هل تستقر أسعار النفط عند مستوى 100 دولار للبرميل؟

  • 12 يونيو 2012

تراجعت أسعار النفط من نحو 128 دولاراً لبرميل نفط برنت إلى نحو 100 دولار خلال أسابيع قليلة. وقد حدث هذا التراجع في مستوى الأسعار على الرغم من الحصار الاقتصادي الغربي على النفط الإيراني، الذي من المفروض أن يسري مفعوله ابتداء من أول شهر تموز (يوليو) المقبل. لماذا إذاً انخفضت الأسعار في هذا الوقت بالذات؟

يكمن الجواب على هذا السؤال في الأزمة المالية التي تعصف بدول منطقة اليورو حالياً، وأزمة الديون السيادية المتفاقمة التي تعانيها دول عدة في الاتحاد الأوروبي، مثل: أيرلندا واليونان وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا. وعلى الرغم من أن الدول الأوروبية لا تُعتبر حالياً من الدول الرئيسية المستهلكة للطاقة، ولاسيما النفط (أكثر دولة استهلاكاً للنفط هي الولايات المتحدة، تليها الصين، ثم اليابان)، فإن الانكماش الاقتصادي الحاصل في دول المجموعة الأوروبية بدأ يترك بصماته الواضحة على الاقتصاد العالمي برمته. فعلى سبيل المثال، بدأت صادرات الصين إلى أوروبا تتقلص بسبب سوء الأحوال الاقتصادية الأوروبية، ما أدى، بالإضافة إلى عوامل أخرى، إلى تقلص استهلاك الصين للطاقة.

إن التأثير المباشر للأزمة المالية الأوروبية يتمثل في توسيع رقعة الانكماش الاقتصادي العالمي، ومن ثم انخفاض الطلب على الطاقة. ومن الواضح أن العالم يشهد اليوم بداية أزمة اقتصادية جديدة، يتوقع أن تتطور لتصبح واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية، وأن تتوسع وتؤثر سلباً في قطاعات عدة، بالإضافة إلى استهلاك الطاقة وأسعار النفط، لتشمل أيضا قطاع المصارف الذي بدأ يعاني بالفعل، ولاسيما في أوروبا، من التأثيرات السلبية لهذه الأزمة، ناهيك عن التبادل التجاري بين الدول، وموازين المدفوعات، واستقرار أسعار العملات الرئيسية. وقد بلغت هذه الأزمة حداً من التعقيد بدأت تمثل معه تحدياً مصيرياً لتجربة الوحدة الأوروبية برمتها، حيث يواجه المسؤولون في دول الاتحاد الأوروبي تحديات صعبة في المحافظة على اليورو وردع أي انسحابات للدول الأعضاء، وتقريب المواقف المتباينة لهذه الدول بشأن كيفية إدارة الأزمة والخروج منها؛ إذ تصر ألمانيا، التي تتحمل جزءاً كبيراً من تغطية ديون بعض الدول (مثل اليونان وإسبانيا) على ضرورة أن تتبنى الدول المدينة سياسة تقشفية صارمة تتضمن تسريح الآلاف من الموظفين الحكوميين، وخصخصة بعض الشركات الحكومية (مثل الطيران والنفط)، بينما ترفض دول أخرى ومعظم قطاعات الرأي العام هذه السياسات. وقد عبر الرأي العام عن ذلك بوضوح من خلال الانتخابات في أكثر من بلد (اليونان وفرنسا)، حيث أطاح بالحكومات المؤيدة لهذه السياسات التقشفية. وأدت هذه الهوة بين المدافعين عن سياسة التقشف من جهة، والمنادين بتطبيق سياسات اقتصادية تنموية تقوم على التوسع في الإنفاق من جهة أخرى، إلى صعوبة الوصول إلى حل سريع متوافق عليه من قبل كافة الدول الأوروبية.

والسؤال الملح الآن هو: كيف ستتعامل الدول المنتجة الكبرى مع تدهور أسعار النفط؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال، يجب أن نشير أولاً إلى أن الارتفاع المؤقت للأسعار إلى مستوى 128 دولاراً، لم يكن يعكس بشكل واقعي، أساسيات السوق من عرض وطلب للإمدادات. فالسبب الرئيس وراء هذا الارتفاع للأسعار كان مرده تخوف الأسواق من حدوث نقص في الإمدادات نتيجة العقوبات الغربية على قطاع النفط الإيراني على خلفية الجدل حول أزمة البرنامج النووي الإيراني، وحالة عدم الاستقرار السياسي والأمني في بعض الدول الأخرى المنتجة للنفط، إضافة إلى نمو الطلب على النفط في الأسواق الناشئة. وكما هو الأمر خلال الأزمات، فقد صاحب هذه التخوفات حدوث كثير من المضاربات والإشاعات التي أشارت إلى مخاوف من عدم قدرة الدول المنتجة الرئيسية للنفط في الخليج على تعويض النقص الحادث أو المتوقع في الإمدادات.

لكن الذي حدث بالفعل، هو أن السحب من الطاقة الإنتاجية الفائضة لبعض الدول الرئيسية المنتجة للنفط، وبالذات السعودية، لتهدئة مخاوف الأسواق، فاق الاحتياجات الفعلية لهذه الأسواق، بحيث حدث تناقض غريب في الأسواق. ففي الوقت الذي كانت ترتفع فيه الأسعار، كانت مخزونات النفط التجاري في ازدياد مستمر، والدليل على ذلك المعلومات الأسبوعية الصادرة عن شركات النفط الأمريكية وإدارة معلومات الطاقة التابعة لوزارة الطاقة الأمريكية. هذا، بالإضافة، إلى الفرق الشاسع وغير المتعارف عليه بين أسعار نفط برنت وأسعار النفط الأمريكي الخفيف. فالعادة هي أن يكون سعر النفط الأمريكي أعلى من نفط برنت، لكن في الفترة الأخيرة، وبسبب زيادة المخزون النفطي التجاري في الولايات المتحدة- أسبوعاً بعد آخر، زادت أسعار نفط برنت عن أسعار النفط الأمريكي الخفيف بين 15-20 دولاراً للبرميل الواحد.

وتجدر الإشارة إلى أن أسعار النفط العالية هي سيف ذو حدين بالنسبة للدول المنتجة الكبرى. فهي من ناحية تساعد على تغطية الالتزامات المالية ذات التكاليف المرتفعة لهذه الدول، والتي من بينها الالتزامات المتعلقة بتشييد المشرعات الكبرى المتعاقد عليها، ولاسيما في مجال استكشاف النفط وإنتاجه، وسياسات الدعم الموجهة للمواطنين، خاصة ما يتعلق منها بالحرص على توفير الكهرباء والماء والوقود للمواطنين بأسعار أقل من كلف الإنتاج. لكن، هناك في المقابل تحديات تواجهها الدول المنتجة الكبرى للنفط في حال حدوث ارتفاعات كبيرة للأسعار، مثل الفقدان التدريجي لتنافسية النفط مع بقية مصادر الطاقة الأخرى، وبالذات خلال هذه الفترة حيث تنتعش صناعة إنتاج النفط والغاز من مصادر غير تقليدية (الصخور والرمال القارية)، ناهيك عن مصادر الطاقة البديلة المستدامة (الشمسية والرياح).

يبقى السؤال: ما هي السياسات اللازمة للتعامل مع هذا الهبوط في الأسعار؟ بما أن انخفاض الأسعار يعود إلى الزيادة الحالية في المعروض النفطي وتفاقم الأزمة المالية الأوروبية، فمن الممكن أن تعود الدول المنتجة الكبرى للنفط، ولاسيما الخليجية منها، إلى حصصها الإنتاجية ضمن اتفاقيات منظمة "أوبك" حتى يحدث التوازن المطلوب بين العرض والطلب. ويجدر هنا التنويه بأن السعر الناجع في المرحلة الحالية لكل من المنتجين والمستهلكين هو نحو 100 دولار للبرميل. ومن ثم، يُتوقع أن تسعى الدول المنتجة للنفط للوصول إلى هذا المستوى السعري والمحافظة عليه، علماً بأن المسؤولين في وكالة الطاقة الدولية يرون أن هذا السعر مضرٌ بجهود إنعاش الاقتصادي العالمي وإخراجه من أزمته، فهم يطمحون بالوصول إلى معدل سعري أقل.

في نهاية الأمر، إن الذي يقرر مستوى الأسعار المستقبلي عدد من العوامل، بعضها خارج إرادة الدول المنتجة الكبرى وإمكانياتها، وبعضها مرده إلى التجارب الصعبة التي مرت بها الدول الأعضاء في منظمة "أوبك" سابقاً. مثلاً، من غير المعروف حتى الآن كيف سيتم التعامل مع الملف النووي الإيراني: هل سيستمر التعامل بدبلوماسية مع هذا الملف، أم هل سيستعاض عن ذلك بعمليات عسكرية؟ فاللجوء إلى أي من الخيارين في المدى القريب أو المتوسط سيؤثر بالضرورة في أسواق النفط. وفي الوقت نفسه، تعرف دول "أوبك" أكثر من غيرها، وكما كان واضحاً أثناء الأزمة الاقتصادية الآسيوية في عام 1998، وأثناء الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت في 2008، أنه من الصعب جداً لجم انهيار الأسعار عند بدء هذه الظاهرة؛ لأن العديد من الدول النفطية تلجأ عندئذ للإنتاج بكامل طاقاتها لتعويض الخسائر المالية الناجمة عن انخفاض الأسعار، الأمر الذي يدفع الأسعار إلى مزيد من التراجع. وكما هو معروف فقد تدهورت الأسعار نتيجة هذه الظاهرة من مستويات قياسية عالية تفوق 140 دولاراً للبرميل لتنخفض خلال أشهر معدودة إلى نحو 35 دولاراً في العام 2008. وهذا الأمر يفرض ضرورة وجود تعاون سياسي ونفطي بين أعضاء دول "الأوبك" أثناء فترات الأزمات للحد من حدوث انهيارات كبيرة في الأسعار تضر بمصالح الجميع.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه الدول المنتجة الرئيسية للنفط هو محاولة المحافظة على مستوى الأسعار عند حاجز 100 دولار للبرميل بصرف النظر عن أي متغيرات أو تحديات يمكن أن تواجه الأسواق في الفترة المقبلة.

Share