هل تكفي حزمة المساعدات الأوروبية لإنقاذ أيرلندا؟

  • 25 نوفمبر 2010

كان الهدف منها أن تكون عملية إنقاذ، لكنها ذهبت في منحى آخر، وأدت إلى اضطرابات لا يُحمد عقباها، تلك هي حزمة المساعدات التي أعلن صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي أنهما سيقدمانها في 22 نوفمبر 2010، من أجل إنقاذ أيرلندا الغارقة في الديون ومحاولة إنقاذ بنوكها المترنحة، والتي أسفر الإعلان عنها عن عدة عواقب غير مقصودة وغير مرغوب فيها.

فبعد أقل من ستة أشهر على حزمة إنقاذ اليونان البالغة نحو 110 مليارات يورو، أقلقت أنباء حزمة إنقاذ الاقتصاد الأيرلندي، المعروف بـ"النمر السلتي" أسواق المال الدولية، مع تزايد المخاوف من أزمة قريبة مشابهة تهدد البرتغال وإسبانيا. وفي منحى غير متوقع لهذه الخطوة، وضع الإعلان عن حزمة الإنقاذ الائتلاف الحاكم في أيرلندا في أزمة داخلية، اضطر معها رئيس الوزراء بريان كوين، إلى الدعوة إلى انتخابات مبكرة. وقد أثار ذلك تساؤلات عما إذا كانت الحكومة الأيرلندية القادمة ستقبل حزمة الإنقاذ التي لم يضع صندوق النقد الدولي والاتحاد الاوروبي شروطها بعد؟.

وازداد الوضع تعقيداً نتيجة السخط المتزايد وسط قطاعات واسعة من الشعب الأيرلندي على حزمة الإنقاذ هذه؛ حيث يرى معارضو القرار أن هذه الحزمة البالغة 80 مليار يورو ستكون بالأساس عبارة عن قرض سيتحمل الشعب الأيرلندي لعدة سنوات عبء تسديده. ولتحقيق ذلك سيكون على أيرلندا زيادة الضرائب وتقليص خدماتها الحكومية المتضائلة أصلا، وتطبيق مزيد من الاستقطاعات في رواتب ومعاشات موظفي الحكومة.

في الرابع والعشرين من نوفمبر أكدت الحكومة الأيرلندية هذه المخاوف؛ حيث قامت بفرض مزيد من التخفيضات في برنامج التقشف الجاري. وأشارت تقارير إلى اتجاه الحكومة لتقليص الإنفاق بمقدار 15 مليار يورو (20 مليار دولار)، وزيادة الضرائب  بما يستجيب لشروط حزمة إنقاذ صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي. ويعتقد بعض المحللين أن خطة السنوات الأربع قد لا يصادق عليها البرلمان الأيرلندي في السابع من ديسمبر 2010.

ويرى منتقدو حزمة الإنقاذ أن إجراءات التقشف المعلنة من شأنها عرقلة الاقتصاد الأيرلندي؛ حيث إن الخطة تقتضي تخفيض الحد الأدنى للأجور، وإلغاء آلاف الوظائف من أجل تقليص الإنفاق الحكومي. وهناك أيضاً غضب من أن المواطن العادي سيجبر على أن يتحمل ويعاني من أخطاء ارتكبتها بنوك كبرى، هي المستفيد الأول من حزمة الإنقاذ. وهذا الحنق المتصاعد ظهر للسطح بالفعل في عدة مظاهرات احتجاج في أنحاء أيرلندا، وفجأة بات المشهد السياسي الأيرلندي غير مستقر.

إن السرعة والشدة التي حدثت بهما أزمة أيرلندا صدمت العديد من المراقبين الأوروبيين الذين كانوا قد اعتقدوا أن إنقاذ اليونان في وقت سابق من هذا العام قد احتوى بالفعل آلام ديون منطقة اليورو. ويمكن قياس التدهور المفاجئ للموقف من خلال حقيقة أنه في الخامس عشر من نوفمبر صرح وزير المالية الأيرلندي برايان لينيهان بأن بلاده تستطيع تسديد ديونها بسهولة، وأن حزمة إنقاذ الاتحاد الاوروبي "ليس لها معنى".

ومع ذلك لم تعجب هذه التأكيدات مالكي سندات الدين الأيرلندي الذين أصابهم الذعر حين أصرت ألمانيا على أنه من الضروري أيضاً أن يتحملوا هم أية خسائر محتملة في حال حدوث انهيار اقتصادي. وبطبيعة الحال، صعدت فائدة السندات بشكل هائل إلى نحو تسعة في المائة، واضطر صندوق النقد الدولي والاتحاد الاوروبي للتدخل سريعاً لإنقاذ البنوك الأوروبية المكشوفة على الدين الأيرلندي.

وقد أثارت أزمة الدين الأيرلندي تساؤلات عن مدى جدوى الاتحاد النقدي الأوروبي، وتردد أن مستثمرين عالميين في اقتصادات منطقة اليورو أضحوا أكثر قلقاً اليوم مما كانوا عليه خلال الأزمة اليونانية. ويعطي العديد من خبراء الاقتصاد والمستثمرين عدداً من الأسباب وراء هذا القلق؛ إذ يقال إنه على عكس اليونان، التي زُعم أنها كانت قد تلاعبت بسجلاتها المالية لتثبت أن اقتصادها يفي بكافة متطلبات دخولها الاتحاد الأوروبي عام 2002، انضمت أيرلندا إلى التكتل الأوربي كاقتصاد قوي ونشط. كما أنه يُعتقد أن الحكومة الأيرلندية لم تكن مبذرة في إنفاقها عقب انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، ولكنها وجدت نفسها بشكل ما على حافة الإفلاس اليوم. ومرة أخرى كانت سياسات أيرلندا الاقتصادية شفافة ومتوافقة إلى حد كبير مع توجيهات الاتحاد الأوروبي. في الواقع، عقب أزمة 2008 حظيت أيرلندا بثناء كبير واعتُبرت نموذجا لإتباع برنامج تقشف صارم تمشياً مع وضع الاتحاد الاوروبي. وبالتالي فإن اللوم في كارثة أيرلندا الاقتصادية يقع في المقام الأول على سياسات الاتحاد الأوروبي المعيبة، إن لم يكن على الأساس المعيب الذي بُني عليه الاتحاد نفسه. وتلك الكوارث الاقتصادية لم تحصل سوى على القليل من الدعم من آلية التوازن الأوروبية، التي بدورها لم تحصل بعد على تمويلها اللازم.

ويخشى من أن هذا القلق وسط بعض صناديق الاستثمار عالية المخاطر العالمية البارزة والمستثمرين العالميين قد يثير الشك في أسواق المال بشأن مصير اقتصادات منطقة اليورو الأخرى التي تعاني من أزمات مشابهة مثل البرتغال وإسبانيا. ولقد تحدث العديد من خبراء الاقتصاد (مثل سام بومان من معهد آدم سميث في لندن)، صراحة عن أن "أيام منطقة اليورو أصبحت معدودة"، وأنهم لن يفاجؤوا برؤيتها تنهار خلال السنوات القليلة المقبلة.

ولفهم طبيعة الأزمة الأيرلندية ومدى تأثيرها في باقي أوروبا، فإنه من الضروري دراسة منشئها وأسبابها. فمثل أزمة القروض عالية المخاطر في الولايات المتحدة الأمريكية، يعود سبب أزمة الاقتصاد الأيرلندي عام 2008 إلى انفجار "فقاعة العقارات". وهناك مزاعم بأن السياسات النقدية للبنك المركزي الأوروبي على مدى العقد الماضي، وبشكل خاص أسعار الفائدة المتحفظة، قد غمرت البنوك بسيولة زائدة. فقد عمل ذلك على تحفيز البنوك على تقديم قروض رخيصة لكل من يرغب في شراء منزل أو في بناء متجر. ولذلك ازدهرت أسعار العقارات، وحدثت فقاعة غير مقيدة بأي آلية للعرض والطلب، وبصورة شديدة التسارع. وفي عام 2008 حين بلغ الفارق بين الأسعار والطلب ذروته انفجرت الفقاعة. ولم يعد في مقدور الناس تسديد قروض منازلهم ولا بيعها بسعر قريب من مبالغ قروضهم. ولذا لحقت بالبنوك خسائر فادحة. وإنقاذا للاقتصاد المتعثر، زادت الحكومة الأيرلندية إنفاقها، ومع تزايد دين الحكومة والبنوك بدأ المقرضون الدوليون فرض أسعار فوائد أعلى عملت في المحصلة على زيادة احتمالات عجز الدولة عن السداد.

وأعلن آنذاك صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي عن حزمة إنقاذ. وكان هناك عدة أسباب لهذا التدخل، فقد كانت هناك مخاوف من احتمال انتقال العدوى من بنوك أيرلندا إلى بنوك أوروبا بأسرها؛ حيث إنها كانت اقترضت وأقرضت مبالغ مالية كبيرة من بنوك أوروبية عدة، خصوصاً في ألمانيا وبريطانيا. وكانت هناك مخاوف أيضاً من احتمال هبوط اليورو (العملة النقدية التي تشترك في استخدامها 16 دولة أوروبية من بينها أيرلندا) بشكل حاد، وإصابة أسواق المال الأوروبية بالكساد. والأكثر إرباكا كان احتمال تعثر البرتغال وإسبانيا (وهما تعانيان أصلا من عجز ضخم في الموازنة، واستمرت أسعار الاقتراض فيهما في ازدياد مطرد) إذا عجزت أيرلندا عن السداد. وعلى الرغم من عدم ضخامة الاقتصاد البرتغالي، فإن إسبانيا تشكل نحو 13 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو، وهو الأمر الذي قد يهز الاقتصاد العالمي برمته. وفي الوقت الراهن، يمكن ملاحظة أن الاقتصادات الأوروبية الكبرى مثل إيطاليا وفرنسا لم يعد في مقدورها بث الثقة وسط حاملي سنداتها. فعلى سبيل المثال، يكلف تأمين الدين الفرنسي ضد الإعسار حالياً أكثر مما يكلف في شيلي وماليزيا.

من غير الممكن أن يستخف العالم بوضع الدين السيادي الأوروبي الذي يتدهور بشكل متسارع. فدول مجلس التعاون الخليجي يتعين عليها أن تراقب عن كثب مشهد الدين السيادي الأوروبي المنكشف. وقد عبر، روبرت وورد، أحد مدراء وحدة المعلومات الاقتصادية عن ذلك قائلاً: "هناك مخاوف من أن يقع اليورو تحت الضغط ويضعف، وهذا سيزيد التضخم المستورد الذي تعانيه دول الخليج فعلياً نتيجة ضعف الدولار الأمريكي. أضف إلى ذلك المخاوف من استمرار الأزمات الاقتصادية في أوروبا، والتي تضر بالطلب على النفط، هو ما يؤثر على دول الخليج المصدرة للنفط".

وبينما يدرس مناصرو الاتحاد الأوروبي فكرة صياغة اتحاد مالي للتغلب على عدم ملاءمة الكتلة النقدية، يطلب هؤلاء الذين ينتقصون من قدر الاتحاد الأوروبي من الدول المتأزمة رفض حزم الإنقاذ وإشهار إفلاسها، والخروج من الاتحاد لإتاحة بداية جديدة لاقتصاداتها. وبصرف النظر عن مزايا هذا الجدال، بات واضحاً أن الأزمة الراهنة التي تواجه الاقتصادات الاوروبية ليست فقط اختباراً مريراً لتجربة الاتحاد الأوروبي التي استغرقت عقداً من الزمن، ولكنها اختبار صعب لمصير العولمة وسلامة الاقتصاد العالمي.

Share