هل تكبح تطورات الموقف الأوروبي حملة الاستيطان الإسرائيلية المسعورة؟

  • 18 ديسمبر 2019

بدأت العديد من دول العالم وخاصة في المعسكرات والتجمعات المعروفة تاريخياً بتأييدها لإسرائيل تضيق ذرعاً بالسياسات التوسعية والاستيطانية التي تنتهجها حكومة دولة الاحتلال وخصوصاً في الضفة الغربية المحتلّة ومنطقة غور الأردن، التي تقوض بشكل شبه تام خيار إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، وذلك بالنظر إلى أن تلك السياسات وانعكاساتها على الأرض تقطع أوصال المناطق الفلسطينية وتحول دون إمكانية التواصل الجغرافي بينها.
آخر ردود الأفعال كانت من قبل دولتين عضوين في الاتحاد الأوروبي أعلنتا رفضهما القاطع لخطط وتطلّعات إسرائيل التوسعيّة على حساب الشعب الفلسطيني، وطالبتا دول الاتحاد باتخاذ كل ما يلزم لوضع حدّ لما تمارسه سلطات الاحتلال من سطو على الأراضي الفلسطينية من دون اكتراث بما تضمنته القرارات الدولية التي صدرت بشأن النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي على مدار ما يزيد على أربعين عاماً والتي تؤكّد في مجملها رفض الاحتلال ووجوب تمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة وإبطال كل سياسات فرض الأمر الواقع، ومن دون أي التزام بأي من مضامين الاتفاقات التي وقعت بين طرفي النزاع وفي مقدّمتها اتفاق أوسلو.
لوكسمبورغ كانت أول من بادر من دول الاتحاد الأوروبي بقرع الجرس عندما أعلن وزير خارجيتها جان أسلبورن نهاية الأسبوع الماضي أن على الاتحاد الأوروبي أن يعترف بحق الشعب الفلسطيني في دولته بما يمهّد الطريق لحلّ إقامة الدولتين، مؤكداً في الوقت ذاته أن الهدف من موقف بلاده ليس مناهضة إسرائيل بأي حال من الأحوال، كما أنه ليس معروفاً ولا تفويضاً مفتوحاً للفلسطينيين، وإنما هو تعبير عن رؤيتها لمتطلّبات حل النزاع المحتدم في هذه المنطقة من العالم والذي مرّ على نشوبه قرابة 100 عام، وخلق وضعٍ أكثر عدالة بين إسرائيل والفلسطينيين.
إعلان لوكسمبورغ هذا أثار حفيظة وغضب إسرائيل التي بالكاد استطاعت استيعاب آثاره وتبعاته، لتتلقى ضربة دبلوماسية جديدة بانضمام دولة أخرى عضو في الاتحاد الأوروبي هي إيرلندا إلى مساعي الضغط على الاتحاد لاتخاذ موقف أكثر وضوحاً وحزماً تجاه سلوكيات الضم والاستيطان التي تمارسها إسرائيل، وعدم الانجرار وراء مواقف الولايات المتحدة ورؤيتها في هذا الملف والتي اتسمت بالانحياز المطلق إلى جانب المحتل حينما عبّرت واشنطن عن دعمها للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.
الموقف الإيرلندي الذي يكرّس نهجاً دأبت عليه هذه الدولة في تعاملها مع الملف الفلسطيني، تمثّل في مطالبة حكومة إيرلندا دول الاتحاد الأوروبي باتخاذ خطوات بغية التصدي لأي تدخل إسرائيلي غير مسؤول وغير مشروع في غور الأردن، حيث أكد نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، سيمون كوفيني، خلال حديثه في برلمان بلاده أن مجلس الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي أجرى بطلب منه الأسبوع الماضي مشاورات بشأن النهج الواجب على الاتحاد ممارسته تجاه عملية السلام في الشرق الأوسط بغية «تقديم وحماية القدرة التفاوضية وإيجاد تسوية على أساس مبدأ حل الدولتين الذي يعد عادلاً بالنسبة إلى الإسرائيليين والفلسطينيين، على حد سواء».
المسؤول الإيرلندي أكّد مجدداً أن الضم الزاحف للضفة الغربية عبر توسيع رقعة الاستيطان، وخطر الضم المباشر لأجزاء منها وخاصة غور الأردن سيكون «خطوة غير مقبولة» و«تصرفاً غير مشروع» بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي وإيرلندا على وجه الخصوص.
مبادرات لوكسمبورغ وإيرلندا أثرت إيجابياً في موقف الاتحاد الأوروبي الذي أكّد عقب الإعلان الأمريكي أنه لا يزال يعتقد بأن البناء الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني وفقاً للقانون الدولي، فيما أعلن الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد جوزيب بوريل أن وزراء الخارجية سيناقشون الوضع في الشرق الأوسط وعملية السلام في اجتماعهم المقبل الذي سيعقد في شهر يناير القادم، وهي تطوّرات ستسهم في حال البناء عليها واستثمارها بشكل جيد من قبل القيادة الفلسطينية والجامعة العربية في تشكيل حالة دولية جديدة قد تعيد التوازن إلى ملف تسوية النزاع وتكبح جماح حالة الانفلات التي يمارسها الاحتلال، وتحدّ من هجمته الاستيطانية المسعورة على الأرض الفلسطينية، والتي تزداد شراسة في ظل الدعم الأمريكي المطلق.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات