هل تكيّفت الاقتصادات العالمية مع الأزمات؟

  • 29 يناير 2003

بعكس ما درج عليه العديد من الكتّاب والسياسيين بإلقاء للوم على أحداث سبتمبر 2001 باعتبارها السبب المباشر والرئيسي في تراجع أداء الاقتصاد العالمي، فإن قراءة سريعة لأوضاع الاقتصادات الكبرى قبل تلك الأحداث تؤكد أن أداء الاقتصادي العالمي بشكل عام لم يكن يسجل أي مؤشرات إيجابية على الإطلاق منذ ما يزيد على ثلاث سنوات. لقد كان الأداء الاقتصادي الفعلي والمتوقع في الاقتصادات الثلاثة الكبرى التي تستحوذ وحدها على أكثر من نصف حجم الاقتصاد العالمي ينذر بمؤشرات غير سارة، إن لم تكن سلبية بسبب تراجع مؤشرات الأسعار وثقة المستهلكين والمستثمرين في الأسواق. ومنذ نهاية الألفية الثانية والأزمات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية تتوالى على العالم من كل الجبهات، بل والعديد من هذه الأزمات طال أمده وبدأ يأخذ صفة الديمومة، فالأزمة التي يعانيها الاقتصاد الأمريكي مستمرة لأكثر من ثلاث سنوات، ومع ذلك فهو يمر من حين لآخر بأحداث تعمق من أزمته المزمنة. وفي اليابان التي تمتلك ثاني أكبر اقتصاد في العالم، دخل الركود الاقتصادي عامه الثالث، وما زالت ثوابت هذا الاقتصاد هشة ولا تنبئ بانتعاش قريب، بل إن هناك من المؤشرات الاقتصادية السلبية ما يثير مخاوف حقيقية بأن أوضاع الاقتصاد الياباني ستتدهور أكثر خلال المرحلة المقبلة. أما بالنسبة إلى الاقتصاد الألماني، الذي يعد الأكبر في منطقة اليورو والثالث من حيث الحجم على مستوى العالم، فهو الآن في أسوأ أوضاعه منذ ما يزيد على عشر سنوات، مما يذكي مخاوف حقيقية من ركود قادم لا سبيل لتجنبه، بل من أن يؤدي هذا الاقتصاد بحكم حجمه إلى تراجع معدلات النمو في اقتصادات الدول الأوروبية الأخرى.

إن الاقتصاد بوضعه الحالي ظلت تلازمه طيلة الفترة الماضية أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية متعددة، منها الصراع في الشرق الأوسط، والحرب على الإرهاب التي تجاوزت الميدان العسكري والأمني لتشمل النشاطات الاقتصادية والمالية والمصرفية كافة، وإرهاصات الحرب ضد العراق. وقد انعكست هذه الأزمات المزمنة جميعها على أوضاع الاقتصاد العالمي فجعلته يعمل في إطار محددات غير واقعية، فأسعار النفط اليوم عند مستويات غير مبررة اقتصاديا العالمي وبما يزيد على 50% من مستوياتها العام الماضي، وضعف مستوياتها عام 2001، وأكثر من ثلاثة أضعاف مستوياتها عام 1998، على الرغم من أن العالم حاليا على وشك بلوغ طاقته الإنتاجية القصوى من النفط، كما ارتفعت أسعار الذهب والمعادن الثمينة والعقارات بأكثر من ثلث قيمتها في عام 2001 بسبب توجه المستثمرين إلى المضاربة بها على حساب الاستثمارات الاقتصادية المنتجة، أما بالنسبة إلى أسواق الأسهم العالمية فقد ظلت طيلة السنتين الماضيتين تعمل في ظل تقلبات هي الأشد والأطول لها منذ مطلع الثمانينيات. وإذا كان هذا هو الحال بالنسبة إلى أسعار النفط والذهب وأسواق الأسهم التي تتأثر بالأزمات والحروب أكثر من تأثرها بالعوامل والمحددات الاقتصادية، فإنه يمكن القول بأن الاقتصادات العالمية قد تكيفت جزئيا على الأقل مع الأزمات، وهي بوضعها الحالي مهيأة لتقبل السيناريوهات المطروحة على الساحة جميعها.

 

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات