هجوم على "خارطة الطريق"

  • 11 يونيو 2003

يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون لم يتحمّل انتقادات حفنة من المستوطنين منذ أن قررت حكومة شارون تنفيذ خطة لإزالة بعض المستوطنات "غير المأهولة" في خطوة وصفتها السلطة الفلسطينية بأنها "مسرحية لا أهمية لها"، حيث سعى رئيس الوزراء الإسرائيلي على الأرجح إلى إرضاء هؤلاء المستوطنين، أو صرف أنظار الداخل الإسرائيلي عن النقاشات الدائرة حول "خارطة الطريق" ولو كان ذلك من خلال نسف أي أجواء للتفاؤل بتهدئة الأوضاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين. فالأحداث خلال الفترة الوجيزة الماضية شهدت تطورين ينطويان على دلالات ومغزى مهم، فالعملية الفلسطينية التي تمت عند معبر "إيريز" أمس الأول ذات دلالة باعتبار هذه النقطة "أحد رموز التطبيع" الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث تلتقي عند المعبر بشكل واقعي المصالح الاقتصادية بين الطرفين، وفي مقابل ذلك كان الرد الإسرائيلي بالأمس في غزة أبعد ما يكون عن الحكمة والعقلانية السياسية.

ومع التسليم بأهمية الخطوات التي تبنّتها الإدارة الأمريكية بشأن استئناف جهود التسوية السياسية في الشرق الأوسط، ومع تأكيد ضرورة تطوير هذه الجهود من جانب طرفي الصراع أو على الأقل توفير فرص النجاح لها، فإن ما يحدث داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة يعكس عدم تخلي شارون عن نهجه الاستراتيجي في التعاطي مع الإشكاليات القائمة، فردوده الأمنية تؤكد عدم حدوث تحولات في رؤيتة السياسية، فهو لم يزل يتمسك بالجنوح إلى المجازفة في إدارة الأزمات من دون اعتبار للنتائج المترتبة على قراراته، رغم أن استمرار العمليات الفلسطينية يعد في حقيقة الأمر بمنزلة برهان على سقوط النظرية الأمنية التي يروج لها شارون، فلم تزل القاعدة الحاكمة للصراع هي أن العنف لا يولّد سوى العنف، ويخطئ من يظن أن تكريس سياسة الاغتيالات والاستهدافات بحق قادة التنظيمات الفلسطينية سيعمل على "ردع" النشطاء الفلسطينيين خلال الفترة المقبلة. وإذا كان شارون يريد أن يبلغ قادة التنظيمات الفلسطينية رسالة مفادها أن "العنف ليس مثمراً"، فمن باب أولى أن يستوعب أولا مغزى هذه الرسالة، وأن يدرك كذلك أن سياسة القبضة الأمنية ستدمر ما تبقى من الطموحات الإسرائيلية في البحث عن مستقبل آمن، وأنها ستبقي المنطقة مرتهنة إلى الفوضى، فالتاريخ يثبت أن القمع والقهر لم ينجحا في تقويض دعائم الحركات التحررية، والثمار التي ينتظرها شارون لن تؤتي أكلها، ولن يحصد الجميع في النهاية سوى الفشل.

في ظل أجواء كهذه يصبح من الصعب التنبؤ بمصير "خارطة الطريق" ويصبح الحديث عن الوفاء بالالتزامات الواردة في قمة العقبة ضربا من التكهنات، فتحقيق السلام يتطلب أمنا واستقرارا وقدرا هائلا من الطاقات الدبلوماسية، كما يتطلب كذلك ساسة يدركون أن طريق التسوية السياسية محفوف بالعقبات والأشواك، وأن عليهم تحمل نتائجه والتعاطي معها بحذر وعقلانية سياسية، ترشّد الانفعال وتسعى إلى تهيئة بيئة التفاوض لا تعكيرها.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات