هل تستطيع أمريكا «المفلسة» خوض غمار حرب باردة مع الصين؟

  • 10 مايو 2020

يتناول هال براندس في تقريره المنشور على موقع «بلومبيرغ» تداعيات الأزمة الجارية بين الولايات المتحدة والصين على خلفية اتهام واشنطن لبكين بالتسبب بحدوث جائحة فيروس كورونا المستجد؛ حيث وحّد الفيروس صفوف الأمريكيين ضد اعتداءات بكين، كما يرى الكاتب، ولكنه سيدمر أيضاً ميزانية البنتاغون.

يبدو أن أمريكا باتت على وشك إعلان الحرب الباردة مع الصين، لكن قدرتها على خوض غمار مثل هذه الحرب تتلاشى يوماً بعد يوم؛ إذ تصاعدت نبرة عداء الولايات المتحدة للصين في وقتٍ تهدد فيه التداعيات المالية للجائحة بالتأثير على ميزانية الدفاع الأمريكية لسنوات قادمة.

ولهذا، ربما تدخل الولايات المتحدة فترة مثل بداية الحرب الباردة القديمة، عندما قررت مواجهة الاتحاد السوفيتي بميزانية ضئيلة، وانتصرت الولايات المتحدة في نهاية المطاف في هذه الحرب الباردة، لكن، بطبيعة الحال، يجب أن يمنح هذا التشبيه شعوراً أقل بالارتياح مما يبدو عليه لأول وهلة لأنه يذكرنا بأن نهج المنافسة في ظل ضائقة مالية يمكن أن يكون بالغ الخطورة.

ولسنوات عدة، دعت نخب الأمن القومي الأمريكي في الغالب إلى تبني استراتيجية ذات توجه تنافسي أكبر تجاه الصين، في حين أن الشعب الأمريكي لم يكن مقتنعاً بها، والآن أقنع فيروس كورونا الكثير من الأمريكيين أن الحكومة الصينية لا تشكل تهديداً غامضاً للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة فحسب، وإنما تمثل أيضاً خطراً مباشراً على ازدهارهم ورخائهم، ويفضل السواد الأعظم من الجمهوريين والديمقراطيين الآن انتهاج سياسة إزاء الصين تكون صارمة أو أشد صرامة من الموقف الحالي لإدارة دونالد ترامب. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في نوفمبر، يتنافس ترامب والمرشح الديمقراطي جو بايدن على من يملك سياسة أكثر صرامة تجاه الصين، وفي ظل تسارع عملية فك الارتباط الاقتصادي، وازدياد حدة الخطابات والسياسات على الجانبين، فإن الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين التي تنبأ بها النقاد قد تتكشف قريباً.

ومع ذلك، فإن فيروس كورونا يهدد أيضاً بوضع الولايات المتحدة في وضع سلبي من الناحية الاستراتيجية، والمشكلة هنا لا تكمن في تعامل ترامب غير المناسب مع الأزمة أو تنفيره حلفاء الولايات المتحدة، بل إن المشكلة هي حساب الميزانية.

لقد قررت حكومة الولايات المتحدة، إنفاق كل ما هو ضروري للحفاظ على حيوية الاقتصاد حتى في ظل اختناق معظم حركة التجارة العادية، ويحتمل أن يضيف هذا القرار تريليونات عدة من الدولارات إلى العجز الكبير في ميزانية هذا العام، ويمكننا أن نتوقع أداءً مماثلاً في العام المقبل، وسيؤدي العجز المتصاعد في نهاية المطاف إلى إعادة النظر في الميزانيات، وربما تكون وزارة الدفاع ضحية من ضحايا هذه العملية.

في أعقاب الأزمة المالية في العامين 2008-2009، سعت الولايات المتحدة إلى تقليل العجز عن طريق خفض الإنفاق الدفاعي وغير الدفاعي، وبلغ إجمالي التخفيضات التي قام بها البنتاغون نحو 500 مليار دولار في السنوات التي تلت ذلك. ويتوقع محللو مؤسسة راند (RAND) أن تكون التخفيضات المماثلة هي السيناريو الأمثل الذي سيُلجأ إليه بعد انقشاع أزمة فيروس كورونا، غير أن التخفيضات هذه المرة قد تكون أكبر.

وهذا هو مكمن المشكلة؛ ففي الوقت الذي تزيد فيه ميزانية الدفاع على 700 مليار دولار، فإن ثمة مخاوف متزايدة بشأن قدرة الجيش الأمريكي على التصدي لهجوم صيني على تايوان والحفاظ على حرية الملاحة في غرب المحيط الهادي، بينما يؤدي مهامه الأخرى في جميع أنحاء العالم، وإذا قررت الولايات المتحدة خفض ميزانية الدفاع إلى 600 مليار دولار أو حتى 500 مليار دولار لفترة من الفترات، فستكون استراتيجية الدفاع الأمريكية في مشكلة حقيقية.

تهديد متصاعد

ستواجه إدارة البنتاغون خيارات صعبة؛ إذ يمكنها أن تسعى إلى كبح جماح الصين من خلال تقليل الالتزامات في الأماكن الأخرى، ويمكنها أن تتبنى استراتيجيات عالية المخاطر مثل التصعيد النووي للدفاع عن الحلفاء والشركاء المهددين، أو يمكنها ببساطة محاولة تدبير أمورها من خلال تطبيق سياسة التقشف على أمل ألا يختبر الخصوم القدرات الأمريكية المتدنية، ولا يبدو أي من هذه الخيارات جيداً، خاصة في تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين، ويبدو أن بكين تنظر إلى حالة الفوضى الناجمة عن فيروس كورونا على أنها فرصة استراتيجية مهمة أكثر من كونها سبباً لضبط النفس.

بوجه أو بآخر، فإن الوضع الراهن يذكرنا بالحرب الباردة البائدة. في مطلع عام 1947، كان هناك وفاق متزايد على ضرورة أن تتصدى الولايات المتحدة للعمليات التخريبية والتوسعية السوفيتية، وفي شهر مارس من العام ذاته، أصدر الرئيس هاري ترومان ما يعتبر إعلاناً أمريكياً للحرب الباردة، معلناً أنه «يجب أن تختار كل دولة بين طرق الحياة البديلة»، وأن واشنطن ستدعم من الآن فصاعداً الشعوب الحرة التي تقاوم محاولات القهر التي تمارسها الأقليات المسلحة أو تتم عن طريق ضغوط خارجية»، وتبع ذلك سلسلة من السياسات الرمزية، مثل عقيدة ترومان، وخطة مارشال، وإنشاء منظمة حلف شمال الأطلسي، بهدف دعم العالم الحر ضد البؤس الاقتصادي، والاضطراب السياسي، والافتراس السوفيتي.

وغالباً ما يُنسى مدى هشاشة وضع الدفاع الأمريكي؛ إذ تقلص الجيش من 12 مليون فرد في عام 1945 إلى أقل من مليونين في عام 1947، واحتكرت الولايات المتحدة لفترة وجيزة الأسلحة النووية، ولكن كان لديها قدرة محدودة على استخدامها بفاعلية، وما كادت تمتلك القدرة على الدفاع عن أوروبا الغربية أو الشرق الأوسط أو المناطق الحيوية الأخرى من الهجوم السوفييتي، وقال مساعد وزير الخارجية روبرت لوفيت في وقت لاحق: «لقد انتشرنا في شتى أرجاء المعمورة، وفي أنحاء العالم كافة».

واستند هذا النهج البسيط إلى الظن بأن الاتحاد السوفيتي لن يبدأ حرباً عالمية أخرى قبل أن يتعافى من الحرب الأخيرة، وكذلك إلى معوقات متعلقة بالميزانية والرغبة المبررة في تسريح القوات بعد الحرب العالمية الثانية. ورفض ترومان إدارة العجز أو زيادة الضرائب، وكان يعلم أن الشعب الأمريكي يريد إعادة القوات إلى الوطن، ومن ثم انتهجت الولايات المتحدة سياسة الاحتواء في ظل محدودية ميزانيتها، وتعهدت بحماية العالم الحر من دون تطوير القوات اللازمة لذلك.

وحققت هذه السياسة أهدافها بوجه أو بآخر؛ فلم يشن السوفييت هجوماً في أواخر أربعينيات القرن العشرين، بالرغم من سعيهم إلى الضغط على الولايات المتحدة وأصدقائها الغربيين خارج برلين عن طريق حصار تلك المدينة، وساعدت خطة مارشال على إنعاش اقتصادات أوروبا الغربية واستقرار سياسات المنطقة. وفي غضون ذلك، حاولت الولايات المتحدة الحفاظ على إفقاد السوفييت توازنهم من خلال الحرب الإعلامية والنفسية، والعمليات السريـة، والجهــود المبذولـة لإحـداث الوقيعـة بين موسكو والأنظمة الشيوعية الأخرى في أوروبا الشرقية. أما في يومنا الراهن، فلا تتطلب الكثير من عناصر المنافسة بين الولايات المتحدة والصين نفقات عسكرية ضخمة؛ وإنما تحتاج، على سبيل المثال لا الحصر، إلى إيجاد بدائل للدول التي قد تضطر إلى الاعتماد على القروض أو التكنولوجيا الصينية، وتحصين المجتمعات الحرة ضد التدخل السلطوي من خلال تطوير أفضل تقنيات كشف التضليل ومكافحته، وتعزيز العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بين ديمقراطيات العالم.

ولكن التشابه يكون أكثر واقعية بطرق أخرى؛ ذلك أن احتواء الدولة الفقيرة للجموح السوفيتي انطوى على مخاطر عسكرية واستراتيجية هائلة؛ وهي مقامرة كان من الممكن أن تقضي على أمريكا لو قامت الحرب، وربما أدى اختلال توازن القوة العسكرية في المجالات الرئيسية إلى تثبيط حلفاء الولايات المتحدة وإيجاد فرص مواتية للتخويف أو العدوان الشيوعي. وعلّق وزير الخارجية جورج مارشال على ذلك قائلاً: «كانت المشكلة أننا لعبنا بالنار ولم يكن بأيدينا شيء نستطيع إخمادها به». وعندما اندلعت الحرب الكورية ثم تصاعدت في عام 1950، كان على صناع السياسات الأمريكيين مواجهة الاحتمال المروع بأن السوفييت ربما يكونون على استعداد للمخاطر بخوض حرب عالمية لم يكن لواشنطن طاقة بها، وأدى تسلسل الأحداث ذلك إلى بناء الجيش العسكري في أوائل خمسينيات القرن الماضي، بهدف إغلاق الثغرات التي قد يستغلها العدو الانتهازي.

الدرس الذي يُستفاد من كل هذا، هو أن الأدوات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية للمنافسة ضرورية، غير أنها قد لا تكفي عند تصاعد حدة التوترات. إن سياسة المواجهة، مهما كانت مسوغاتها، يمكن أن تؤدي إلى كارثة إن نُفذت من دون امتلاك درع عسكري مناسب. ومن المفارقات الخطيرة أن فيروس كورونا هو الذي أقنع العديد من الأمريكيين في النهاية بأخذ التحدي الصيني على محمل الجد، لكنه ترك البلاد ضعيفة على نحو لا يجعلها تفعل الكثير حياله.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات