هل تفقد الولايات المتحدة هيمنتها العالمية؟

فتوح هيكل: هل تفقد الولايات المتحدة هيمنتها العالمية؟

  • 23 سبتمبر 2008

لم تواجه القيادة الأمريكية للعالم مأزقاً حقيقياً منذ انهيار الاتحاد السوفيتي السابق عام 1990، مثلما هو حادث اليوم؛ فنظرة سريعة على الأحداث التي يشهدها العالم شرقاً وغرباً، تثبت أن ادعاءات واشنطن حول هيمنتها العالمية في عالم أحادي القطبية بعد انتهاء الحرب الباردة كان مبالغاً فيها، وأن قدرتها على قيادة العالم والتعامل مع أزماته المختلفة قد تراجعت إلى حد كبير، ولاسيما مع تفاقم أزماتها المالية والسياسية، بشكل جعل كثيراً من المحللين يتحدثون عن بداية نظام عالمي جديد لا يخضع لتوجيه وسيطرة القطب الأمريكي كقوة عظمى وحيدة في العالم.

 هناك العديد من المؤشرات الدالة على هذا المأزق، والتي تكشف إلى حد كبير حدود العجز الأمريكي في مواجهة مشكلات العالم والتعاطي معها، ومن ذلك على سبيل المثال حرب جورجيا الأخيرة؛ فالقوة العظمى الوحيدة في العالم لم تستطع ردع قوة أقل منها كثيراً مثل روسيا عن شن حرب مدمرة على دولة حليفة لها في منطقة القوقاز، ولم تنجح في الضغط على موسكو لوقف هذه الحرب، وجُل ما فعلته كان توجيه الانتقادات للخطوة الروسية، وتقديم الدعم المالي لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، تاركة مهمة إنهاء هذه الحرب للرئيس الفرنسي "نيكولا ساركوزي"، الذي ترأس بلاده الاتحاد الأوروبي. صحيح أن واشنطن اتخذت بعض الإجراءات العقابية ضد روسيا، مثل تعليق الاتفاق النووي معها في المجال المدني، كما جمد الاتحاد الأوروبي مفاوضاته الجارية معها حول اتفاق الشراكة إلى أن تسحب قواتها من جورجيا، لكن هذه الخطوات لم تجعل روسيا تتراجع عن مواقفها، بل صعدت من تحديها للغرب وللولايات المتحدة عبر إعلان اعترافها الرسمي باستقلال إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، والتهديد باستهداف الدرع الصاروخية الأمريكية في حال تم نشرها في بولندا أو جمهورية التشيك، كما أعلنت رفضها القاطع للهيمنة الأمريكية على العالم؛ حيث أكد الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف أن بلاده لا يمكنها القبول بنظام عالمي تقتصر فيه سلطة اتخاذ القرارات على دولة واحدة، حتى وإن كانت دولة كبرى مثل الولايات المتحدة، قائلاً: "العالم يجب أن يكون متعدد الأقطاب، إن عالماً أحادي القطب هو عالم مرفوض". وبالرغم من هذا التحدي والتصعيد الروسي في مواجهة واشنطن؛ فإنه من غير المتوقع أن تصعد الولايات المتحدة والغرب إجراءاتهما العقابية ضد موسكو، ببساطة لأن أوروبا تعتمد كثيراً على موارد النفط والغاز الروسية؛ ولأن الولايات المتحدة تحتاج إلى مساعدة موسكو في أفغانستان وإيران.

 عجز واشنطن عن مواجهة التحدي الروسي، سبقه عجز آخر في التعامل مع أزمة البرنامج النووي الإيراني؛ فرغم نجاحها في استصدار عدد من القرارات الدولية من مجلس الأمن تم بموجبها فرض بعض العقوبات على طهران لإجبارها على وقف عملية تخصيب اليورانيوم، ورغم تهديداتها المستمرة بالإبقاء على الخيار العسكري في التعامل مع هذا الملف؛ فإنها لم تتمكن من إنهاء هذه الأزمة، ولم تستطع اتخاذ أي خطوة عسكرية في مواجهة إيران لحملها على تسوية هذه الأزمة، على العكس من ذلك، صعّدت الأخيرة من مواقفها وتحديها لواشنطن من خلال الإسراع بعمليات التخصيب، وإظهار عناصر قوتها، والتهديد باستهداف المصالح الأمريكية في المنطقة والعالم في حال لجأت واشنطن إلى الخيار العسكري بالفعل.

 ويتوقع كثير من المحللين أن يفاقم التوتر الحالي بين روسيا والولايات المتحدة بسبب الحرب الجورجية من حدة المأزق الأمريكي في التعامل الملف النووي الإيراني؛ لأن استمرار هذا التوتر والتصعيد المتبادل سيدفع روسيا إلى تعزيز تعاونها النووي والعسكري مع طهران، والوقوف في وجه أي محاولات أمريكية جديدة لفرض مزيد من العقوبات الدولية على إيران، الأمر الذي من شأنه أن يشجع الأخيرة على المضي قدماً في برنامجها النووي، وقد ألمح رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين إلى ذلك في حوار مع إحدى شبكات التلفزيون الأمريكية، قائلاً: "سيتعين على الدول الغربية أن تحل المواجهة بشأن طموحات إيران النووية من دون مساعدة من روسيا إذا رفضت التعاون مع موسكو في الأزمة الجورجية"، كما أعلنت مصادر في وزارة الدفاع الإسرائيلية أن إيران اشترت منظومة صواريخ روسية متطورة مضادة للطائرات، معتبرة أن هذا الأمر سيزيد من صعوبة شن أي هجوم على المنشآت النووية الإيرانية، وهو الأمر الذي نفته طهران.

 وتمثل أفغانستان مؤشراً آخر على عجز القوة الأمريكية؛ فبعد أكثر من سبع سنوات من غزو هذا البلد واحتلاله لا تزال القوة العظمى وحلفاؤها في الناتو عاجزين عن إعادة الاستقرار والنظام إلى هذا البلد، بل على العكس تشير العديد من التقارير إلى تنامي قوة حركة طالبان وعناصر القاعدة المتحالفة معها، وهو ما ينعكس بوضوح في العمليات النوعية التي نفذتها ضد قوات التحالف (مهاجمة سجن مدينة قندهار في يونيو/حزيران 2008 وإطلاق سراح جميع سجنائه البالغ عددهم قرابة 1500 سجين، وقتل جنود فرنسيين خلال شهر أغسطس/آب الماضي،..إلخ)، واستعادة الحركة نفوذها وسيطرتها على بعض المدن الأفغانية. وفي العراق، وبالرغم من إعلان وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس قبل أيام أن بلاده وصلت إلى "نهاية اللعبة" في هذا البلد؛ فإن استمرار العمليات الإرهابية التي يشهدها العراق، والتي تصاعدت مؤخراً  وأصبحت أكثر حدة وإيلاماً بعد فترة من التراجع، واستمرار الأزمة السياسية بين الطوائف والقوى العراقية المختلفة، يؤكدان فشل المشروع الأمريكي، ليس فقط للعراق، ولكن لمنطقة الشرق الأوسط ككل؛ فغزو العراق عام 2003 لم يكن سوى رأس حربة لمشروع الشرق الأوسط الكبير أو الموسع، كما تعثر المشروع الأمريكي لنشر الإصلاح والديمقراطية في المنطقة، بعد أن أدت الضغوط التي مارستها واشنطن في هذا الصدد إلى صعود القوى المتشددة المناهضة للسياسة الأمريكية إلى مراكز صنع القرار (نجاح حماس في الانتخابات الفلسطينية، حركة الإخوان المسلمين في انتخابات مجلس الشعب المصري الأخيرة).

وتمثل كوريا الشمالية قصة فشل أخرى؛ فبعد نجاح واشنطن في إقناع النظام الشيوعي الحاكم في بيونج يانج بوقف برنامجه النووي، عاد وأعلن يوم 26 أغسطس/آب 2008 عن وقف عملية تفكيك منشآته النووية، وتوجهه لإعادة تشغيلها بسبب عدم التزام الولايات المتحدة بوعدها الخاص برفع اسم كوريا الشمالية من قائمتها الخاصة بالدول التي ترعى الإرهاب.

 ولا يمكننا هنا تجاهل حالة الركود التي يشهدها الاقتصاد الأمريكي، والتراجع الملحوظ في قيمة الدولار الأمريكي نتيجة أزمة الرهن العقاري وتراجع معدلات النمو الاقتصادي بشكل عام؛ فكلها تمثل خصماً من رصيد القوة الأمريكية الشاملة. وقد شهد النظام المالي الأمريكي خلال الأشهر القليلة الماضية عدة أزمات واضطرابات شديدة ألقت بتبعاتها على مجمل الاقتصاد العالمي، لا سيما بعد الإعلان عن إفلاس بنك ليمان برذرز، رابع أكبر بنك استثماري في أمريكا، وشراء بنك أوف أمريكا لبنك ميريل لينش، أحد البنوك الاستثمارية الأربعة الكبار، بقيمة 50 مليار دولار لتجنيبه مصير الإفلاس، وقيام واشنطن بتأميم شركتي الإقراض العقاري الرئيسيتين فريدي ماك وفاني ماي لتجنب انهيارهما نتيجة أزمة الرهن العقاري قبل أسابيع، فيما تزداد المخاوف من إمكانية تعرض البنكين الاستثماريين الباقيين من الأربعة الكبار: جولدمان ساكس ومورجان ستانلي للمصير ذاته، وتضع هذه الأزمة المالية، التي وصفها رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي السابق آلان جرينسبان بأنها الأسوأ في تاريخ الولايات المتحدة، الاقتصاد الأمريكي في مأزق كبير.

 لقد أسهمت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش في خلق وتعميق المأزق العالمي الحالي الذي تعيشه الولايات المتحدة نتيجة السياسات الفردية الخاطئة التي تعاطت بها مع مختلف الأزمات العالمية؛ فتوريط القوات الأمريكية في مستنقعي العراق وأفغانستان كبل القدرة العسكرية الأمريكية إلى حد كبير؛ بحيث أصبحت واشنطن غير قادرة على استخدام قوتها العسكرية في ردع أية قوى إقليمية أو دولية أخرى؛ لأن الجميع باتوا يعرفون حقيقة المأزق العسكري الذي تعانيه في البلدين، وهو ما أعطى الفرصة لدول مثل إيران وكوريا الشمالية وغيرها لتحدي واشنطن دون خوف من ردع أو عقاب، كما أن غزو هذين البلدين صب بشكل مباشر في مصلحة إيران؛ لأنه قضى على نظامين معاديين لنظام طهران وخلق حالة من الفوضى استغلها الأخير في تعزيز نفوذه في البلدين؛ فضلاً عن مساهمته في تعميق حدة الأزمة الاقتصادية الأمريكية؛ نظراً للنفقات الباهظة لهذه العمليات العسكرية، والتي اقتربت، بحسب بعض الدراسات الحديثة، من حاجز التريليون دولار. كما أثارت السياسة التي اتبعتها واشنطن وحلفاؤها تجاه روسيا (الإعلان عن نشر منظومة الدرع الصاروخي في الدول المحيطة بها، والتوسع الملحوظ لحلف الناتو بالقرب من حدودها المباشرة) مخاوف هذه الدولة الكبرى، ودفعها إلى تبني سياسات أكثر تشدداً في الدفاع عن مصالحها الحيوية، كما حدث في الحرب الأخيرة على جورجيا.

 ولا يعني ما سبق بطبيعة الحال أن الولايات المتحدة فقدت مكانتها وهيمنتها العالمية؛ فبحساب معايير القوة الشاملة مازالت هي القوة العظمى الوحيدة في العالم، لكن هذه القوة تواجه اليوم مأزقاً صعباً بسبب السياسات الانفرادية لإدارة بوش، وبالتالي فإن الخروج من هذا المأزق لن يتأتى إلا من خلال تفعيل التعاون الدولي في مواجهة أزمات العالم المختلفة؛ فمهما بلغت الولايات المتحدة من قوة؛ فإنها لن تستطيع مواجهة الأزمات العالمية المختلفة بمفردها، ومن هنا فإن مهمة الرئيس الأمريكي القادم ينبغي أن تركز على كيفية بناء وتعزيز التعاون مع مختلف دول العالم والمنظمات الدولية المختلفة، لا سيما الأمم المتحدة، بما يضمن مواجهة الأزمات العالمية المعقدة والمتشابكة، ويحقق للمجتمع الدولي الأمن والاستقرار المنشودين.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات