هل تتمكن صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم من تجاوز آثار الجائحة؟

  • 4 يونيو 2020

منذ أن تم الكشف عن انتشار وباء كورونا المستجد، بدأت الوكالات والمؤسسات الاقتصادية الدولية تشير إلى حجم الضرر الاقتصادي الذي سيطال الدول المتقدمة والنامية على حدّ سواء، وخاصة الصين التي خرجت منها الحالات الأولى للمرض، وهي التي تعدّ ثاني أكبر اقتصاد عالمي، وترتبط بمعظم دول العالم في علاقات اقتصادية وتجارية واستثمارية كبرى.

في شهر مارس الماضي، أشارت تقديرات لوكالة «ستاندرد آند بورز جلوبال» للتصنيفات الائتمانية، إلى أن القطاع المصرفي الصيني معرّض قبل إبريل لزيادة في القروض المتعثرة، تصل إلى (1.10 تريليون دولار)، وأن تفشي الفيروس سيتسبب بتعطل الإنتاج، وسيضع الشركات أمام أزمة قدرة على سداد الديون، وخاصة بعد الضرر الذي وقع على سلاسل الإمداد العالمية وتعطل أنشطة المصانع التجارية فيها. كما نشر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) في الشهر نفسه تقريراً ورد فيه أن تدابير احتواء الفيروس في الصين تسببت بانخفاض كبير في الإنتاج، وذلك بعد أن تحولت خلال العقدين الماضيين إلى أكبر مصدِّر في العالم وجزء من شبكات الإنتاج العالمية، ومزود رئيسي للعديد من المنتجات، كالسيارات والهواتف المحمولة والمعدات الطبية، وغيرها.
أما في إبريل، وبحسب بنك الاستثمار جي بي مورغان، بدأت الصين تشق طريقها من جديد لاستئناف حركة التصنيع للخروج من مأزق هددها بتباطؤ اقتصادها، حيث نما الناتج الصناعي في ذلك الشهر بنحو 4%، وهي نسبة يقول عنها خبراء إنها فاقت التوقعات، لكون اقتصادها انكمش في شهري فبراير ومارس إلى معدل غير مسبوق وصل إلى 13.5%، نتيجة عمليات الإغلاق الواسعة. كما عاد استهلاك الفحم في إبريل في 6 محطات توليد كهرباء رئيسية، وارتفع معدل استهلاك الفحم بنسبة 1.5% عن المتوسط العام عبر السنوات الماضية، ما أعاد الطلب على الطاقة إلى سابق عهده، وصاعد وتيرة النشاط الاقتصادي، من دون إغفال مسألة في غاية الأهمية وهي أن النمو الوطني للاقتصاد الصيني مرتبط بعودة بقية الاقتصادات في الدول إلى وضعها السابق، حتى تتمكن صاحبة أكبر ذراع إنتاجية وتصديرية من إنعاش اقتصادها الذي يرتبط باقتصادات دول العالم.
الخطر الأكبر الذي طال الواقع الاقتصادي ولاجتماعي في الصين، من جراء سياسات الإغلاق، تجلّى في تنامي معدلات البطالة إلى نحو غير مسبوق في تاريخها؛ حيث زادت في إبريل مقارنة بشهر مارس بنحو 6%، فيما قالت مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس» إن المعدل الحقيقي للبطالة تجاوز هذه النسبة بكثير، وإنه «على الأرجح ضعْف هذا المعدّل»، نظراً إلى أن نحو خُمس العمال المهاجرين لم يعودوا إلى المدن التي كانوا يعملون فيها. كما أشارت صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية، إلى مدى صعوبة الوضع فيما يخص البطالة، قائلة إنه «سيكون من المستحيل بالنسبة إلى الموظفين الصينيين في القطاع الخاص، أن يحققوا مكاسب هذا العام تعادل ما حققوه في عام 2019»، نتيجة لاتخاذ 85% من الشركات الصغيرة قرارات بفصل موظفين أو تخفيض عددهم.
وعلى الرغم من كل ذلك، عاد النشاط التصنيعي وعجلة الأعمال إلى الدوران في الصين، فقد أفادت بيانات حديثة صدرت عن مكتب الإحصاءات الوطني، بأن أنشطة المصانع في الصين نمت بوتيرة أبطأ في شهر مايو الماضي، لكن قوة الدفع في قطاعي الخدمات والتشييد تسارعت، الأمر الذي يشير إلى تعافٍ غير متناسق في اقتصادها. كما أشارت البيانات إلى انخفاض مؤشر أسعار مديري المشتريات الرسمي في القطاع الصناعي إلى 50.6 في مايو من 50.8 في إبريل، وتراجعت طلبيات التصدير للشهر الخامس على التوالي في الصين، إذ سجل مؤشرها الفرعي 35.3 في مايو، بانخفاض كبير عن مستوى 50 نقطة في إبريل. ونزل مؤشر أسعار مديري المشتريات للشركات المتوسطة والصغيرة من 50.8 إلى 48.8 نقطة، فيما تحسن مؤشر إجمالي طلبيات التوريد الجديدة إلى 50.9 بعد أن كان 50.2 نقطة في إبريل؛ حيث زادت الطلبيات الجديدة في قطاعي التشييد والخدمات.
وفي نهاية مايو الماضي، أجرت شركة «ستاندرد تشارترد»، مسحاً قالت فيه إن الاقتصاد الصيني انتعش بشكل بطيء تزامناً مع تراجع أعداد ضحايا كورونا، الأمر الذي جعل الشركة تقلص من توقعاتها القاتمة الخاصة بالركود العالمي، وخاصة في ظل عودة العديد من الدول إلى فتح أنشطتها الاقتصادية، الذي رافقه زيادة في الإنتاج وارتفاع في حجم الطلبيات الجديدة على السلع والخدمات. وبحسب خبيري الاقتصاد القياسي، شين لان، ودينغ شوانغ، توسع الناتج الصناعي وتقلص الاستهلاك وتراجعت الواردات ما أكسب الطلب المحلي زخماً، نتيجة استمرار استخدام مصادر الطاقة اللازمة للتصنيع، بينما استمر الطلب الخارجي في الوقت نفسه بالتباطؤ، الأمر الذي سيبقي التصدير غير قادر على التوسع من جديد، والتجارة الصينية ضعيفة، ما يرجّح عدم عودة الاقتصاد الصيني إلى الانتعاش، كما كان الأمر عليه قبل انتشار الوباء.
وفي الـ 21 من الشهر الماضي، قال أندي روثمان، أخصائي استراتيجيات الاستثمار في شركة «ماثيوز آسيا» الاستثمارية إن الاقتصاد الصيني يتعافى من تداعيات وباء كورونا، وذلك بوجود زيادة في الإنفاق الاستهلاكي وخاصة على شراء السيارات والمنازل، وارتفاع معدلات التصنيع والاستثمار، متوقعاً أن الصين «صارعت كوفيد-19 حتى إخضاعه»، مستشهداً بعدم حدوث ارتفاع حاد في حالات الإصابة، «بعد أسبوعين من عطلة وطنية استمرت لمدة خمسة أيام في الصين، عندما سافر ما يزيد على 100 مليون شخص لقضاء وقت الإجازة»، مؤكداً في الوقت نفسه أن عودة اقتصادها إلى الوضع الطبيعي قد لا يحدث حتى العام المقبل. وعلى صعيد متصل، فإن نيكولاس لاردي، كبير الباحثين في معهد بيترسون للدراسات الاقتصادية الدولية في واشنطن، أكد أن اختبارات الصين الواسعة النطاق لفيروس كورونا المستجد، قد تمهد الطريق لانتعاش اقتصادي قوي قادم، حيث سيؤثر ذلك في استعادة ثقة المستهلك، ويمهد الطريق إلى حدوث تعافٍ أكبر في الاستهلاك الخاص.
إن نسبة الانكماش التي وصل إليها الاقتصاد الصيني حتى إبريل الماضي، والبالغة نحو 6.8%، لم تجعل الخبراء يفقدون الأمل في عودة الاقتصاد الصيني إلى الانتعاش، حيث يرى مسؤولون في صندوق النقد الدولي أن اقتصاد الصين بدأ يظهر عليه بعض مؤشرات العودة إلى الوضع الطبيعي، لكن المخاطر الأكثر بروزاً تظل قائمة، فيما إذا ارتفعت الإصابات مجدداً «مع استئناف السفر المحلي والدولي»، فحالات التفشي في الدول أخرى، ومواصلة الأسواق المالية وأسواق النفط اضطرابهما، قد يؤديان إلى حذر المستهلكين والشركات من شراء السلع الصينية، ليبقى التساؤل الحاضر في الأذهان فيما إذا أصبحت «هيمنة» الصين الاقتصادية مهددة أم لا.
إن كل تلك البيانات تشير إلى أن الصين تواجه حالياً، وعلى الرغم من ظهور تعافٍ نسبي في اقتصادها، تحديات تتعلق بمواجهة الأزمة الاقتصادية التي ستعصف بدول العالم كلها، بعد أن أثبت انتشار الوباء حجم الاعتماد العالمي عليها في عمليات الإنتاج والتصنيع، واكتشفت ضعف قدرتها على تصنيع معدات وأقنعة طبية، لأنها أسندت تلك العمليات إلى الصين منذ زمن، الأمر الذي يجعل الأخيرة رهينة لتعافي دول العالم من الجائحة، حتى تتمكن هذه الدول من استرداد عافيتها الاقتصادية وتصبح مؤهلة لاستئناف عمليات التبادل التجاري مع الصين، أو أن تعمل دول العالم في الجهة المقابلة على توطين صناعاتها، ليؤثر ذلك إن حدث في تراجع الصادرات الصينية، من جرّاء انخفاض الطلب على منتجاتها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات