هـل يتقدم العالم حقاً؟

د. باسكال بونيفاس: هـل يتقدم العالم حقاً؟

  • 23 نوفمبر 2004

أوصى محافظ مكتب الاختراعات في الولايات المتحدة بإغلاقه سنة 1899؛ والسبب في رأيه أن "كل ما كان يجب أن يُخترع تمّ اختراعه". وإذا سلمنا بأن القرن التاسع عشر كان غنياً بالاختراعات، فإن القرن العشرين قد تفوّق عليه من هذا المنظور. ولكن ربما كان من الأفضل أن يكون سؤالنا الأساسي: هل الناس أكثر سعادة في نهاية هذا القرن منهم في بدايته؟ وهل المجتمعات الآن أكثر عدلاً وانسجاماً؟

لا شك في أننا نميل إلى تجميل الماضي، فعلى الرغم من الحاسوب والتلفاز والإنترنت والطيران، ليس هناك من يجرؤ على وصف بدايات القرن الحادي والعشرين بأنها "العصر الذهبي"، كما وُصفت بدايات القرن التاسع عشر. ولكن، هل حدث ذلك فقط لأن الوقت الحالي يشهد وعياً أكبر، ولا مبالاة أقل؟

تتضاعف وسائل المعرفة وتزداد أهميتها. والمعلومة اليوم ليست حكراً على نخبة أو حفنة من الحكومات، فهي متوافرة لكل المواطنين. ولكنّ لهذه الطفرة الديمقراطية وجهاً ثانياً يدعو إلى القلق؛ فالحفاظ على الخصوصية الفردية بات أكثر صعوبة. ففي عام 1948، عندما كتب جورج أورويل روايته "1984"، لم يستطع أن يتخيل أنه في بداية القرن الحادي والعشرين سيكون بمقدور أي ديكتاتور،إذا أراد، أن يراقب مواطنيه لحظة بلحظة عن طريق الهاتف النقال، وأن يرصد طلبات الشراء التي يقومون بها عبر الإنترنت، والمبالغ التي ينفقونها عبر بطاقات الائتمان، وأن يلاحقهم عبر كاميرات المراقبة. كذلك لم يخطر ببال أورويل أن تعبئة المواطنين وتجنيدهم لن يكونا بحاجة إلى لقاءات جماهيرية، بل يمكن تحقيقهما عن طريق الملاحقة الفردية لكل مواطن.

إن اقتصاد السوق يكتسح، لأن العولمة انطلقت أساساً من ظاهرة مالية واقتصادية، فقد انضوت كلٌّ من روسيا وأوروبا الشرقية والصين تحت راية اقتصاد السوق، بعد سنوات طويلة من تبني نموذج "الاقتصاد الموجه".

لقد أدى "تسارع التاريخ" والتحولات العالمية المتلاحقة إلى تزايد الهوة بين الذين يملكون والذين لا يملكون، سواء داخل كل مجتمع على حدة أو بين المجتمعات المختلفة. فالنمو لا يسمح للفقراء باللحاق بالأغنياء، بل يسمح فقط بأن يتعايش كبار الأغنياء الجدد مع الفقراء الجدد الذين تمّ تهميشهم على امتداد العالم، من روسيا إلى زائير ومن فرنسا إلى اليابان، ومن الولايات المتحدة إلى البرازيل.

إن انعدام المساواة في عملية التنمية يستتبع انعداما للمساواة في كلّ شيء. ففي الوقت الذي يملك فيه أشخاص موهوبون لم يبلغوا الثلاثين بعد – بفضل استخدام تقنيات الاتصال الحديثة- ثروات هائلة توازي ثروات كبار رجالات الصناعة الذين أمضوا عقوداً طويلة لتجميعها خلال العقود السابقة، يوجد ملايين الناس ممن لم يتمكنوا من الوصول إلى أجهزة الحاسوب في مختلف أنحاء العالم، لتتراجع أسهمهم في سوق العمل.

وفي الوقت الذي تتمتع فيه "النخبة" العالمية بفوائد العولمة، فإن الأيدي العاملة غير المؤهلة – سواء في العالم المتقدم أو النامي- يتدنى ثمنها نسبياً. ومع أن الثروة العالمية قد زادت خلال القرن العشرين بنسبة 20% ، فإن أعداد المحرومين من تلك الثروة تتزايد حتى في المجتمعات الغنية، إذ يصل عددهم إلى 40 مليوناً في الولايات المتحدة، و18 مليوناً في أوروبا الغربية، ناهيك عن الفقر والجوع في ضواحي مكسيكو، والأكواخ الأفريقية، والأحياء الآسيوية الفقيرة.

من المؤكد أن العمل قد أصبح أخف وطأة وأقل وقتاً، وأن وسائل الترفيه أصبحت أكثر شيوعاً، ولكن ملايين الناس يعانون البطالة، والعبودية لا تزال قائمة، ولا سيما تلك المتعلقة بالأطفال.

إن الفكرة الساذجة التي ترى أن التقدم التقني سيحسن تلقائياً أحوال أغلب البشر، إن لم نقل كلّهم، يجب محاربتها بحسم. كذلك يجب، بالقدر نفسه، التصدي للرأي القائل بأن التقدم التقني ليس في صالح الإنسانية. إن الإنترنت أداة فائقة الإمكانيات للتواصل الحر، ولكن في الوقت نفسه يمكن استخدامها من طرف الحكومات السلطوية والرجعية، كما هي حال بعض الحكومات، التي ترصد باستخدام الإنترنت كل ما يكتبه عنها صحافيون أو سياسيون أو جماعات ومنظمات في أي مكان من العالم.

كان القرن العشرون قرن حروب وإبادات، قبل أن يكون قرن عولمة، ومع أنه شهد ارتفاعاً في متوسط العمر وتحسناً عاماً في ظروف العمل وتطوراً في مستويات الثروة ووسائل الاستهلاك، فإنه لم يكن قرن زيادة السعادة. وقد ثبت أن وقت الضحك اليومي قد واصل انخفاضه بشكل منتظم منذ بداية القرن العشرين. فعلى الرغم من صعوبة الأوضاع آنذاك، فإن التآزر والتقدير البالغ لفكرة الكرامة الإنسانية كانا يخففان وطأتها. لقد انهارت الأيديولوجيات والنظريات والمثاليات التحررية التي تسببت في وقوع كوارث إنسانية، ولكن التعصب لا يزال موجوداً. وقد بدأ حس التآزر والتعاون يتلاشى، في مقابل التنامي الملحوظ للأنانية والفردية. وأصبح العالم أكثر قبولا لفكرة الفروق الفردية، ومع هذا يتصاعد العنف الإثني وتتطور الخصوصيات particularisms التي تقود إلى إعادة تكون جماعات صغيرة متقوقعة على ذاتها ومنعزلة عن الآخرين، أو تغذية نزعة ذاتية متوحشة.

هل أصبح العالم أكثر أخلاقية؟ إن إنشاء المحاكم الدولية وملاحقة الطغاة ومحاكمتهم (بينوشيه وميلوسوفيتش) وشن حرب كوسوفو تحت راية أخلاقية، وبعيداً عن المصالح الاستراتيجية الكبرى، يسمح لنا بقول ذلك. ومع هذا يجب أن نعي أن المبادئ التي يُزعم أنها "كونية" universal، يجري تطبيقها بشكل انتقائي (لم تطبق في الشيشان أو أفريقيا أو الشرق الأوسط، وغيرها)، فقد يتم اللجوء إلى الأخلاق في بعض المواقف بغرض إضفاء المشروعية على سياسة القوة (كما كان عليه الحال خلال الفترة الاستعمارية، والصراع خلال الحرب الباردة، وكما جرى حديثاً في حرب العراق). لذلك فإن علينا أن نحدد سوية المعايير التي نرى أنها كونية.

إن الدرس الأساسي الذي يمكن استخلاصه من كل هذا أن التطورات التقنية يمكن أن تقود إلى كوارث، بالقدر نفسه الذي يمكن أن تسهم به في تحسين حياة الإنسان. ويرتبط ذلك بإدارة سياسة مشتركة للإنسانية، وهي السياسة التي يبدو، في الوقت الحالي، أنها تسير بسرعة أقل من تلك التي تسير بها التكنولوجيا.

Share