هل سيؤدي «كورونا» إلى نهاية الأسواق الناشئة؟

  • 6 مايو 2020

كتب جيمس كرابتري في «فورين بوليسي» مقالاً قال فيه إن اقتصادات مثل البرازيل وإندونيسيا والهند وروسيا وتركيا تواجه واقعاً جديداً مخيفاً، مضيفاً أن قصة فيروس كورونا تروى حتى الآن، من منظور الدول الغنية، لكن من المحتمل أن يعاني الفقراء في العالم أشد تداعياته.

ارتفعت حالات الإصابة في إفريقيا بمقدار النصف تقريباً في أسبوع واحد من شهر إبريل، في حين يستمر ارتفاع أعداد حالات الإصابة في الهند، وتشهد دول مثل البرازيل والإكوادور وتركيا بعض أسوأ حالات تفشي العدوى؛ الأمر الذي ينذر بعودة بؤرة الوباء إلى آسيا، أو انتقالها إلى أمريكا اللاتينية.

يكمن وراء حالة الطوارئ الصحية العامة هذه تهديد اقتصادي مدمر، والإجراءات الجريئة التي اتخذها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي هي التي جنبت بلاده سلسلة متتالية من الأزمات المالية للأسواق الناشئة في أعقاب هروب رؤوس أموال بلغت قيمتها 83 مليار دولار في شهر مارس الماضي. لكن هذه الجائحة تهدد الآن بتحوُّل أكثر عمقاً ربما يضع نهاية لفكرة الأسواق الناشئة، وخاصة البلدان الفقيرة سريعة النمو القادرة على تحقيق قفزات سريعة نحو التنمية.

تشير البيانات الرسمية للهند إلى نحو 1000 حالة وفاة حتى الآن، وهو رقم صغير مقارنة بأكثر من 63 ألف حالة وفاة في الولايات المتحدة، ولم تتضرر منطقة جنوب شرق آسيا تضرراً كبيراً، وحتى لو تمكنت البلدان الفقيرة من تجنب بطش الفيروس، فإنها ستتضرر بشدة من التداعيات الاقتصادية العالمية. وقد حذر برنامج الأغذية العالمي مؤخراً من وجود أكثر من 30 دولة فقيرة، كثير منها في إفريقيا، على حافة المجاعة، بينما توقعت لجنة الإنقاذ الدولية إصابة ما يصل إلى مليار شخص بالعدوى في الدول الضعيفة، وتلك التي ترزح تحت نير الصراعات.

وستكون عملية إدارة الجائحة على المدى الطويل أمراً مثيراً للقلق؛ فها هي البلدان الأكثر ثراءً تعاني التوصل إلى طريقة لاستمرار النشاط الاقتصادي مع تجنب المزيد من موجات العدوى من خلال الفحص الشامل وتتبع المخالطين، غير أن مهمة على مثل هذه الدرجة من التعقيد ستكون حتماً صعبة حتى بالنسبة إلى دول مثل الدنمارك وسنغافورة، أما الدول ذات القدرات الحكومية المحدودة والنظم الصحية غير المستقرة فسيكون الأمر بالنسبة إليها شبه مستحيل.

وحتى إذا كان من الممكن تجنب الكارثة الصحية العامة بطريقة أو بأخرى، فيجب على البلدان النامية الآن أن تواجه تحديين ملحين، هما: التهديد قصير المدى بالركود والذعر المالي، والمشكلة طويلة الأمد المتمثلة في ضعف الأداء الاقتصادي. وتشير أحدث توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن الأسواق الناشئة ستتراجع بنسبة 1% هذا العام، وهذه النسبة بالرغم من أنها تبدو أفضل حالاً من الدول الأكثر ثراءً التي بلغت نسبة تراجعها 6%، فإنها تخفي المدى الحقيقي للتباطؤ، لأن مجموعة الأسواق الناشئة تضم الصين، التي يتوقع أن يتعافى اقتصادها العملاق بسرعة نسبية، غير أن الصورة تبدو قاتمة في جميع الأماكن الأخرى؛ فالدول المصدرة للسلع تعاني تراجع الطلب العالمي، وتلك المعتمدة على السياحة تعاني الأمرّين، والتحويلات انخفضت إلى أدنى مستوياتها، وتبدو الاقتصادات في أمريكا اللاتينية هشة بشكل خاص. ويتوقع أن يتراجع اقتصاد بلدان مثل البرازيل وروسيا وجنوب إفريقيا بنسبة 5% أو أكثر، مع توقعات بأن تزداد الأوضاع سوءاً في حالة تفشي الجائحة هناك.

والأدهى من ذلك، أنه لا تكاد توجد أسواق ناشئة تمتلك الموارد اللازمة لتمويل مستوى الدعم المالي اللازم في حالات الطوارئ، مثل ضمانات الدخل وقروض الشركات الصغيرة، كما هو الحال في دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا. وستخفض بعض الدول الإنفاق في بعض المجالات، كما فعلت تايلاندا في شهر إبريل الماضي عندما خفضت الإنفاق الدفاعي، أو ستسعى إلى الحصول على قروض طارئة من هيئات مثل البنك الدولي، لكن دولاً مثل الهند أو إندونيسيا لديها حيز مالي محدود للزيادات الضخمة في الإنفاق، وتعجز عن زيادة الاقتراض كما فعلت البلدان الأكثر ثراءً، ولا يمكن أن تخاطر بنوكها المركزية بتطبيق سياسات نقدية جريئة، خشية إثارة مخاوف المستثمرين؛ ما يؤدي إلى المزيد من هروب رؤوس الأموال وانخفاض قيمة العملة.

والأمر الأكثر إثارة للقلق هو ما قد يحدث إذا انتكست فترة ازدهار السوق الحالية في الاقتصادات المتقدمة؛ فقد ارتفعت الأسواق العالمية خلال الأسابيع الأخيرة، ويرجع ذلك جزئياً إلى ما وصفه الخبير الاستراتيجي للاستثمار محمد العريان بـ «الفشل الإدراكي الهائل» لتقدير خطورة الجائحة، ويُعزى معظمه إلى الثقة العمياء بأن البنك الفيدرالي سيستمر في ضخ حزمة تلو الأخرى من المحفزات المالية الجديدة، ومن ثم تجد الأسواق الناشئة نفسها معتمدة على سخاء رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، واستعداده مواصلة ضخ الأموال. ويتجسد هذا بوضوح في خطوط المبادلة التي تضمن توفير الدولارات الأمريكية لبلدان مثل البرازيل والمكسيك وكوريا الجنوبية.

وثمة مخاوف أخرى تتمثل في كيفية تمويل أرصدة الديون الجديدة الهشة للبلدان الفقيرة. ووفقاً لبنك التسويات الدولية، وهو عبارة عن تكتل يضم محافظي البنوك المركزية، فإن أكبر 30 دولة ناشئة كانت مدينة في العام الماضي بما قيمته 73 تريليون دولار، والدول التي تملك كميات كبيرة من الديون المقومة بالدولار الأمريكي، مثل الأرجنتين، مهددة بشكل خاص إذا استمر الدولار الأمريكي في الارتفاع، كما حدث في مارس الماضي عندما لجأ المستثمرون المذعورون إلى الأمان النسبي للأصول المقومة بالدولار.

وستتحمل بعض البلدان الضربة أكثر من غيرها؛ حيث تحتفظ الأسواق الناشئة في آسيا باحتياطيات تبلغ قيمتها تريليونات الدولارات، وهو درس تعلمته من تجربتها في الأزمة الآسيوية عام 1997، وحتى الآن نجت بعض البلدان، مثل فيتنام، من أزمة فيروس كورونا.

وحتى إذا تجنبت الاقتصادات الأزمات الصحية والمالية المباشرة، فيجب على قادتها الاستعداد لمواجهة التغيير الثاني طويل المدى الذي سيتسبب فيه فيروس كورونا في آفاق نمو هذه الاقتصادات؛ ذلك أن هذه الجائحة تقضي سريعاً على كثيرٍ من أنماط التكامل التجاري والمالي التي دعمت 3 عقود من العولمة المتسارعة؛ ما ساعد على انتشال مئات الملايين من الفقر، ولاسيما أن مستويات التجارة والاستثمار العالمية آخذة في الانخفاض، وربما لا تتعافى أبداً إلى المستويات التي وصلت إليها قبل تفشي الجائحة، والأمر ذاته ينطبق على قطاعي السفر والسياحة الدوليين.

وقد ظهرت بعض هذه الاتجاهات قبل تفشي الجائحة، وكذلك الانخفاض التدريجي في الأداء الاقتصادي للدول النامية. ووفقاً لروبين بروكس، كبير الاقتصاديين في معهد التمويل الدولي، فإن الأسواق الناشئة في مجموعها، باستثناء الصين والهند، لم تشهد نمواً بوتيرة أسرع من الأسواق المتقدمة منذ عام 2013، ويتوقع أن تتسارع وتيرة تراجعها في ظل أزمة فيروس كورونا.

وخلاصة القول، ربما تكون هذه نهاية الأسواق الناشئة بالمعنى الذي قصده المؤلف روشير فارما في كتابه «الدول المعجزة» Breakout Nations الصادر عام 2012، عندما قال إن دولاً مثل إندونيسيا أو الفلبين أو نيجيريا أو تايلاند يمكن أن تقدم نماذج لافتة للنظر للتوسع الكبير، ومن غير المحتمل ألا يحقق أي اقتصاد ناشئ، لسنوات طويلة بعد انتهاء أزمة الفيروس، نمواً مستداماً بمعدل %7 أو 8% الذي وعدت به هذه الأسواق من قبل.

إن نموذج التنمية الذي ابتكره كثيرون في آسيا الناشئة، والذي يعتمد على التصنيع السريع بهدف التصدير، سيكون أقل فاعلية في عالم ما بعد الجائحة الذي ستنتهي فيه العولمة، وستصبح الأوضاع المالية للبلدان الفقيرة أكثر تعقيداً أيضاً، لأن كل تلك الديون الجديدة قد اكتُسبت على أمل النمو الذي لم يعد يبدو واقعياً.

وهذه الاتجاهات لا بد وأن تثير قلق بقية العالم؛ فالاقتصادات الناشئة تمثل الآن نحو ثلاثة أخماس الناتج العالمي، بعد أن كانت لا تمثل سوى الخمس فقط في عام 1990، وقد استفاد منها النظام العالمي كثيراً، غير أن هذا الواقع قد لا يدوم. وفي ظل تباطؤ النمو وتزايد غضب السكان المحليين، فمن المنطق أن تنتشر في دول مثل الهند وتركيا النزعات الوطنية المتمردة، التي تسعى إلى تقويض المؤسسات المتعددة الأطراف القائمة ودول الجوار الأصغر. ولو لم يفعلوا هذا، فإن الفكرة القائلة إن الدول النامية ستقود الاقتصاد العالمي إلى الخروج من مأزقه الحالي تبدو بعيدة كل البعد عن الصحة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات