هل تشهد المنطقة حرباً إقليمية جديدة؟!

د. عبدالغفار الدويك: هل تشهد المنطقة حرباً إقليمية جديدة؟!

  • 4 نوفمبر 2009

عقب حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، أعلن الرئيس المصري الراحل أنور السادات أن تلك الحرب هي آخر الحروب النظامية بين العرب وإسرائيل، ورفع شعار المفاوضات، وليس السلاح، كطريق لحل الصراع العربي-الإسرائيلي، كما قام بزيارة إسرائيل ووقع اتفاقية سلام معها. وكان المأمول أن تتعامل إسرائيل بصورة إيجابية مع هذه الرغبة في تحقيق السلام والوصول إلى تسوية سلمية عادلة تضع حداً للصراع الدائر في المنطقة، غير أن الآمال كانت تصطدم دائماً بسياسات إسرائيل العدوانية، وطموحاتها التوسعية، ورغبتها في فرض الأمر الواقع في المنطقة من خلال الضغط والقهر والإجبار.

وهناك عشرات الأمثلة التي وقعت بعد حرب 1973 وتعكس بوضوح هذا النمط العدواني، ففي عام 1981 قامت إسرائيل بضرب المفاعل النووي العراقي، وفي عام 1982 حاولت فرض أمر واقع على مصر محاولة اقتطاع مدينة طابا المصرية، وهو أمر كان يهدد بنسف اتفاق السلام المبرم بين البلدين، وتم حسم الأمر في النهاية باللجوء إلى محكمة العدل الدولية التي قضت بتبعية المدينة لمصر. وفي العام نفسه قامت إسرائيل بغزو لبنان وتدميره، وتلا ذلك قيامها بقصف مقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس عام 1985. ولم يتوقف هذا السلوك العدواني، بل كان يزداد وحشية مع مرور الوقت، وبرز في أسوأ أشكاله في حربي لبنان 2006 (التي مُنيت فيها إسرائيل بهزيمة لا ينكرها أحد) وغزة 2009 (التي كشفت فيها صراحة عن نوازعها الفاشية واللاإنسانية؛ حيث أدانها تقرير ريتشارد جولدستون بارتكاب جرائم حرب). وكان الهدف من كل هذه العمليات العدوانية والتصرفات الاستفزازية، هو طرح متغيرات جديدة وخلق مناخ دائم من التهديد في المنطقة لدفع الأطراف الأخرى إلى القبول بالإملاءات الإسرائيلية..!!

وبالرغم من توقيعها اتفاقيات سلام مع العرب (مع مصر عام 1978، ثم اتفاقية أوسلو عام 1993، واتفاقية السلام الأردنية-الإسرائيلية عام 1994)، فإن إسرائيل لم تكن تتردد في النكوص عن تعهداتها في هذه الاتفاقيات، والتراجع عن أمور تم التوصل إليها بعد مفاوضات طويلة، على نحو ما حدث مع سورية عام 1996، وتكرر مراراً مع الجانب الفلسطيني، ضاربة عرض الحائط بالأسس المرجعية التي صيغت في مدريد وأوسلو. والغريب أنها كانت، ومازالت، تسعى إلى تحميل الجانب العربي مسؤولية الفشل في تحقيق السلام من خلال التركيز على ثلاثة ادعاءات لا يجد أي متابع عناءً في دحضها وإثبات زيفها، الأول: أن إسرائيل راغبة في تحقيق السلام في المنطقة، ولكن الرفض العربي لشرعية الوجود الصهيوني هو الذي يحول دون ذلك. والثاني: أن سياسات إسرائيل وعملياتها العسكرية تجاه محيطها العربي هي نوع من الدفاع عن النفس. والثالث: أن المقاومة الفلسطينية -التي تروج لها إسرائيل بأنها عمليات إرهابية- هي التي تمنع إسرائيل من التقدم نحو السلام.

على هذه الخلفية، يرى العديد من المراقبين أن فرص حدوث حرب إقليمية جديدة (متعددة الأطراف) تبدو واردة وبقوة، ولاسيما أن حكومة نتنياهو المتشددة جاءت إلى السلطة بمتغيرين جوهريين على مستوى الأولويات الاستراتيجية قد يتسببان في إشعال المنطقة، هما: التركيز على خطر التهديد الإيراني لإسرائيل من خلال مشروعها النووي. ورفض مبدأ حل الدولتين مع الإصرار على مواصلة النشاط الاستيطاني والعبث بالمقدسات الدينية.

وبينما يرى بعضهم أن المتغير الثاني قد لا يؤدي مباشرة إلى اندلاع حرب إقليمية واسعة في المنطقة، على أساس أن الجانب العربي لا يبدو مستعداً لمثل هذه الحرب في ظل حالة الضعف والانقسام الواضح التي يعانيها حالياً، فإن سيناريو حدوث حرب محدودة، ثم اتساعها إقليمياً، لا يمكن استبعاده، خاصة أن تطورات الأحداث في الحروب لا يمكن التنبؤ بها. فلو افترضنا مثلاً أن إسرائيل قامت بالعدوان على لبنان بحجة القضاء على تهديد حزب الله اللبناني، وهو أمر غير مستبعد في ضوء رغبتها استعادة هيبتها التي انكسرت في حرب 2006، فإن احتمال اتساع نطاق هذه الحرب ليشمل سورية أو إيران يبدو وارداً في ظل الدعم الذي ستقدمه الدولتان إلى حزب الله.

أما المتغير الأول، الخاص بالتهديد النووي الإيراني، فإن الجدل بشأنه لا يتوقف؛ حيث يذهب الرأي الراجح إلى القول بأن سيناريو اندلاع حرب بين إيران وإسرائيل بسبب الملف النووي الإيراني لا يمكن استبعاده؛ لأن إسرائيل لن تقبل بأي حال من الأحوال بامتلاك إيران -التي هدد قادتها بمحوها من الخريطة- القنبلة النووية؛ لأن ذلك سيخلق خللاً كبيراً في ميزان القوى في المنطقة لغير صالحها، وهي تنظر إلى هذا التهديد بوصفه تهديداً وجودياً لكيانها. وفي ظل الإصرار الإيراني الراهن على المضي قدماً في البرنامج النووي وامتلاك دورة الوقود كاملة، وفي ظل التقارير الاستخباراتية التي تشير إلى اقتراب إيران من امتلاك السلاح النووي، فإن إسرائيل قد لا تجد بديلاً عن شن عمليات عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية، على أساس أن خطر مواجهة إيران الآن سيكون -مهما كانت نتائجه- أقل من خطر امتلاكها السلاح النووي.

ويدّعم أنصار هذا الاتجاه رؤيتهم بالمناورات العسكرية المتعددة التي أجرتها إسرائيل في الفترة الأخيرة، والتي تستهدف، طبقاً لهم، إعداد الجيش الإسرائيلي لحرب جديدة أوسع نطاقاً. فمع إطلالة يونيو/حزيران الماضي شرعت إسرائيل في إجراء مناورة عسكرية تعد الأضخم والأكبر في تاريخها، حملت اسم "نقطة تحول 3"، شاركت فيها جميع قطاعات المجتمع الإسرائيلي، وهي مناورة استراتيجية شاملة لا تجري بهذا الحجم إلا في حال وجود تهديد قومي يستلزم استنفار الدولة من أجل الاستعداد لحرب شاملة، كما أعلنت القيادة الإسرائيلية أنه سيتم في العام 2010 تحسين جاهزية الجبهة الداخلية لمواجهة أي ظروف طارئة. وفي شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تم إجراء أضخم مناورة دفاع جوي في إسرائيل بالتعاون مع الجيش الأمريكي؛ حيث شارك فيها نحو 10 آلاف مقاتل من كل جانب، كما شاركت قطع بحرية أمريكية في المناورات. ومن متابعة سير عمليات المناورة يتأكد الالتزام السياسي والعسكري الأمريكي بحماية إسرائيل من أي هجوم بالصواريخ بعيدة المدى، كتلك التي تمتلكها إيران. وقد رأى بعض الخبراء في هذه المناورات مقدمة لسيناريو حرب إقليمية جديدة في المنطقة، لاسيما وأن إسرائيل تؤكد أن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً في مواجهة القوى الإقليمية المناوئة لسياساتها.

يؤكد ذلك ما ذهب إليه رئيس شعبة التخطيط في الجيش الإسرائيلي، الجنرال أمير إيشل، في المقابلة التي أجرتها معه صحيفة هآرتس الإسرائيلية في سبتمبر/أيلول الماضي، عندما ذكر أن العام 2010 سيكون "عام الحسم بالنسبة للأمن الإسرائيلي"، موضحاً أنه في هذا العام سيظهر بجلاء ما سيؤول إليه الحوار بين إيران والغرب حول المشروع النووي، ومدى جدوى العقوبات التي قد تفرض على طهران، وحينها سيظهر ما إذا كانت القيادة الإسرائيلية قد حسمت أمرها بشأن اللجوء إلى عمل هجومي أم لا. وأقر إيشل، الذي يعد مسؤولاً عــن تحليل المخاطر والتهديدات التي تتعرض لها إسرائيل ووضع استراتيجيات مواجهتها، بأن الهجوم الإسرائيلي على إيران، إذا حدث، سيقود إلى تسخين الجبهتين الشمالية والجنوبية، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي يتدرب لمواجهة أسوأ السيناريوهات.

وبالرغم من استبعاد بعض المحللين إمكانية أن تقدم إسرائيل على توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، على أساس أنها لا تملك المعلومات الكافية حول هذه المنشآت، كما أنها تدرك أنها ستتعرض لردود انتقامية قوية من جانب طهران وحلفائها في المنطقة، لاسيما حزب الله اللبناني، فإن ذلك لا يمثل مبرراً قوياً للوصول إلى هذا الاستنتاج؛ لأن إسرائيل، وكما ذكرنا، ترى أن امتلاك طهران للأسلحة النووية، سيكون أخطر على أمنها القومي من أي سيناريو آخر، ومن هنا يمكن تفهم دعوة وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، التي وجهها في حواره مع صحيفة "لوموند" الفرنسية يوم 19 سبتمبر/أيلول الماضي، والتي أكد فيها ضرورة "العمل من دون إضاعة للوقت على الإطاحة بالنظام الشرير في طهران"!. وإذا أخذنا بعين الاعتبار ما تم الكشف عنه مؤخراً من قيام إيران ببناء مفاعل نووي سري في مدينة "قم" لتخصيب اليورانيوم، فإنه يمكننا توقّع قيام إسرائيل بتصرف ما في المستقبل المنظور يؤدي إلى إشعال المنطقة.

إن المؤشرات الراهنة تنذر بأن المنطقة مقبلة على حرب إقليمية خطيرة، ولا بد أن السيدة هيلاري أدركت ذلك، وحاولت أن ترسل إشارات تهديد إلى إيران عندما أكدت أن أي هجوم على إسرائيل سيكون بمنزلة هجوم على الولايات المتحدة. غير أن الخطورة لا تأتي من إيران، فمن المستبعد جداً أن تبدأ إيران بمهاجمة إسرائيل، ولكن إذا وضعنا في حساباتنا التحركات الإسرائيلية الحالية، فان ما قد يحدث هو العكس تماماً، أي أن تهاجم إسرائيل بضوء أخضر أمريكي إيران، مما يدفعها إلى الرد، ومن ثم إمكانية حدوث حرب إقليمية واسعة، من غير المستبعد، إذا حدثت، أن تقف فيها أمريكا بجانب إسرائيل، وهو ما تحاول الإدارة الأمريكية تفاديه في الوقت الراهن الذي تعاني فيه داخل الساحتين الأفغانية والعراقية.

Share