هجمة التشريعات العنصرية الإسرائيلية الجديدة ضد العرب

إبراهيم عبدالكريم: هجمة التشريعات العنصرية الإسرائيلية الجديدة ضد العرب

  • 29 يوليو 2009

يبيّن استعار حمّى التشريعات العنصرية الإسرائيلية ضد العرب في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تفاقم مفاعيل النهج المتواصل المعبِّر عن التوجهات الاستراتيجية الصهيونية إزاء هؤلاء العرب، الذين يجري تصنيفهم وفق المعايير الأمنية الإسرائيلية، ويُنظر إليهم ويعاملون حسب مصطلحات نُحتت بصورة متسقة مع هذه المعايير، في المجالات الديمغرافية والسياسية والاجتماعية وغيرها.

 وقد تزامنت هذه الهجمة التشريعية العنصرية الأخيرة مع تشكيل الحكومة اليمينية الائتلافية برئاسة بنيامين نتنياهو، قبل أكثر من ثلاثة أشهر، بمشاركة أحزاب وحركات متطرفة تحاول تجسيد بعض منطلقاتها الفاشية عن طريق اتخاذ مواقف مناهضة للأقلية العربية في الأراضي المحتلة. وقد وجدت هذه الأحزاب والحركات المتطرفة في مشاريع قوانين قدمتها للكنيست أدوات مناسبة لكبح النهوض الوطني والقومي والديني الواعد للحركة الجماهيرية العربية الذي أخذ يتسارع في السنوات الأخيرة.

 فقد وُضع على طاولة الكنيست في أبريل/نيسان الماضي (2009)، تعديلٌ لقانون الخدمة الأمنية، يقضي بإلزام من لا يخدم الخدمة العسكرية أو المدنية (المقصود العرب أساساً) بدفع ضريبة تنقل تخصص لرفاهية الخادمين في الجيش والخدمة المدنية. ولا يزال مقدمو هذا القانون من حزب "إسرائيل بيتنا" اليميني المتطرف يعملون لتمريره، بصيغته السابقة أو بصيغة قريبة منها.

 وفي مايو/أيار، طُرح مشروع قانون "المواطنة مقابل الولاء" على اللجنة الوزارية لشؤون التشريع، من قبل النائب عن حزب "إسرائيل بيتنا"، دافيد روتم، الذي يقيم في إحدى مستوطنات الضفة الغربية، ويشغل أيضاً منصب رئيس لجنة الدستور والقضاء والقانون في الكنيست. وحسب هذا المشروع، "سيُلزم طالب الجنسية بأن يكون موالياً لدولة إسرائيل كدولة يهودية صهيونية وديمقراطية، ولقيمها ورموزها، وأن يخدم الدولة في الخدمة العسكرية أو في خدمة بديلة". لكن اللجنة ردّت مشروع القانون بسبب الموقف الحازم للجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الداخل، وتحذير الفعاليات العربية من أن تمرير هذا القانون سيؤدي إلى العصيان المدني، فضلاً عن احتجاجات شديدة لمنظمات حقوقية، وتحذيرات أوساط محلية إسرائيلية من أن يسبب هذا القانون إحراجاً لإسرائيل في المحافل الدولية، ويزيد الاتهامات لها بالعنصرية. وللأسباب ذاتها، رفضت الحكومة مشروع قانون قدمه حزب "إسرائيل بيتنا"، يفرض على جميع الإسرائيليين أداء "قسم الولاء لإسرائيل كدولة يهودية صهيونية ديمقراطية". وقررت البحث عن صيغة أخرى لتمريرها من دون إثارة إشكاليات كبيرة محلياً ودولياً.

 وفي 27 مايو/أيار، صادق الكنيست الإسرائيلي بالقراءة التمهيدية على مشروع قانون قدمه النائب زبولون أورليف، من حزب "البيت اليهودي" اليميني المتطرف، ينص على أن "أي تعبير عن معارضة الدولة اليهودية من شأنه أن يؤدي إلى كراهية أو تحقير أو حنث الولاء للدولة ومؤسساتها، يعتبر مخالفة جنائية يعاقب عليها بالسجن لمدة سنة". وهذا يعني محاولة إسكات الأصوات العربية واليهودية اليسارية التي تطالب بالديمقراطية الحقيقية، ومعاقبة كل الذين يطرحون مشاريع بديلة للدولة اليهودية الصهيونية، مثل؛ "دولة كل المواطنين" و"دولة ثنائية القومية". كما جاء القانون استمراراً للطلب الإسرائيلي باعتراف الفلسطينيين والعرب عموماً والعالم بأسره بإسرائيل كدولة يهودية، وهو ما يؤدي إلى شطب حق العودة للاجئين، والانتقاص من حق العرب في الداخل بالمساواة الكاملة، ومحاصرة وجودهم، وجعلهم رهينة مفهوم "الدولة اليهودية الصهيونية".

 وفي مطلع يونيو/حزيران، تقدّم نواب من حزبي "كديما" المعارض و"الاتحاد القومي" اليميني المتطرف بمشروع قانون يحظر على المواطنين العرب السكن في البلدات اليهودية، التي أقيمت بالأصل على أراض عربية مصادرة، بذريعة تمكين هذه البلدات من الحفاظ على طابعها اليهودي. ولا يزال مشروع القانون سيفاً مسلطاً على أعناق العرب في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتعج التقارير المنشورة بالمعلومات حول ترافقه مع ممارسات تجري في الخفاء، يتضح منها أن "الولاء لإسرائيل يهودية وصهيونية" بات معيار السكن في كثير من البلدات اليهودية.

 كما ناقشت اللجنة الوزارية الإسرائيلية لشؤون التشريع يوم 14 يونيو/حزيران اقتراحاً بقانون، قدمه حزب "إسرائيل بيتنا"، يقضي بإلزام المدارس العربية في البلاد وعموم المدارس الرسمية الإسرائيلية تخصيص ثلاث حصص أسبوعية على الأقل من أجل "تعليم الصهيونية وتاريخ أرض إسرائيل ودولة إسرائيل". وعلى الرغم من رفض الحكومة تبني هذه الاقتراح بقانون، فإنه لا يزال باستطاعة الحزب طرحه في الكنيست بصيغة أخرى للتصويت عليه.

 وخلال جلسة ساخنة للجنة الداخلية البرلمانية يوم 16 يونيو/حزيران، دافع رئيس اللجنة، دافيد أزولاي، وغيره من نواب "الليكود" و"شاس"، عن اقتراح قدمه وزير الداخلية إيلي يشاي، يطلب فيه مجدداً منحه تخويلاً كاملاً بـ "نزع المواطنة" من دون حاجة إلى موافقة المحكمة أو المستشار القضائي. وهو أمر يثير مخاوف عرب إسرائيل، ويدل في الوقت ذاته على المناخ السياسي المعادي للديمقراطية السائد في الدولة.

 كما مدّدت الحكومة يوم 19 يوليو/تموز اعتماد "قانون المواطنة" العنصري لعام 2003، كأمر مؤقت، لمنع جمع شمل عائلات أحد شقيها من مناطق "الخط الأخضر" والشق الآخر من الأراضي المحتلة عام 1967، أو من دول عربية معرَّفة إسرائيلياً بأنها دول معادية. ويمنح هذا القانون المحاكم الإسرائيلية حق إبعاد أي فلسطيني يعيش في إسرائيل، وحرمانه من جميع حقوقه فيها، إذا ما أدين بتهمة تقديم مساعدة للمقاومة الفلسطينية. وبالتالي أصبح جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) هو صاحب السلطة الأولى في تحديد مُواطَنَة أي عربي؛ إذ يكفي أن يقدّم "الشاباك" لأية محكمة إسرائيلية لائحة اتهام ضد أي فلسطيني من مناطق 1948 لكي تصدر قراراً بإبعاده، وعندها يصبح هذا القرار ملزماً لوزير الداخلية لتنفيذه وإبعاد ذلك الفلسطيني إلى خارج إسرائيل، وشطب جميع حقوقه وسجلاته بموطنه وأرضه وبيته. وقد انتبهت حكومة إسرائيل لإشكالية هذا القانون من ناحية حقوق الإنسان، فأقرته على صيغة "قانون طوارئ" (أمر مؤقت) لتبعد عن نفسها أي اعتراض حقوقي، ومع ذلك فقد قوبل القانون بانتقادات شديدة من المجتمع الدولي ووسائل الإعلام العالمية والأمم المتحدة ولجانها المختلفة.

 وتجري محاولات أخرى لتصفية ممتلكات وعقارات اللاجئين الفلسطينيين التي تديرها "دائرة أراضي إسرائيل"؛ حيث قدمت حكومة نتنياهو إلى الكنيست يوم 22 يوليو/تموز مشروع "قانون خصخصة الأراضي"، ولكنها أخفقت في تجنيد أغلبية لصالحه، بسبب معارضة اليمين الإسرائيلي له من منطلقات أيديولوجية؛ لأنه حسبما يصفونه "ينزع ملكية شعب إسرائيل الجماعية عن أراضي إسرائيل". وقد هدد نتنياهو بإقالة الوزراء ونواب الوزراء الذين يرفضون التصويت مع القانون لدى طرحه في وقت لاحق.

 ويجدر التوقف مطولاً عند "قانون النكبة"، الذي مرّ على مسار طويل نسبياً، منذ أن اقترحه للمرة الأولى في مايو/أيار الماضي النائب أليكس ميلر، الذي هاجر من روسيا إلى إسرائيل عام 1992 وهو في سن الخامسة عشرة، وينتمي إلى حزب "إسرائيل بيتنا". فقد صادقت الحكومة يوم 24 مايو/أيار على طرحه كمشروع قانون على الكنيست، وكان في صيغته الأولى يقضي بمنع تنظيم أية نشاطات في إسرائيل لإحياء ذكرى النكبة، ويحدد عقوبة ثلاث سنوات سجن على المخالفين. ثم أقرته اللجنة الوزارية لشؤون القانون والدستور، لكن الحكومة سحبت هذه الصيغة في أعقاب العاصفة العامة التي ثارت ضدها. ثم أقرت اللجنة يوم 19 يوليو/تموز صيغة معدلة موسعة لمشروع القانون، تتضمن منع الفلسطينيين في الداخل من إحياء ذكرى نكبة 1948، ولكن بحلة جديدة وبطريقة التفافية، تفرض قيوداً مشددة على المؤسسات التي تتلقى تمويلاً ودعماً حكومياً؛ حيث يمنع مشروع القانون الجديد الأحزاب السياسية والمجالس المحلية والمراكز الثقافية والمدارس وكل مؤسسة تتلقى دعماً حكومياً، من إحياء ذكرى النكبة أو المشاركة بتمويل إحياء هذه الذكرى. وسيعرض مشروع القانون قريباً على الكنيست للتصويت عليه.

 وفي الثاني والعشرين من يوليو/تموز الجاري، قررت وزارة التربية الإسرائيلية إسقاط كلمة "النكبة" من الكتب الدراسية باللغة العربية، وهي خطوة تلغي قراراً حكومياً في عام 2007 بإدراج المصطلح في مناهج المدارس العربية في إسرائيل. ورغم أن الكلمة واردة في الكتب العربية، ولا تظهر في الكتب بالعبرية، فقد علل وزير التربية جدعون ساعر قراره بأنه لا يمكن وصف قيام دولة بأنه "كارثة"، وأن إدراج المصطلح في المناهج يعني "إنكار شرعية" قيام دولة إسرائيل، وأن استخدام هذه اللغة يشجع على "خلق التطرف في الوسط العربي".

 وحول الأجواء التي يثار فيها موضوع النكبة، يمكن ملاحظة أنه مقابل قلة من الإسرائيليين الذين أبدوا تفهماً لمشاعر العرب ودعوا إلى السماح لهم بإقامة المهرجانات وبالتعبير السلمي عن مواقفهم، فقد ركزت النقاشات الإسرائيلية على أن كل ديمقراطية في العالم تضع لنفسها هدفاً هو الدفاع عن المبادئ والأسس التي يقوم عليها نظامها الديمقراطي، وأن من يبدي تعبيراً علنياً لمشاعر العزاء والحزن على إقامة دولة إسرائيل، فإنه يتآمر، في واقع الأمر، على كيان الدولة ووجودها، ويصم الصراع اليهودي المتواصل على مدى ألفي سنة بأنه صراع غير عادل، كما أن تحويل "يوم الاستقلال" لدولة إسرائيل إلى يوم حداد يغرس سكيناً في قلب مبرر وجود الدولة.

 أما في المنظور العربي، فهناك إجماع على أن إقرار مشروع "قانون النكبة" يعدّ دليل إفلاس سياسي، وتعبيراً عن خوف الجلاد من ضحيته ومن روايتها حين تعبّر عن ألمها، وأنه يأتي تحسباً لنمو المشاعر الوطنية والوعي السياسي بين الفلسطينيين في الداخل، ومحاولة يائسة لمصادرة الرواية العربية للصراع ومحو الذاكرة الفلسطينية، لإعادة كتابة تاريخ مزور للمنطقة وتزييف الواقع، ولضمان وجود رواية واحدة هي الرواية الصهيونية.

 ويلمس كثيرون واقع أن الهوس الإسرائيلي بـ"يهودية الدولة" هو سياسة يعاني منها العرب بحياتهم اليومية من خلال استقدام المهاجرين اليهود، ومصادرة أراضي العرب، ومحاولة اجتثاثهم ودفعهم للرحيل عن البلاد. وما يثير الانتباه أنه ضمن "حركة التشريع لتهويد الدولة"، فقّست غالبية القوانين في حاضنة حزب "إسرائيل بيتنا"، الذي لا يزال يعدّ حزباً "روسياً" يحاول البرهنة على انتمائه لإسرائيل، ويترجم محاولاته لحسم موضوع التسيّد وهوية الدولة على حساب الأقلية العربية.

 حيال كل ذلك، يدرك عرب الداخل أن ما يتعرضون له من انفلات عنصري غير مسبوق، يتساير مع السعي لتكريس مفهوم "الدولة اليهودية الصهيونية" التي لا مكانة فيها للعرب، تمهيداً لنقلة نوعية على مسار "الحل الصهيوني النهائي" لوجود العرب الفلسطينيين، واستدراجهم إلى مواجهة محتومة. وإزاء هذه الحقيقة، يصرّ هؤلاء العرب على تحدي الغطرسة الصهيونية، بقامات منتصبة، مؤكدين أن شرعيتهم مستمدة من كونهم أهل البلاد الأصليين، وأن لهم الحق بالعيش والتجذّر في وطنهم.

Share