هكذا فرملت "جمعة الحرائر" تشكيل حكومة ميقاتي

  • 18 مايو 2011

يعتقد على نطاق واسع أنه لولا "جمعة الحرائر" السورية في 13 مايو لتشكلت الحكومة اللبنانية الجديدة في اليوم التالي، والتقطت الصورة التذكارية في اليوم الذي يليه، ولَحقَّقت الأكثرية النيابية الجديدة التي تجمعت بعد عرض "القمصان السود" الذي أطاح حكومة سعد الحريري مبتغاها في استكمال الانقلاب على نتائج الانتخابات النيابية التي حصلت في العام 2009 وأحرزت فيها "قوى 14 آذار/ مارس" الغالبية.

وواقع الأمر أن الربط بين تطورات الأوضاع في سورية وأزمة تأليف الحكومة في لبنان ليس مفتعلاً ولا من باب "نظرية المؤامرة"، إذ يعلم القاصي والداني أن دمشق وحليفها "حزب الله" كانا وراء إنهاء حياة حكومة "الوحدة الوطنية" التي رأسها سعد الحريري عقب "اتفاق الدوحة" الناجم عن "غزوة بيروت" التي قام بها "حزب الله" في 7 أيار/ مايو 2007، والتي كرّس فيها ميزان قوى جديداً تحت وطأة شعار "الدفاع عن السلاح بالسلاح". ولأن الحزب وحليفته دمشق عجزا عن إرغام الحريري وحلفائه على التخلي عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان مع قرب صدور قرارها الاتهامي، فإنهما رأيا وجوب تغيير المعادلة السياسية لـ"جبهة المؤامرة الصهيو- أمريكية" حسب أدبيات "حزب الله" أو التصدي لـ "لعبة الأمم" وفق حليفه المستجد وليد جنبلاط.

وإذ احتاجت الأكثرية النيابية الجديدة إلى نجيب ميقاتي ونائبين مؤيدين له لاستكمال العدد الذي يؤمن لهم الأغلبية في المجلس النيابي، فإنها وقعت في الحفرة التي حفرتها للحريري. فميقاتي "الوسطي"، ليس جزءاً من "محور الممانعة" أصلاً، لكنه ملياردير سني تقليدي يتمتع بعلاقات سياسية وثيقة مع الرئيس بشار الأسد، وبصلات "خليوية" مع رامي مخلوف، بالتوازي مع التزامه ثوابت المجلس الشرعي الإسلامي (أعلى هيئة سنية في لبنان)، التي ترفض المساس بـ"محكمة الحريري" أو الانجراف في التيار السوري- الإيراني.

راهنت الأكثرية الجديدة على رغبة ميقاتي في الخروج مجدداً من أعضاء "نادي رؤساء الحكومات السابقين" إلى رئاسة الحكومة مجدداً، وعلَّقت الآمال على قدرته على الانحناء للعواصف وتدوير الزوايا لإنتاج حكومة لون واحد يغطيها سياسياً اعتدال ميقاتي مثلما تغطيها اقتصادياً سمعته المالية وعلاقاته الدولية. لكن الأكثرية الجديدة فوجئَت بعاملين أساسيين. أولهما داخلي تمثَّل في الاستنفار السني الكبير الذي استنكر الاستيلاء على رئاسة الحكومة بقوة "حزب الله"، وتظاهرة قوى "14 آذار/ مارس" التي حصلت في الثالث عشر من آذار/مارس الماضي وجمعت مئات الآلاف من اللبنانيين تحت شعار "إسقاط السلاح".

وثانيهما خارجي، تمثل في انتصار الثورة المصرية بعد أيام من تكليف ميقاتي وانطلاق حراك شعبي عربي واسع استلهم ثورتي تونس ومصر لتصل رياح الياسمين إلى ليبيا واليمن، ثم تلفح عاصمة الأمويين ليعيش "قصر المهاجرين" هاجس الجمعة من كل أسبوع.

يتحمل فريق الأكثرية الجديدة وميقاتي نفسه مسؤولية التأخر في تأليف الحكومة في الشهر الأول من التكليف. ذلك أنهما أرادا "تنفيس" الضغط الشعبي الذي تعرض له في التظاهرات السنية التي حصلت في مدينته طرابلس عقب تكليفه، وفي تظاهرات 13 آذار/ مارس الماضي، ثم أرادا انتظار "القرار الاتهامي" عله يصدر فتتشكل الحكومة انطلاقاً من معطياته، وإذ إن القرار لم يصدر، فإنهما فوجئا بتدهور العلاقات السعودية- السورية في شكل تام، وبدء التظاهرات المطالبة بالديمقراطية والحرية في سورية، ودخول نظام دمشق حلقة من العنف غير المسبوق، ما سلط الأضواء عليه وأدخله في نفق العقوبات الدولية المتدرجة، وقلب رأساً على عقب الموازين السياسية في المنطقة خصوصاً أنه طرح بجدية معنى "الدور الإقليمي" لسورية.

راقب ميقاتي ملياً ما يحدث لدمشق. وأسرَّ إلى مقربين بأنه لو توقع هذه التطورات الإقليمية لما "تورط" في رئاسة الحكومة، لا بل وصل به الندم حد القول لهؤلاء إنه دخل مغامرة تشكيل الحكومة ليُسجل بأنه منقذ للبنان من الاصطفاف الحاد، وهو لن يخرج رابحاً بعد تسارع التطورات مهما كان شكل الحكومة التي سيشكلها، فكيف إذا كانت أطرافها تثخنه بالجراح عبر شروطها وتنزع عنه ورقة التوت التي تغطي وضعه الأقلي ضمن الطائفة السنية، وهي التمسك بصلاحيات رئيس الحكومة في اختيار فريقه الوزاري، أي بألا تملى عليه الأسماء والحقائب والأحجام.

قبل يومين من "جمعة الحرائر" التي أسقطت "أسبوع الدبابات" في سورية، خرجت مستشارة الرئيس الأسد بثينة شعبان لتعلن عبر "نيويورك تايمز" أن النظام أنجز 80 في المئة من مهمته الأمنية، وأنه مطمئن إلى عودة الاستقرار التام، فما كان من قطار تأليف حكومة ميقاتي، المتوقف بذريعة "حرب الجنرالين" النائب ميشال عون ورئيس الجمهورية ميشال سليمان على الحصص المسيحية في الحكومة إلا أن انطلق. واللبنانيون الذين خبروا الخلافات الداخلية طوال عهد الوصاية السورية في لبنان الممتدة من العام 1990 حتى انتفاضة "الاستقلال الثاني" في العام 2005 تذكروا ما كانوا يسمونه "كلمة السر" السورية. فأدركوا أن هذه الكلمة وصلت إلى القوى المحلية فأذابت خلافها الأصلي على من يتسلم وزارة الداخلية وكادت تتوافق على سائر الحقائب.

لم يكن في حسابات دمشق ولا حلفائها اللبنانيين أن السوريين سيخرجون في تلك الجمعة متحدين أياماً طويلة من القصف والرصاص والاعتقالات، ليعيدوا الوضع في سورية إلى نقطة بداية الاحتجاجات، وليسقطوا إلى حد كبير خيار "الحل الأمني". وحده الرئيس ميقاتي كان في تلك الظهيرة حسب أصدقائه المقربين ينقل جهاز التحكم في يده بين "العربية" و"الجزيرة"، وكأنه كان يستشعر ما يحدث في حمص وحماه ودرعا وإدلب وتلكلخ وغيرها من المدن في سورية.

إثر هذه التطورات تبدد مناخ التفاؤل بولادة الحكومة. وإذ تبلَّغ رئيس الحكومة المكلف تصريح السفيرة الأمريكية "التذكيري" بأن واشنطن ستتعامل مع الحكومة اللبنانية العتيدة حسب شخوصها والتزامها بـ"الثوابت"، ولاسيما فيما يتعلق بالمحكمة الدولية، فإنه قرر التمتع بعطلة نهاية أسبوع طويلة، على أن يعاود اتصالاته انطلاقاً من معادلة جديدة قوامها تشكيل "حكومة للأكثرية" وليس "حكومة أكثرية"، وهو ما يستهوي ميقاتي أصلاً ويناسب شخصيته وموقعه السياسي. وسيحاول ميقاتي مجدداً إقناع من كلفوه تشكيل الحكومة بأنها لا يمكن أن تكون حكومة لون واحد، ولا حكومة تلبي مطالب الجنرال عون بالثلث المعطل، ولا حكومة لا تستطيع تسليم الوزارات الأمنية لغير محايدين وتضعف التمثيل السني فيها، وتكسر إرادة رئيس الجمهورية في الحصول على حصته من الوزراء. فدون ذلك كله مخاطر سياسية كبيرة، أولها أن سورية ما بعد الاحتجاجات ليست سورية ما قبلها، وأن سورية حليفة تركيا لم تعد كذلك، وأن سورية الممسكة بالورقة الفلسطينية عبر حماس شهدت انزلاق هذه الورقة من يدها وعودتها إلى حضنها الطبيعي في القاهرة، وأن سورية التي تباهي بالاستقرار باتت تحتاج إلى معجزة للعودة إلى اعتباره الدعامة الأولى للنظام، وأن سورية التي فكت العزلة التي فرضت عليها منذ 2005 عادت مطوقة بالعقوبات. ودون ذلك مخاطر اقتصادية ومالية أيضاً. فواشنطن التي جعلت "البنك المركزي- اللبناني" يأمر بدمج "البنك اللبناني- الكندي" بعد الاشتباه به بتمويل مشبوه، قادرة على الضغط في هذا المجال في أكثر من اتجاه، فكيف إذا كان رئيس الحكومة في الأساس ثرياً قبل أن يكون سياسياً، ورجل أعمال قبل أن يكون رجل شأن عام؟

هكذا دخلت معضلة التأليف مجدداً إلى المجهول. فهل تتعامل الأكثرية الجديدة ومن وراءها بواقعية تفرز "حكومة معقولة" لا تستفز المعارضين ولا الدوائر الدولية؟ أم هل تشكل حكومة مواجهة لاعتقاد دمشق وطهران بأن المرحلة باتت تتطلب هذا النوع من الحكومات خصوصاً بعد أحداث ذكرى النكبة وسقوط ضحايا في الجولان وعند الحدود اللبنانية- الإسرائيلية في مارون الراس؟ أم تغرق في لجة الانتظار في انتظار جلاء الوضع السوري وبموازاته القرار الاتهامي؟ كلها احتمالات تسير في خطوط متوازية، فيما مصالح اللبنانيين معطلة ودولتهم معلقة وغسيلهم منشور في كل مكان.

Share