاب، واتهامين بارتكاب جرائم حرب لشن هجمات على مدنيين، وثلاثة اتهامات بالإبادة الجماعية بسبب القتل، وتهيئة الظروف لتدمير الفئة المستهدفة، ويفترض أنه ارتكبها بين عامي 2003 و2008 في دارفور.
وبطبيعة الحال، فقد رحبت منظمة العفو الدولية، بإعلان تسليم البشير، وقالت إنها خطوة ضرورية لتحقيق العدالة للضحايا وعائلاتهم. وأكدت جولي فيرهار، القائمة بأعمال السكرتير العام للمنظمة، في بيان: «يجب على السلطات السودانية ترجمة هذه الأقوال إلى أفعال، وتسليم البشير وغيره من الأفراد فوراً بموجب مذكرة الجلب الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية».
جدل كبير
يثير قرار تسليم البشير جدلاً كبيراً على مستويات عدة، كونه يمثل سابقة فريدة من نوعها، حيث إنها المرة الأولى التي قد يمثُل فيها رئيس عربي أمام المحكمة الجنائية الدولية، ويرى البعض أن ذلك يجب ألا يحدث كون المحكمة، برأيهم، مسيسة، ولأن عمر البشير هو في نهاية الأمر مواطن سوداني ويجب أن يحاكم من قِبل القضاء السوداني. وفي هذا الصدد، أكد محامي البشير، محمد الحسن الأمين، أن موكله يرفض التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية لاعتباره إياها «محكمة سياسية»، وأن القضاء السوداني بمقدوره التعامل مع أي قضية. وقال الأمين في تصريحات لوكالة «رويترز»: «نرفض دخول المحكمة الجنائية الدولية لأنها محكمة سياسية وليست عدلية، وكذلك نرفض تدويل العدالة، كما نعتقد أن القضاء في السودان قادر، ولديه الرغبة في النظر في هذه الاتهامات».
ويمتد الجدل المشار إليه إلى كيفية المحاكمة التي يُفترض أن يخضع لها البشير، حيث تطالب المحكمة الجنائية الدولية، منذ وقت طويل، السلطات السودانية بالإسراع في تسليم البشير للمحكمة في هولندا أو محاكمته في الخرطوم، باعتباره مسؤولاً عن الجرائم التي ارتكبت في إقليم دارفور، ومعنى ذلك أن مكان محاكمة البشير ليس معلوماً إلى الآن، كما أنه ليس معلوماً بداية هل سيتم تسليم البشير إلى المحكمة في هولندا، أم أنه سيمثل أمامها (في الخرطوم)، وفي هذا الصدد صرح المتحدث باسم الحكومة، وزير الإعلام فيصل محمد صالح: «كلمة مثول أكبر من تسليم، والتفاصيل ستناقش مع المحكمة الجنائية الدولية وحركات دارفور، لكن كان المهم تثبيت المبدأ، وهذه خطوة كبيرة في تحقيق العدالة»، من دون مزيد من التفاصيل، وهذا التصريح يزيد الأمور غموضاً ولا يوضحها. من جانبها، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية عدم تأكيدها الأنباء بقرار السودان تسليم المتهمين في جرائم الإبادة في دارفور، بمن فيهم الرئيس السابق عمر البشير. وقال مصدر في المكتب الإعلامي التابع للمحكمة: «لقد شاهدنا أخباراً حول هذا الأمر، ونحاول الحصول على تأكيد، لكن حتى الآن ليس لدينا أي معلومات حول هذه القضية».
ويقول مراقبون إن ثمة عقبات عدة تواجه تقديم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية، أبرزها أن القضاء السوداني الذي سيتخذ في نهاية المطاف مثل هذا القرار سيواجَه بمعضلة تشكيك البعض في نزاهة المحكمة، ومن هذه العقبات كذلك أن هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام المطالبة بتسليم قيادات عسكرية أخرى، بعضها يمثّل ركناً أساسياً في نظام الحكم الحالي، إلى المحكمة. وهنا يجدر تأكيد أمر مهم، مفاده أن المكون العسكري في مجلس السيادة الانتقالي لم يكن منذ البداية مع فكرة تقديم البشير إلى المحكمة، كما سلفت الإشارة، ولكن قوى إعلان الحرية والتغيير التي قادت الثورة ضد الرئيس المعزول، أعلنت منذ البداية عزمها تسليم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية، في حال برّأه القضاء المحلي من التهم الموجهة إليه حالياً، أو تلك التي ينتظر أن تطاله في وقتٍ لاحق، وهذا الأمر قد يقود إلى انشقاق داخل نخبة الحكم الحالية في البلاد.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات