هل تهز الاحتجاجات في روسيا سلطة بوتين أم ستتخطاها؟

  • 2 فبراير 2021

تتفاقم الأزمة في روسيا مع استمرار الاحتجاجات وامتدادها إلى عشرات المدن الروسية، على خلفية اعتقال المعارض أليكسي نافالني؛ وهناك قلق من تدهور الأوضاع بعد قيام الشرطة بتفريق المظاهرات بالقوة واعتقال أكثر من 5 ألاف شخص؛ ما قد يسبب الكثير من القلق للرئيس فلاديمير بوتين ويهز من تماسك سلطته وهيبة حكمه.

إن الاحتجاجات التي تشهدها روسيا حاليًّا ضد حكم الرئيس فلاديمير بوتين، ليست الأولى من نوعها؛ فقد وقعت من قبل احتجاجات مماثلة عام 2017 قادها القطب المعارض أليكسي نافالني نفسه ضد ترشح الرئيس بوتين لولاية رابعة عام 2018؛ كما شهدت روسيا احتجاجات ضخمة مناهضة للحكومة منتصف عام 2020 على خلفية تنحية حاكم يتمتع بالشعبية في منطقة خاباروفسك وتعيين بديل له مسؤول من خارج المنطقة بقرار من الكرملين؛ وقد تخللتها شعارات معادية لبوتين، ومطالبات باستقالته.

لكن الاحتجاجات هذه المرة تكتسب أهمية خاصة، ليس فقط بسبب حجمها وانتشارها في نحو 150 مدينة؛ ولكن أيضًا بسبب التوقيت والسياق:
ففيما يتعلق بالتوقيت؛ فقد جاءت في ظل ظروف اقتصادية صعبة فاقمت من حدتها أزمة كورونا؛ وحديث متزايد عن الفساد والمحسوبية.

وفيما يتعلق بالسياق، فقد اندلعت بعد اعتقال المعارض البارز نافالني، الذي قرر العودة إلى البلاد بعد رحلة علاج في ألمانيا من محاولة تسميم قيل إنها من تدبير السلطات الروسية التي تنفي أي صلة لها بالأمر؛ وقد أثارت هذه الحادثة موجة انتقادات واسعة، خصوصًا في الغرب وزادت من حدة التوتر القائم أصلًا بين الجانبين بسبب خلافات حول ملفات عدة.

ويتمحور السؤال الأساسي الآن حول مدى التحدي الذي تمثله هذه الاحتجاجات لسلطة الرئيس بوتين.

لا شك أن هذه الاحتجاجات تثير مجموعة من التحديات لبوتين؛ فهي تفاقم من حدة الغضب الشعبي الذي يأخذ منحنًى متصاعدًا منذ سنوات ليس فقط بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، ولكن أيضًا بسبب استمرار بوتين في الحكم؛ وعزمه البقاء فيه لفترة طويلة بعد التعديلات الدستورية التي اقترحها وأقرها البرلمان الروسي (الدوما) في مارس 2020. وفي هذا السياق يبدو أن أكبر تحدٍّ يواجه بوتين، هو أن الاحتجاجات وحّدت القوى المناهضة لحكمه.

لطالما كانت المعارضة في روسيا في عهد بوتين منوعة المشارب ومختلفة الأهداف، فهناك الستالينيون الذين يحلمون بإحياء أمجاد الاتحاد السوفييتي والاقتصاد الموجه؛ وهناك القوميون الذين يريدون تقييد الهجرة وضم المزيد من الأراضي الأوكرانية، وهناك أيضًا الليبراليون الذي يتوقون إلى الديمقراطية وتوثيق العلاقات مع الغرب. ونادرًا ما كانت هذه المجموعات أو التيارات تلتقي معًا كما هو حادث الآن؛ فقد شارك عدد من رموزها في الاحتجاجات ويبدو أنها أكثر استعدادًا الآن للالتفاف حول نافالني؛ لأن اللحظة كما يرون تاريخية وقد حانت مع تزايد عدد الروس الرافضين لحكم بوتين؛ وبعدما أشعل نافالني -ربما لأول مرة- حركة قوية من الاحتجاجات ضد الرئيس.

وكما وحدت الاحتجاجات اليمين واليسار، فقد ضمت فئات من الشباب وكبار السن؛ بمن فيهم الذين كانوا مناصرين لبوتين؛ حيث يسود اعتقاد واسع بتفشي الفساد والظلم في مؤسسات الحكم بما فيها الكرملين.

ولكن ليس كل الرافضين لبوتين خرجوا من أجل الديمقراطية أو مقاومة ما يسمونه الظلم. فهناك روس تحولوا للمعارضة لأسباب أيديولوجية وقومية أيضًا، إذْ من بين الذين لم يحضروا من قبل أي مسيرة لنافالني، السيد باشنيك، مدوّن ومخرج أفلام معروف وينادي بديمقراطية اشتراكية تكون فيها وسائل الإنتاج ملكًا للدولة. والمفارقة أن باشنيك كان يعتبر نافالني عندما قاد احتجاجات كبيرة في موسكو في شتاء عام 2012، «طابورًا خامسًا» تخريبيًّا زرعه الغرب داخل روسيا. ومثله مثل معظم الروس، احتفل بضم بوتين لشبه جزيرة القرم. لكنه أصيب بخيبة أمل لأن الكرملين لم يُدخل شرق أوكرانيا في الحظيرة أيضًا.

والخلاصة أن هذه الاحتجاجات تشكل بالفعل مصدر قلق لبوتين؛ لأنها تعكس، كما يبدو، تحولًا في المجتمع الروسي؛ بسبب عوامل مختلفة لا ترتبط فقط بالفساد أو تدهور الوضع الاقتصادي، ولكن أيضًا بتنامي التيار المتأثر بالنموذج الديمقراطي الغربي، الذي قد يحظى بدعم أكبر من الغرب هذه المرة بسبب كثرة الخلافات مع بوتين، الذي يبدو أنه ذهب بعيدًا في تحديه للغرب، وقد تبدو الفرصة الآن ممكنة لزعزعة أركان نظامه.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات