هل سيؤثر كورونا في هيكل النظام السياسي الدولي القائم؟

  • 4 أبريل 2020

يبدو واضحاً مدى التأثير الذي تركه فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19»، في مختلف نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية وحتى النفسية في العالم؛ ويتوقع أن تكون آثاره كارثية، إذا ما استمر لفترة أطول، كما يتوقع بعض الخبراء؛ ولكن تأثير هذا الفيروس القاتل، يتجاوز القطاعات الجزئية أو الكلية سواء على مستوى الدولة أو العالم، ليلقي بظلاله على هيكل النظام الدولي برمته. كيف؟

يشير مفهوم هيكل النظام السياسي الدولي إلى طبيعة توزيع القوة بين الفواعل الرئيسة في النظام؛ والتي بموجبها يتحدد هيكله أو شكله؛ وإذا ما كان أحادياً؛ كما هو الحال خلال القرن التاسع عشر، حيث سيطرت بريطانيا العظمى خلال الفترة ما بين 1815 و1870 تقريباً، على النظام الدولي؛ أو بعد نهاية الحرب الباردة، حيث انفردت الولايات المتحدة الأمريكية بالسيطرة شبه الكاملة تقريباً على مجريات النظام؛ أو ثنائي القطبية، كما كان الحال خلال الحرب الباردة حيث كان العالم مستقطباً بين قوتين عظميين، هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي؛ أو متعدد الأقطاب، كما كان الأمر في الفترة ما بين بداية أفول سيطرة بريطانيا العظمى أواخر القرن التاسع عشر، واندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، حيث تقاسم السيطرة العالمية قوى متعددة في أوروبا وآسيا. وكما يلاحظ، فإن تحول النظام الدولي، أي انتقاله من شكل إلى آخر، لا يكون مفاجئاً، وعادة ما يمر بمرحلة طويلة، وقد يأخذ قروناً، كما كان في عهود الإمبراطوريات الكبرى، أو عدة عقود كما هو الحال في العصور الحديثة.
ومع تراجع القوة الأمريكية بشكل واضح وربما غير مسبوق خلال العقدين الماضين، وتزايد دور الاقتصاد في العلاقات الدولية، وظهور قوى اقتصادية كبرى منافسة، مثل اليابان وألمانيا (الاتحاد الأوروبي) والصين، أصبحت المعطيات تشير إلى إمكانية بروز نظام متعدد القطبية، حيث لم تعد أمريكا هي المتحكمة فقط بالقرار الاقتصادي الدولي أو حتى السياسي؛ ولكن معالم هذا النظام لم تتبلور، حيث يعيش مرحلة مخاض حقيقي؛ وبرغم الصعود السريع للصين، وعودة روسيا بقوة خلال السنوات القليلة الماضية، فإن الصورة التي سيستقر عليها النظام الدولي لم تتضح؛ حيث بقيت الولايات المتحدة وبرغم تراجعها العام على مستوى عالمي، القوة العسكرية الأعظم.
ولكن الولايات المتحدة، وبرغم أنها ما زالت أيضاً الاقتصاد الأكبر في العالم، بناتج محلي إجمالي بلغ عام 2018، نحو 21 تريليوناً، بينما الثاني بعدها، وهو الصين، بلغ ناتجها المحلي الإجمالي في العام نفسه نحو ثلاثة عشر ونصف تريليون، فإن سرعة النمو الذي حققته الصين في فترة وجيزة نسبياً يعد أكبر تحدٍ لهيمنة الولايات المتحدة اقتصادياً؛ حيث ستتجاوزها ربما خلال عقد إذا ما حافظت على المستوى نفسه من النمو الاقتصادي. ولكن «كورونا» كما يبدو قد يقلب الموازين بشكل واضح وخاصة إذا ما استمر؛ فهو يتسبب ليس في خسائر ضخمة للاقتصاد الأمريكي فقط، حيث يتوقع أن تكون تأثيراته مدمرة، ولكنه يظهر ضعف الولايات المتحدة السياسي على مستوى العالم أيضاً؛ حيث فقدت قدرتها على القيادة العالمية، بل انكفأت على نفسها؛ وهذه مؤشرات مهمة على تراجع دور القوى العظمى تاريخياً؛ بينما بدأت تظهر الصين التي تعافت كثيراً من الفيروس، أكثر قدرة على التعامل مع الجائحة؛ بل تحاول استغلاله للقيام بدور سياسي أكبر على مستوى العالم؛ ولذلك سارعت إلى تقديم المساعدات للكثير من الدول، بما فيها الأوروبية، التي كانت تنتظر حليفتها الولايات المتحدة أن تقوم بذلك؛ وأصبح ينظر إلى الصين، ليس كنموذج للتعامل مع هذا التحدي فقط، وإنما كتحدٍ حقيقي لزعامة الولايات المتحدة أيضاً.
كما أظهر الفيروس جانباً آخر مهماً لا شك أنه يحسب للصين- ولكن لا يستبعد أن يكون له تداعيات سلبية عليها على المدى البعيد-؛ وهو مدى اعتماد الاقتصاد العالمي عليها، وخاصة في بعض المنتجات الحيوية؛ وهو ما يمثل عنصر قوة لها؛ ولكنه، قد يشكل نذيراً للدول الأخرى ويدفعها إلى التفكير بشكل جدي بالاعتماد على نفسها بشكل أكبر؛ ما سيضر بالتأكيد بالاقتصاد الصيني.
والخلاصة، أن أزمة كورونا ستكون لها تأثيرات كبيرة في مختلف جوانب العلاقات الدولية، ولكنها قد لا تخلق نظاماً دولياً جديداً، بقدر ما ستغير من موازين القوى العالمية، وتسرّع تحوّل النظام القائم إلى نظام القطبية المتعددة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات