هل حان الوقت لإنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة؟

  • 20 يونيو 2010

إذا كان للاعتداء الإجرامي الذي شنته إسرائيل على سفن "أسطول الحرية"، الذي كان يحمل مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة المحاصر، من فائدة أو ميزة تذكر، فستتمثل بلا أدنى شك في حقيقة أنه لفت انتباه العالم بقوة إلى الحصار الظالم وغير الإنساني المفروض على القطاع منذ سنوات، والذي أدى إلى تفاقم المعاناة الإنسانية والاقتصادية لأكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني يقطنون فيه، وأعطى زخماً مهماً للدعوات والتحركات الرامية إلى ضرورة كسر هذا الحصار وإنهائه.

ويلحظ المتابع لردود الأفعال الدولية والإقليمية على هذا العدوان الإسرائيلي على "قافلة الحرية"، والذي أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من جنسيات مختلفة، أنه ربما للمرة الأولى يتبلور شبه إجماع دولي على المستويين الرسمي والشعبي على ضرورة رفع هذا الحصار الذي يمثل عقاباً جماعياً غير مبرر قانونياً ولا أخلاقياً لفلسطيني قطاع غزة، الذي اعتبره المفوض العام لوكالة "الأونروا"، فليبو جراندي، أكبر سجن مفتوح في العالم، مشيراً إلى أن الحصار على القطاع أصبح أطول من الحصار الذي تعرضت له سراييفو.

فعلى المستوى الشعبي، تزايدت الضغوط والتحركات الرامية لرفع الحصار؛ حيث تعهدت العديد من المنظمات المدنية والرسمية في مناطق مختلفة من العالم بتسيير سفن مساعدات إنسانية أخرى صوب قطاع غزة، بالرغم من التحذيرات الإسرائيلية. فعلى سبيل المثال، أعلنت "الحملة الأوروبية لرفع الحصار عن غزة" عن توفر تمويل أول ثلاث سفن في أسطول جديد سيتوجه إلى قطاع غزة خلال أسابيع قليلة تحت اسم "الحرية 2"، كما أعلنت إيران تسيير قافلة جديدة من المساعدات الإنسانية إلى القطاع وتعهدت بحمايتها، فيما نشطت العديد من المنظمات الشعبية العربية في جمع المساعدات بهدف توجيهها إلى القطاع. كما نظم عشرات الآلاف من الأشخاص مظاهرات واسعة في العديد من بلدان العالم للتنديد بالعدوان الإسرائيلي على "أسطول الحرية" والمطالبة برفع الحصار عن غزة، الذي وصفته اللجنة الدولية للصليب الأحمر" بأنه يمثل خرقاً لاتفاقيات جنيف، داعية إلى رفعه.

وعلى المستوى الرسمي، تعددت المواقف التي عبر عنها كثير من رؤساء دول العالم وحكوماتها والعديد من المسؤولين الدوليين، والتي تطالب بإنهاء الحصار أو تخفيفه. فقد طالب الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، إسرائيل بإنهاء حصارها "غير المقبول" للقطاع، قائلاً: "لو استجابت الحكومة الإسرائيلية للنداءات الدولية ولدعوتي الملحة والقوية والمتواصلة إلى رفع الحصار عن غزة، لما حدث هذا"، في إشارة إلى جريمة الاعتداء على قافلة الحرية، كما عبر توني بلير، مبعوث اللجنة الرباعية الدولية الخاصة بالسلام في الشرق الأوسط، عن أمله في أن يرى تحركاً خلال الأيام المقبلة باتجاه تخفيف الحصار عن غزة. وبالمثل طالبت روسيا والصين بإنهاء الحصار المفروض على غزة، كما دعا الاتحاد الأوروبي إلى فتح المعابر مع القطاع بشكل فوري، فيما نقل عن نك كليغ، نائب رئيس الوزراء البريطاني، قوله: "إذا كنا في حاجة لأي تأكيد أو تذكير بأن الحصار المفروض على غزة غير مبرر وغير مقبول، فقد ذكرّنا الهجوم على قوارب المساعدة بذلك وبضرورة رفع هذا الحصار". كما وصفت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الحصار بأنه "أمر غير سليم انطلاقاً من الدواعي الإنسانية"، وطالبت برفعه.

وبينما جاء الموقف التركي قوياً؛ حيث اشترطت أنقرة صراحة رفع الحصار المفروض على غزة كمقدمة لإعادة العلاقات بينها وبين إسرائيل إلى طبيعتها، شهد الموقف الأمريكي تطوراً مهماً؛ إذ أعلنت واشنطن على لسان المتحدث باسم البيت الأبيض أنها ترى أن حصار قطاع غزة لا يمكن تحمّله، فيما قام نائب الرئيس الأمريكي، جو بايدن، بزيارة إلى مصر ركزت بشكل أساسي على الوضع في غزة، وأعلن خلالها أن بلاده تتشاور مع شركائها الآخرين حول "وسائل جديدة للتعامل مع الأوضاع في غزة"، واصفاً الوضع القائم في القطاع بأنه لا يمكن أن يستمر للأطراف كلها.

عربياً، عقد وزراء الخارجية العرب اجتماعاً عقب جريمة الاعتداء الإسرائيلي على "قافلة الحرية"، قرروا في نهايته رفض الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة وعدم الاعتراف به، والعمل على كسره، وعدم التعامل معه. وفي تطبيق سريع لهذا القرار، قام الأمين العام للجامعة العربية، عمرو موسى، بزيارة إلى القطاع، هي الأولى لمسؤول عربي على هذا المستوى إلى غزة منذ أن سيطرت عليها حركة "حماس" عام 2007، كما أعلنت مصر فتح معبر رفح لأجل غير مسمى من أجل تخفيف حدة الحصار على القطاع، فيما جددت مختلف الدول العربية، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة، مطالبتها برفع الحصار غير الشرعي وغير المقبول المفروض على قطاع غزة.

وعلى الرغم من قوة الضغوط الدولية والإقليمية الرامية إلى فك الحصار عن قطاع غزة، واصلت إسرائيل تحديها للمجتمع الدولي؛ حيث دافع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن هذا الحصار الذي تفرضه بلاده على غزة منذ أربع سنوات، زاعماً أن هذا الحصار هو لمنع دخول الأسلحة والسلع مثل الإسمنت والصلب التي يمكن تحويلها من جانب "حماس" إلى الاستخدام العسكري، مؤكداً أن حكومته ستواصل عرقلة وصول أي مساعدات إلى قطاع غزة. غير أن الحكومة الإسرائيلية، وتحت وطأة تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية، عملت على تخفيف الضغوط المفروضة على القطاع من خلال السماح بدخول مزيد من السلع الغذائية للقطاع، في الوقت الذي أعلن فيه نتنياهو أن بلاده ستواصل المناقشات مع المجتمع الدولي لمنع وصول الأسلحة والمعدات العسكرية إلى غزة والسماح بالمساعدات الإنسانية.

ويلاحظ المتابع لتطورات هذا الملف، أنه فيما يركز العرب على ضرورة إنهاء الحصار ورفعه بشكل كامل، تسير التحركات الغربية باتجاه العمل فقط على تخفيف حدة هذا الحصار بشكل يخفف من الأزمة الإنسانية التي يعانيها قطاع غزة. وثمة أفكار عديدة طرحت أو تتم مناقشتها حالياً، ومن ذلك على سبيل المثال أن يشارك الاتحاد الأوروبي في تفتيش السفن المتوجهة إلى شواطئ غزة، وأن يتم التنسيق مع مصر لإبقاء معبر رفح مفتوح بشكل مستمر مع وجود فريق أوروبي يراقب حركة دخول البضائع والسلع عبر المعبر. ومن الأفكار المطروحة أيضاً إجراء تغيير جوهري في القائمة الإسرائيلية للمواد والمنتجات التي يمكن إدخالها إلى القطاع، بحيث تتضمن هذه القائمة السلع التي يحظر دخولها فقط، وليس كما هو الوضع الآن؛ حيث تتضمن القائمة السلع التي يسمح بدخولها، مع تخفيض قائمة الحظر قدر الإمكان.

لقد أضافت المجزرة الدموية التي ارتكبتها إسرائيل بحق "أسطول الحرية" زخماً كبيراً يجب ألا يمر من دون استثماره بشكل يحقق المصلحة الفلسطينية، ولاسيما فيما يتعلق بملف الحصار المفروض على قطاع غزة. فالعالم اليوم، وبعد هذه الجريمة التي راح ضحيتها مدنيون أبرياء، أصبح أكثر اقتناعاً بضرورة كسر هذا الحصار الظالم وغير الإنساني ووقف سياسة العقاب الجماعي لأكثر من مليون ونصف المليون إنسان فلسطيني في القطاع. وتحقيق هذا الهدف يتطلب التحرك والعمل في مسارين متوازيين: الأول؛ تفعيل التحرك العربي على الساحة الدولية لاتخاذ قرارات وخطوات عملية تنهي هذا الحصار بشكل كامل، وإحباط التحرك الإسرائيلي الراهن الرامي إلى اتخاذ إجراءات مؤقتة لتخفيف الحصار سرعان ما سيتم التراجع عنها بعد تراجع حدة الضغوط الدولية على إسرائيل. والثاني: الإسراع بإنجاز المصالحة الوطنية الفلسطينية. فلم يعد خافياً على أحد أن استمرار الانقسام الفلسطيني الراهن بات يمثل أحد أهم العقبات التي تحول دون الاستفادة من أية تحركات إقليمية أو دولية تحاول الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وبدون إنهاء هذه الحالة الانقسامية وتوحيد المواقف الفلسطينية لن يكون هناك أمل في الخروج من هذا المأزق الذي تعيشه القضية الفلسطينية برمتها.

Share