هل سيبقى النفط صامداً في وجه «المعركة السعرية» بين الرياض وموسكو؟

  • 12 مارس 2020

لم يكن ينقص المشهد النفطي قتامة جديدة في هذه المرحلة؛ فبعد صراعه المرير مع انخفاض الطلب إثر تفشي «كورونا» تعرضت أسواق النفط العالمية إلى هزة جديدة؛ تجسدت في اشتعال فتيل «معركة سعرية» بين كل من السعودية وروسيا، على خلفية انسحاب الأخيرة من اتفاق خفض الإنتاج الذي استمر العمل عليه منذ مطلع عام 2017.
على الرغم من ارتفاع أسعاره في اليومين الماضيين بنحو 10%، فإن سعر برنت ما زال منخفضاً، قياساً بالفترة التي سبقت انتشار «كورونا»، وقرار روسيا فض التزاماتها مع «أوبك»، الذي تسبب في خسارة النفط أكثر من ثلث قيمته، بين ليلة وضحاها، وذلك بوصول سعر برميل برنت إلى 32 دولاراً يوم الاثنين الماضي، فيما وصل خام تكساس الأمريكي إلى 27 دولاراً للبرميل؛ الأمر الذي ينذر بحدوث «نزف» في إيرادات الدول النفطية، الأعضاء في المنظمة، قد يصل إلى نحو 500 مليون دولار يومياً، ويهدد بدخول اقتصاداتها حائطاً مستجداً من الضغوطات.
وابتدأت المعركة السعرية حين قررت «أرامكو» السعودية تخفيض سعر البيع الرسمي لكل درجات نفطها الخام لجميع الوجهات لشهر إبريل المقبل، وذلك على إثر سقوط اتفاقية «أوبك» مع روسيا أرضاً، بشأن إمدادات النفط، لتنتهي بذلك ثلاث سنوات من التوافقات التي حمَت أسواق النفط من الارتباك؛ فرفض روسيا دعم تخفيضات نفطية أكبر جعل «أوبك» تقرر إنهاء كل القيود على إنتاجها؛ ما ينذر بإغراق الأسواق بـ «الذهب الأسود»، ومن ثم سقوطه في دوامة من التراجع.
السعودية التي ردّت على روسيا وضحّت باستقرار أسواق النفط، واضح أن احتياطياتها السيادية قادرة على ردم أي فجوة عجز قد تحدث في موازنتها إثر هبوط الأسعار، فيما قررت روسيا التخلي عن التزاماتها مع «أوبك» في سبيل المنافسة على الحصص السوقية مع منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة، برغم إدراكها أن السوق، الآن، بحاجة إلى التكاتف أكثر من أي وقت مضى.
وفي سلسلة التطورات تتعدد الآراء والتوقعات؛ فتيار يقول إن الحرب السعرية الراهنة تشكّل حالة غير مسبوقة في سوق النفط العالمية، فالصدمة تكمن في حالة التحدي بين «أوبك» من جهة، وروسيا من جهة أخرى، التي تسعى منذ زمن للنيل من صناعة النفط الصخري الأمريكي، في مشهد يُظهر تخليها عن شراكة أثبتت تأثيرها على استعادة أسواق النفط عافيتها، مدفوعة بقرارها هذا نحو تحدي واشنطن، في محاولة لإعادة الزمن إلى الوراء، عندما كانت قوة كبرى توازي الولايات المتحدة، وتؤثر في المشهد العالمي وسياسات الدول كما تبتغي. وهناك آراء أخرى تشير إلى أن روسيا لن تبقى صامدة في قرارها التخلي عن «أوبك» طويلاً، حيث تتراوح مدة صمودها بين 3 إلى 6 أشهر فقط، ما ينبئ بتوقعات تتعلق بعودتها إلى حضن «أوبك»، التي ستقبَل مجدداً الشراكة مع روسياً، لإعادة توزان الأسواق كما كانت عليه؛ الأمر الذي يدل على أن النفط لن يستعيد عافيته قبل الربع الثالث من العام الجاري.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وإن أبدى في تغريداته فرحاً بانخفاض أسعار النفط، حين قال: «جيد للمستهلك، أسعار البنزين تنزل»، فإن اتصاله بولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مؤخراً، لبحث أسواق الطاقة العالمية، يشير إلى دلالات عدة؛ الأولى، أن ترامب يخشى خسارة «كرت» سياسي في الانتخابات المقبلة، كونه يعِد الناخبين بالعمل على خفض أسعار المحروقات، والآن حين حصل ذلك، سيخسر ترامب أحد أهم وعوده الانتخابية. والثانية، قلقه من أن تتعرض الولايات الأمريكية المنتجة للطاقة لمتاعب وضغوطات اقتصادية جرّاء انخفاض أسعار النفط. أما الدلالة الثالثة، فهي أن قطاع النفط الصخري الأمريكي يواجه، الآن، صعوبات في إدرار الأرباح؛ كونه يستهلك السيولة النقدية كلها، من جرّاء ارتفاع تكاليفه. فيما تكمن الدلالة الرابعة، في أن حالة عدم الاستقرار واليقين تسهم في تراجع حركة الإنتاج، وتراجع النزعة الاستهلاكية للأفراد والمؤسسات؛ ما يتسبب في انخفاض إنفاق المستهلكين، وتهديد الأسواق بالانكماش، وهو ما لا يريده ترامب، منذ أن تولى السلطة، بتاتاً.

Share