هل تصل رياح الثورة والتغيير إلى إيران؟

  • 27 مارس 2011

من المعروف أن لكل بلد ظروفه وتراثه الاجتماعي وثقافته وتقاليده السياسية وخصوصيته التي تنعكس على درجة تأثره بما يحدث من تطورات سياسية في دول أو مناطق أخرى. وإذا كان تأثير تداعيات ثورتي مصر وتونس، كان واضحاً وسريع نسبياً على باقي أجزاء الوطن العربي، وإن تباينت درجة التأثير ومداه من دولة عربية لأخرى، فإن ذلك يعود إلى أن هذه الدول تقع في منطقة انتماء قومي وثقافي وقيمي مشترك، وذات ظروف متشابهة، وإن اختلفت في الدرجة. ولكن إلى أي مدى يمكن أن تؤثر الأحداث في المنطقة العربية على الأوضاع في إيران الواقعة في منطقة الجوار؟

يرى بعض المحللين أن هذا التأثير سيظل محدوداً نسبياً؛ نظراً لاختلاف التراث الاجتماعي والثقافة السياسية في المنطقتين، إضافة إلى حاجز الفاصل اللغوي. غير أن تياراً آخر من المحللين يرى أنه مع الأخذ في الاعتبار هذه العوامل، فإن الأمر لا يبدو بهذه الصورة النمطية الجامدة. فنحن نعيش عصر السماوات المفتوحة وانتشار وسائل الاتصال الاجتماعي الحديثة التي اخترقت الحدود وتجاوزت الفواصل اللغوية، فضلاً عن أن نسبة لا بأس بها من الشعب الإيراني تفهم اللغة العربية أو تتقنها، وتتابع باهتمام تطورات الأحداث في المنطقة العربية المجاورة، ناهيك عن الروابط الثقافية التي تجمع بين دول المنطقة وإيران، التي أصبحت بدورها طرفاً في أكثر من قضية عربية تشابكت من خلالها الرؤى والمصالح والأفكار.

لهذه الاعتبارات وغيرها، كان النظام الإيراني يشعر بالقلق والخوف من انتقال رياح الثورة والتغيير إلى إيران، وقد تبدى هذا القلق في حالة الارتباك التي تعاطى بها هذا النظام على أعلى مستوياته مع التطورات التي تشهدها المنطقة العربية، ففي الوقت الذي أظهر فيه المرشد الأعلى علي خامنئي تأييده ثورتي مصر وتونس، زاعماً أنهما تسيران على هدى الثورة الإيرانية، رغم ما في هذا القول من مغالطات، رفضت السلطات الإيرانية منح الأذن بالتظاهر للمعارضة للترحيب بهما، بل ذهبت إلى حد وصف مثل هذه التظاهرات بأنها مأجورة ومدفوعة من قوى أجنبية لإثارة الفوضى في إيران، كما قام بقطع وسائل الاتصال الاجتماعي عبر الشبكة العنكبوتية وحجبها في بعض الفترات.

وفي الواقع فإن النظام الإيراني يعيش منذ يونيو 2009 في أزمة سياسية معقدة نتيجة الانتخابات الرئاسية التي شابتها تجاوزات عدة دفعت المعارضة الإصلاحية إلى التشكيك في شرعية انتخاب أحمدي نجاد، كان أبرزها خروج خامنئي عن حياده المفترض بإعلانه المبكر تأييده لنجاد، وانسياق باقي المؤسسات في هذا الاتجاه، وإعلان وزارة الداخلية فوز نجاد قبل إعلان نتائج الفرز النهائية.. إلخ، الأمر الذي تسبب في خلق حالة من الشك في نتائج الانتخابات ظلت حاضرة في أذهان غالبية الإيرانيين حتى الآن، وأفقدت المرشد الأعلى والمؤسسة الدينية قدراً كبيراً من مكانتها واحترامها، وهو ما يذكرنا بحالة التزوير واسعة النطاق التي جرت في انتخابات مجلسي الشعب والشورى الأخيرة في مصر، والتي مثلت استهانة بالغة بالرأي العام المصري، وكانت في مقدمة أسباب إثارة الغضب الشعبي ومحفزاً للثورة المصرية.

وكان لحالة فقدان المصداقية التي بدأ يعاني منها النظام بعد الانتخابات الأخيرة انعكاساته أيضاً على قدرة النظام على إدارة الخلافات الداخلية، فالصراعات والخلافات بين أجنحة السلطة في إيران والتي كانت في الفترة السابقة تحل في إطار تسويات سياسية، أو بالاحتكام إلى المؤسسات الرسمية أو بالانصياع إلى توجيهات المرشد الأعلى، شهدت تطورات خطيرة في المرحلة التالية لإعلان نتائج الانتخابات الرئاسية، أصبحت تنذر بتحولات غير مسبوقة؛ حيث أصبحت لغة الخطاب السياسي بين أقطاب السلطة والمعارضة لغة خشنة وتجريحية ومتجاوزة. ومن ذلك مثلاً وصف سالار آبنوش، أحد قادة " الحرس الثوري" المعارضة بـ" الماشية"، وهو ما يذكرنا بوصف القذافي للمعارضين بـ"الجرذان والحشرات".

وقد استمرت حملات تشويه سمعة المعارضة، والتوسع في القبض على قياداتها مع توالي المظاهرات في طهران وعدد من المدن الإيرانية التي شهدت صدامات دامية على مدى عدة أيام خلال شهر فبراير الماضي (2011)، وهو ما كان يشير إلى دخول الثورة الإيرانية في منعطف خطير، نتيجة تزايد عسكرة النظام، الذي وجه ضربات متتالية للمعارضة، وأدى عملياً إلى انحسار التعددية السياسية التي كانت تعتبر في السابق متنفساً وصماماً لأي احتقان داخلي.

وفي الواقع، فإن المظاهرات التي شهدتها إيران في الفترة الأخيرة لم تكن مقتصرة على نتائج الانتخابات الرئاسية، بل تجاوزتها إلى المطالبة بإجراء تعديلات على صلاحيات المرشد الأعلى وسلطاته، ورأى فيها رجال السلطة أن هدفها النهائي هو إسقاط النظام الإيراني نفسه، ولذلك استبقوا تطورات الأحداث بزيادة العمليات القمعية ضد المعارضين والتوسع في اعتقالهم بشكل غير مسبوق، وهو ما ُعد دليلاً على ضعف متزايد للنظام.

ويلاحظ المتابع لمسار تطور الثورة الإيرانية أن ثمة مؤشرات جديدة على حدوث انشقاق متزايد في الجبهة الداخلية، فإيران تعيش حالياً حالة من الانفصام بين الثورة والدولة، وكلما تراجع زخم الثورة وتزايد ابتعاد الجمهور عنها، تزايد قمع النظام للمعارضين لها. كما برز مؤخراً انقسام فكري وفلسفي آخر بين أقطاب النظام الإيراني ونخبه حول مرجعية الدولة، هل هي المرجعية الفارسية أم المرجعية الإسلامية؟ وتمثل أحد أشكال هذا الانقسام في الانتقادات المتبادلة والخشنة بين فصيل أحمدي نجاد من جانب، الذي سعى إلى إعلاء الأولى على الثانية، والفصيل الذي يقوده آية الله صادق لاريجاني رئيس السلطة القضائية، وعلى لاريجاني رئيس مجلس الشورى، الذي يشدد على المرجعية الإسلامية من جانب آخر، حيث وصف محمد رضا باهونار، نائب هذا المجلس، ترويج أحمدي نجاد ومدير مكتبه لـ"مدرسة الفكر الإيراني الفارسي" بدلاً من التشديد على "الفكر الإسلامي" بـ "الفتنة"، وسبب هذا التوجه الجديد لنجاد قلقاً لدى المحافظين المتشددين ودفعهم لتهديده بالمساءلة البرلمانية.

وجاء أسلوب التعامل مع رافسنجاني، أحد الشخصيات البارزة في الثورة الإيرانية، باقصاءه عن منصب رئيس "مجلس الخبراء" واتهامه وأسرته بالفساد، معبراً عما أسماه بعض المتابعين بـ "تفكيك نخبة النظام"، ولم يخف رفسنجاني استياءه من ذلك، واعتبره متناقضاً مع القيم التي جاءت بها الثورة.

ومما يزيد من تعقيد المشهد الإيراني الداخلي أن النظام الإيراني مازال –رغم أزماته– يسعى للتمدد خارجياً كي يحظى أقطابه بشعبية تعوض تراجعها في الداخل، وإلهاء الشعب الإيراني عن مشكلاته الداخلية، غير أن هذا التمدد الخارجي، إضافة إلى تكاليف عسكرة النظام الباهظة والمشروع النووي المراوغ، زاد من أعباء إيران المالية على حساب تنمية الداخل، وأدى إلى رفع الدعم عن السلع الأساسية. وقد أعد "مركز الإحصاء القومي" الإيراني تقريراً في فبراير 2011، أوضح فيه أن نصف سكان المدن يعيشون تحت خط الفقر، في بلد غني بالنفط والغاز، ويقدر دخله منها بأكثر من ستين مليار دولار، إضافة للموارد الأخرى. وتسبب ذلك في تزايد نطاق الاستياء الشعبي بسبب بعثرة هذه الموارد التى تنفق على "حزب الله" و"حماس" والطموحات الخارجية الأخرى، والتي أدت في النهاية إلى فرض العقوبات الدولية على إيران.
هذه الأسباب وغيرها دفعت المحللين السياسيين إلى التساؤل عما إذا كانت إيران قد أصبحت مرشحة للثورة على نسق ما حدث ويحدث في المنطقة العربية وخاصة مصر وتونس؟

هناك نقاط تبدو إيجابية في صالح النظام الإيراني، في مقدمتها عدم الرضوخ للإملاءات الأمريكية-الإسرائيلية، ودعمها للمقاومة في لبنان وفلسطين وغيرهما، والتمسك بالمشروع النووي الإيراني الذي أصبح بمنزلة مشروع قومي، فضلاً عن محاولة الظهور بمظهر المدافع عن الشيعة في العالم. كل هذه الأمور أكسبت النظام شعبية لدى بعض فئات الشعب الإيراني، ما يجعل سيناريو مصر وتونس غير مرجح، ولاسيما في ظل الاعتبارات التالية:

  1. على الرغم من أن أسباب عدم الرضا متعددة داخل المجتمع الإيراني، ومبررات تصاعدها مازالت قائمة، فإنها لا تشكل حتى الآن تهديداً لكيان النظام الإيراني، ولم يصل الوضع الداخلي إلى حالة من الغضب الشعبي العام الذى يسبق العاصفة (الثورة).
  2. إن التعدد العرقي للمجتمع الإيراني لا يسهل عملية التنسيق بين قوى المعارضة، ولا يساعد بالتالي على إقامة جبهة معارضة موحدة، بعكس واقع حالتي مصر وتونس اللتين تتسمان بعدم وجود انقسامات عرقية من ناحية، وتوافر عوامل الوحدة الوطنية إلى حد كبير من ناحية أخرى، مما ساعدهما على تكوين جبهتي معارضة موحدة، مازالتا صامدتين أمام قوى الثورة المضادة.
  3. هناك فارق جوهري آخر بين حالة ثورتي مصر وتونس والحالة الإيرانية يتمثل في افتقاد قوى التغيير الإيرانية لدعم الجناح العسكري الإيراني. فقد انحاز الجيش في مصر وتونس إلى جانب المتظاهرين، بل وقدم نفسه كضامن وحارس لمطالبهم خلال المرحلة الانتقالية، وأمن بذلك ظهر الثائرين، لكن بالمقابل، نجد أن قوات "الحرس الثوري" الإيراني تعتبر نفسها الحامي الأول للنظام الإيراني، وتتحالف مع المؤسسة الدينية، لإحكام السيطرة على الأوضاع الداخلية وإحباط حركات الاحتجاج الشعبية الرامية إلى إحداث التغيير.

غير أن الأمر ليس جامداً، وسيتوقف في النهاية على مدى قدرة حركات الاحتجاج الشعبي على الصمود وتقديم مزيد من التضحيات لاختراق حاجز الخوف، في مواجهة تركيبة السطوة الدينية المعززة بقوة الحرس الثوري والباسيج. وقد وضح أن المعارضة الإيرانية بأطيافها المختلفة مازالت صامدة رغم عمليات القمع المتواصلة، وكلما ردد النظام الإيراني أنها تحللت وقضّى عليها، سرعان ما تعود إلى الساحة من جديد، بأشكال مختلفة، ما يعنى أن الجمر مازال تحت الرماد.

كما أوضحت متابعة تطور الأحداث داخل إيران أن قادتها مازالوا يقعون في نفس أخطاء بعض الأنظمة العربية، ولاسيما تلك المتعلقة بالقراءة غير الصحيحة لدلالات الحركات الاحتجاجية الشعبية وحقيقة ما تعكسه، وبالتالي يخرجون باستنتاجات خاطئة، بتفسيرها على أنها مجرد صراعات ثانوية، في الوقت الذي تعبر فيه عن رغبة شعبية في التغيير الشامل، وبالتالي يستمر مسلسل التقليل من أهمية هذه الاحتجاجات، مما يجعلها تأخذ شكل الغضب المكبوت الذى ينتظر لحظة الانفجار في أي وقت، ومن هنا يجيء مكمن الخطر.

لكن علينا أن نتذكر أن الأوضاع السياسية الراهنة في إيران ليست من الثوابت، فقد سبق أن ثار الشعب الإيراني ضد جبروت الشاه وقواه وبطشه. إن الفشل في تبني النظام الإيراني مبادرات الانفتاح على حركات المعارضة وإجراء حوار جاد معها، سوف يجعل مجالات الاختيار أمام النظام الإيراني محدودة أكثر فأكثر في المستقبل. وقد أكدت ثورتا مصر وتونس أن انعدام قنوات الحوار، يدفع الثورة الشعبية لأن تصبح البديل لإحداث التغيير مهما طال الزمن وتعددت وسائل القمع، ولذا سيظل ميدان معركة التغيير السياسي في إيران مفتوحاً على كل الاحتمالات.

Share