هل العالم بصدد تشكّل نظام دولي جديد؟

  • 24 مارس 2003
منذ أن بدأت الحرب ضد العراق، يتحدث الكثيرون عن "نظام دولي جديد" سيظهر بعد انتهاء هذه الحرب، كما حدث بعد حرب تحرير الكويت أو حرب الخليج الثانية عام 1991، أهم سماته تراجع دور الأمم المتحدة وبالتالي العمل الدولي المشترك من خلالها تجاه مختلف القضايا، وسيطرة الولايات المتحدة منفردة، على مقاليد الأمور في العالم. ويتخذون من إقدام واشنطن ولندن على شن الحرب ضد العراق من دون قرار جديد من مجلس الأمن الدولي، دليلا على ذلك. والواقع أن هذا التحليل في حاجة إلى مراجعة عميقة لا تنفيه تماما ولكنها لا تؤيده على إطلاقه، وإنما تطرح مجموعة من الملاحظات المتعلقة بالأمر والتي تحتاج إلى مزيد من المناقشة والبحث.
أولى هذه الملاحظات، أن الحرب الخليج الثانية قد أنتجت "نظاماً دوليا جديدا" حيث كان هناك نظام القطبية الثنائية، وقد انهار مع تفكك الاتحاد السوفييتي السابق. أما الحرب الحالية فإنها تنطلق في ظل "نظام دولي" لم يحسم الجدل حول تحديد طبيعتة وقواعده بالضبط، على الرغم من العديد من النقاشات التي دارت بهذا الشأن منذ عام 1991، والنظريات التي تم طرحها مثل "نهاية التاريخ" و"صدام الحضارات" وغيرعا. وثانيتها، أن حرب عام 1991 قامت في ظل تحالف دولي، وتوافق عالمي واسع وتحت مظلة الأمم المتحدة بشكل كامل، أما الحرب الحالية فإنها تقوم في ظل انقسام دولي واضح حول شريعتها، وهذا يحول دون توافر الظروف اللازمة لإيجاد "نظام دولي جديد" آخر، ويحول دون إقرار قواعد ومبادئ تكرس نتائج هذه الحرب على طبيعة العلاقات والتفاعلات الدولية بعد انتهائها.

والملاحظة الثالثة هي أن الذين يشيرون إلى نظام دولي جديد بعد الحرب يركزون على انفراد الولايات المتحدة بالقرار العالمي في كل شيء، إلا أن العديد من المؤشرات تجعل من هذا الافتراض محل نقاش، حيث لم تنجح واشنطن رغم ضغوطها الشديدة في إقناع العديد من الأطراف الدولية بتأييد موقفها وخاصة فرنسا وألمانيا وروسيا وغيرها، كما تحرص واشنطن منذ أن قامت الحرب على تأكيد شرعيتها القانونية والسياسية، وتسعى إلى إقناع الرأي العالم العالمي بها وبأهدافها منها، فضلا عن إشراك العديد من الأطراف في إعمار العراق.

أما الملاحظة الرابعة هنا، فهي أنه لم يعد ممكنا القول بأن دولة بإمكانها الاستغناء عن العالم أو إدارته بشكل منفرد في ظل حزمة التحديات والمشاكل التي تواجه العالم والتي لا يمكن لأي دولة مهما كانت قوتها أن تواجهها بمفردها مثل الإرهاب، أسلحة الدمار الشامل، انتشار الأمراض والمخدرات، تلوث البيئة وعمليات حفظ السلام، وتكلفة إعادة الإعمار وغيرها. ولهذا فإن العمل الدولي المشترك يبقى أمرا حتميا لضرورات الأمن القومي للدول المختلفة، مهما بلغت شدة الخلافات فيما بينها، ولم يعد اختيارا، كما لم يعد خيار "العزلة" أمرا متاحا.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات

هل العالم بصدد تشكّل نظام دولي جديد؟

  • 24 مارس 2003
منذ أن بدأت الحرب ضد العراق، يتحدث الكثيرون عن "نظام دولي جديد" سيظهر بعد انتهاء هذه الحرب، كما حدث بعد حرب تحرير الكويت أو حرب الخليج الثانية عام 1991، أهم سماته تراجع دور الأمم المتحدة وبالتالي العمل الدولي المشترك من خلالها تجاه مختلف القضايا، وسيطرة الولايات المتحدة منفردة، على مقاليد الأمور في العالم. ويتخذون من إقدام واشنطن ولندن على شن الحرب ضد العراق من دون قرار جديد من مجلس الأمن الدولي، دليلا على ذلك. والواقع أن هذا التحليل في حاجة إلى مراجعة عميقة لا تنفيه تماما ولكنها لا تؤيده على إطلاقه، وإنما تطرح مجموعة من الملاحظات المتعلقة بالأمر والتي تحتاج إلى مزيد من المناقشة والبحث.
أولى هذه الملاحظات، أن الحرب الخليج الثانية قد أنتجت "نظاماً دوليا جديدا" حيث كان هناك نظام القطبية الثنائية، وقد انهار مع تفكك الاتحاد السوفييتي السابق. أما الحرب الحالية فإنها تنطلق في ظل "نظام دولي" لم يحسم الجدل حول تحديد طبيعتة وقواعده بالضبط، على الرغم من العديد من النقاشات التي دارت بهذا الشأن منذ عام 1991، والنظريات التي تم طرحها مثل "نهاية التاريخ" و"صدام الحضارات" وغيرعا. وثانيتها، أن حرب عام 1991 قامت في ظل تحالف دولي، وتوافق عالمي واسع وتحت مظلة الأمم المتحدة بشكل كامل، أما الحرب الحالية فإنها تقوم في ظل انقسام دولي واضح حول شريعتها، وهذا يحول دون توافر الظروف اللازمة لإيجاد "نظام دولي جديد" آخر، ويحول دون إقرار قواعد ومبادئ تكرس نتائج هذه الحرب على طبيعة العلاقات والتفاعلات الدولية بعد انتهائها.

والملاحظة الثالثة هي أن الذين يشيرون إلى نظام دولي جديد بعد الحرب يركزون على انفراد الولايات المتحدة بالقرار العالمي في كل شيء، إلا أن العديد من المؤشرات تجعل من هذا الافتراض محل نقاش، حيث لم تنجح واشنطن رغم ضغوطها الشديدة في إقناع العديد من الأطراف الدولية بتأييد موقفها وخاصة فرنسا وألمانيا وروسيا وغيرها، كما تحرص واشنطن منذ أن قامت الحرب على تأكيد شرعيتها القانونية والسياسية، وتسعى إلى إقناع الرأي العالم العالمي بها وبأهدافها منها، فضلا عن إشراك العديد من الأطراف في إعمار العراق.

أما الملاحظة الرابعة هنا، فهي أنه لم يعد ممكنا القول بأن دولة بإمكانها الاستغناء عن العالم أو إدارته بشكل منفرد في ظل حزمة التحديات والمشاكل التي تواجه العالم والتي لا يمكن لأي دولة مهما كانت قوتها أن تواجهها بمفردها مثل الإرهاب، أسلحة الدمار الشامل، انتشار الأمراض والمخدرات، تلوث البيئة وعمليات حفظ السلام، وتكلفة إعادة الإعمار وغيرها. ولهذا فإن العمل الدولي المشترك يبقى أمرا حتميا لضرورات الأمن القومي للدول المختلفة، مهما بلغت شدة الخلافات فيما بينها، ولم يعد اختيارا، كما لم يعد خيار "العزلة" أمرا متاحا.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات