هل تنعش مالي ثقافة الانقلابات العسكرية في إفريقيا؟

  • 24 أغسطس 2020

يثير الانقلاب العسكري الذي شهدته مالي مخاوف من إمكانية انتعاش ثقافة الانقلابات العسكرية مجدداً في إفريقيا، في ظل ما تعانيه تجارب التحول الديمقراطي في كثير من دول القارة من هشاشة، بالنظر إلى حداثة هذه التجارب، وعدم رسوخ ثقافة مبدأ التداول السلمي للسلطة.

شهدت مالي الأسبوع الماضي انقلاباً عسكرياً أطاح حكومة الرئيس إبراهيم أبو بكر كيتان، الذي تم انتخابه في عام 2013، وأعيد انتخابه مرة أخرى عام 2018، الأمر الذي أدخل البلاد في أزمة سياسية عميقة مفتوحة على دوامة من العنف، ما قد يعصف باستقرار البلاد ووحدتها الوطنية.

وفي الواقع، فإن هذا الانقلاب جاء على خلفية توتر سياسي حاد تعانيه مالي بشدة خلال الشهور الأخيرة، فضلاً عما تعانيه البلاد من تدهور في الأوضاع الأمنية، في ظل الهجمات الإرهابية المتواصلة التي يشهدها شمال البلاد منذ 2012، ويضاف إلى ذلك كله الأزمة الاقتصادية الخانقة والوضع الصحي المتدهور من جراء أزمة جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19)، التي ضاعفت من حدة الأزمة الاقتصادية وطرحت العديد من التساؤلات، حول مدى كفاءة الجهاز الحكومي، في التعامل مع الأزمات والطوارئ.

وقد تصاعد هذا التوتر السياسي وألقى بالمزيد من التعقيدات على ما تعانيه مالي من أزمات أخرى، منذ الانتخابات البرلمانية المثيرة للجدل التي شهدتها البلاد قبل نحو أربعة أشهر، وفي ظل هذه الأجواء المتوترة، برز دور «حركة 05 يونيو- تجمع القوى الوطنية في مالي»؛ وهو تحالف متنوع من رجال دين وسياسيين وشخصيات من المجتمع المدني يطالب منذ فترة برحيل الرئيس كيتا، وشهدت العاصمة باماكو في العاشر من يوليو الفائت، مظاهرات حاشدة، تخللتها هجمات على البرلمان ومقر التلفزيون الوطني، وتلتها ثلاثة أيام من الاضطرابات الأهلية كانت الأخطر التي تشهدها باماكو منذ 2012.

ومما لا شك فيه أن هذا الانقلاب العسكري الذي شهدته مالي يثير مخاوف كبيرة من إمكانية انتعاش ثقافة الانقلابات العسكرية مجدداً في إفريقيا، التي كانت السمة الأساسية للمشهد السياسي في إفريقيا لعقود طويلة، قبل أن تغزو موجتا التحول الديمقراطي الثالثة والرابعة الكثير من دول القارة. وتتأسس هذه المخاوف على طبيعة الواقع السياسي في عدد كبير من هذه الدول الذي يؤكد هشاشة تجارب التحول الديمقراطي في إفريقيا، وعدم رسوخ ثقافة مبدأ التداول السلمي للسلطة.

ولعل هذه المخاوف هي التي دفعت إلى رد فعل سريع من قبل الاتحاد الإفريقي، الذي علّق عضوية مالي، فأعلن مجلس الأمن والسلام في الاتحاد، أن أعضاءه الخمسة عشر «علقوا عضوية مالي في الاتحاد الإفريقي إلى حين استعادة النظام الدستوري، ويطالبون بالإفراج عن الرئيس أبو بكر كيتا ورئيس الوزراء وأعضاء الحكومة الآخرين المحتجزين قسراً من جانب الجيش”.

ولم تقتصر عملية إدانة الانقلاب واستنكاره على الاتحاد الإفريقي، حيث سارعت المنظمات الإفريقية الأخرى إلى اتخاذ الموقف نفسه، ومن المتوقع أن يتوالى تعليق عضوية مالي في هذه المنظمات، وهذا الأمر سيشكل ضغطاً على قادة الانقلاب للإسراع بتسليم الحكم إلى سلطة مدنية منتخبة وفقاً لجدول زمني محدد. وفي السياق نفسه، فقد قوبل الانقلاب برفض واستنكار شديدين من قبل عدد كبير من دول العالم والمنظمات الدولية، وهو ما يؤكد الرفض الدولي الواسع النطاق لعملية التداول القسري للسلطة، والدفع في سبيل ترسيخ ثقافة أن يتم هذا التداول من خلال انتخابات حرة وشفافة.

لقد أدخل الانقلاب العسكري في مالي البلاد في نفق مظلم يهدد بالقضاء على تجربة التحول الديمقراطي الوليدة في البلاد، وفي الوقت نفسه، فإنه يهدد بإنعاش ذاكرة الانقلابات العسكرية في القارة الإفريقية التي عانت عقوداً طويلة أنظمة الحكم العسكري، ومن ثم، فإن ردود الفعل الرافضة بشدة لهذا الانقلاب على الصعيدين الإفريقي والعالمي، أمر طبيعي مبرر، ولكن المهم، أن تتحول هذه الردود إلى ضغوط تجبر قادة الانقلاب على الالتزام بإنهاء سيطرتهم على الحكم بقوة السلاح وإعادة البلاد إلى طريق التحول الديمقراطي، حتى تتمكن مالي من ترسيخ نموذجها الخاص بتأسيس حكم مدني، يقوم على قاعدة التداول السلمي للسلطة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات