هجمات مومباي: استراتيجيات قديمة مآلها الفشل

د. أيمن الدسوقي: هجمات مومباي... استراتيجيات قديمة مآلها الفشل

  • 1 ديسمبر 2008

تباينت تحليلات المراقبين للهجمات الإرهابية على مدينة مومباي (بومباي سابقا)، مساء 26 نوفمبر 2008، والتي تعد أطول وأقوى عملية إرهابية تشهدها الهند في السنوات الماضية، تباينا كبيرا. فمنهم من ركز على التطور النوعي للعمل الإرهابي، سواء من حيث التخطيط المحكم للعملية، أو من حيث الجرأة التي اتسم بها الإرهابيون للقتال في وسط مدينة مكتظة بالسكان والتنسيق الدقيق بينهم، أو من حيث التقنيات والتكتيكات الجديدة التي وظفها المهاجمون، أو من حيث استراتيجيتهم القتالية وتدريبهم ذو المستوى العالي. فيما اهتم آخرون بدراسة العلاقة المحتملة بين الجماعة التي تبنت مسؤولية الهجمات (مجاهدو ديكان الهندية) أو التنظيم الذي تنسب إليه هذه المسؤولية (لشكر/عسكر طيبة الكشميرية) وبين تنظيم القاعدة، أو على الأقل استقراء أوجه الشبه بين هجمات مومباي والعمليات التي تنفذها القاعدة. 

وهناك من انشغل بالتعرف على الأسباب والعوامل المختلفة وراء هذه الهجمات الإرهابية (وبصفة خاصة وضع الأقلية المسلمة داخل الهند وصراع كشمير)، أو باستشراف التأثيرات الاقتصادية لهذه الهجمات على مدينة مومباي؛ كونها المركز المالي والاقتصادي والفني للهند، أو بتحليل انعكاساتها على العلاقات الهندية الباكستانية. بينما تجاوز آخرون قضية الهجمات في ذاتها إلى بحث كيفية مواجهة الإرهاب على المستوى الإقليمي (جنوبي آسيا) والمستوى الدولي، واقتراح أساليب أكثر نجاعة وتنظيمات أكثر فعالية في هذا الخصوص

 ورغم أهمية اتجاهات التحليلات الفائتة، فإن الهجمات الإرهابية على مدينة مومباي قد أبانت عن ثلاثة استراتيجيات قديمة جديدة طبقها الإرهابيون، تدل الخبرة السابقة والتحليل الموضوعي أن مآلها جميعا إلى الفشل. هذه الاستراتيجيات هي مهاجمة الأجانب (الغربيين بالأساس)، توظيف أسلوب الفدائيين في العمليات الإرهابية، واستهداف توتير العلاقات بين الدول. هذه الاستراتيجيات قديمة؛ لأن جماعات راديكالية عديدة ومتنوعة سبق أنْ وظفتها في أنحاء متفرقة من العالم (في مصر والفلبين وروسيا والسعودية وأندونيسيا وغيرهم)، وإن كان للجماعة الإسلامية في مصر قصب السبق في هذا المضمار. لكن هذه الاستراتيجيات جديدة التطبيق في الهند؛ حيث عمد الإرهابيون، من الجانبين الهندوسي والمسلم، من قبل إلى أسلوب التفجيرات الانتحارية أو عن بعد (تفجيرات مومباي في عامي 1993 و2006) ، أو مهاجمة مناطق نائية في أطراف المدن، أو ضرب أهداف سهلة من الناحية الأمنية.

 أولى الاستراتيجيات التي اتبعها إرهابيو مومباي هي مهاجمة الأجانب (الغربيين بصفة خاصة والأمريكيين والبريطانيين والإسرائيليين بصفة أخص)؛ يظنون أن ذلك سوف يكسبهم تعاطف الرأي العام في الدول الإسلامية والعربية وربما في بعض دول الجنوب الأخرى أيضا، ويقدمهم على أنهم مقاتلون في سبيل قضية أو قضايا؛ ولتكن مواجهة الإمبريالية الأمريكية أو الأنجلوأمريكية أو الصهيوأمريكية، أو القصاص من هؤلاء الغربيين واليهود جراء الجرائم التي ترتكبها دولهم بحق المسلمين والعرب، أو الضغط على هذه الدول (فيما لو نجا الإرهابيون ببعض الرهائن) لإطلاق سراح "إخوانهم" من المعتقلات والسجون. أضف إلى ذلك أن الإرهابيين متيقنون من أن مهاجمة الأجانب سوف تمنحهم تغطية إعلامية أوسع على نطاق العالم كله. فعندما اقتحم الإرهابيون فندقي تاج محل و ترايدنت أوبروي، طلبوا من الأمريكيين والبريطانيين الموجودين أن يتنحوا جانبا. كما أن الهجمات طالت أيضا مطعما سياحيا يرتاده الغربيون ومركزا يهوديا يقصده الإسرائيليون. وقد أسفرت الهجمات عن مقتل نحو 30 أجنبيا، لكنها أزهقت ما يزيد عن 195 نفسا هندية، وأصابت أكثر من ثلاثمائة وخمسين أخرى بجروح دموية. وهذا أول دليل على فشل استراتيجية مهاجمة الأجانب؛ إذا ما قيس نجاح الاستراتيجية بما حققته من نتائج مباشرة (عدد القتلى من الأجانب محدود جدا، ولا يستأهل التضحية بهذا العدد الكبير من المواطنين ما بين قتلى وجرحى) أو نتائج غير مباشرة (سخط عام في أنحاء العالمين العربي والإسلامي على إرهابيي مومباي ومن تبعهم، وتعاطف ومساندة للهند حكومة وشعبا). دون الحديث عن الدعم الدولي الذي تلقته حكومة الهند؛ فقد أرسلت واشنطن فريقا من مكتب التحقيقات الفدرالي، وبعثت بريطانيا فريقا متخصصا ليشارك في كشف ملابسات ما جرى في مومباي. علاوة على ذلك، تمدنا الخبرة السابقة في مصر بالذات، منذ بدأت الجماعة الإسلامية بمهاجمة السياح الأجانب في التسعينيات من القرن المنصرم (أبرزها مذبحة الأقصر، في نوفمبر 1997، التي راح ضحيتها 66 شخصاً، منهم 57 سائحاً أجنبياً)، بأدلة أخرى دامغة على فشل استراتيجية إرهابيي مومباي. فالجماعة الإسلامية لم تفلح في تحقيق أي من مراميها في كسب تعاطف الرأي العام، أو إضعاف النظام المصري تمهيدا لإسقاطه. بل إن النظام المصري خرج من هذه الظروف أقوى أمنيا وسياسيا مما كان؛ بفضل حنق المصريين على الجماعة جراء الأرواح المواطنة التي أزهقت ومورد رزق (السياحة) الكثير منهم الذي كاد يتوقف، وبفضل المساندة الدولية التي تلقتها الحكومة المصرية. على الجانب الآخر، أصاب الجماعة الإسلامية الوهن؛ بسبب الإجراءات الحكومية الصارمة ضدهم، وخسرانها قطاعات كبيرة من المساندة الشعبية، وانتهى الأمر بعناصرها إلى غياهب السجون؛ إلى أن أعلنت الجماعة عن مراجعة جذرية لأفكارها، والتخلي عن العنف وسيلة للتغيير في أواخر التسعينيات.   

ثانية الاستراتيجيات التي تبناها مهاجمو مومباي هي توظيف أسلوب الفدائيين في العمليات الإرهابية؛ أي القتال حتى الموت أو القتل حتى النفس الأخير. وفي الحقيقة، فقد حازت هذه الاستراتيجية على تقدير خبراء الإرهاب؛ كونها تنم عن جرأة وجسارة، وتضع القوات الحكومية في ورطة أمنية كبيرة، سواء اتخذت قرار الهجوم على المتحصنين داخل المباني وفي حوزتهم رهائن بشرية أو فضلت حصارهم. وقد سبق أن طبق هذه الاستراتيجية المسلحون الشيشان في روسيا عام 2002، والمتشددون في "الخبر" السعودية عام 2004. وفي الحالتين، فشل الراديكاليون في تحقيق غاياتهم؛ بل ارتد السحر على ساحره. ذلك أن اتباع هذا الأسلوب في العمل الإرهابي، وإن كان يضع القوات النظامية في ورطة ضخمة، كما أبان حادث الهجوم على مسرح موسكو عام 2002، يتضمن مخاطرة أمنية كبيرة للجماعة الإرهابية. يأتي ذلك من أن فشل أحد أو بعض العناصر الإرهابية في نيل "شرف الموت" في الميدان يعد صيدا ثمينا لعناصر المخابرات الوطنية والدولية المساعدة، سوف يمكن السلطات، إن عاجلا أو آجلا، من تفكيك البنية التحتية للإرهاب، واصطياد عناصره. وهذا ما حدث في مومباي؛ فقد قبض على أحد المسلحين، يقال إنه اعترف بهوية "إخوانه" الذين قتلوا في المواجهات مع القوات الهندية، وبأنهم تلقوا تدريبهم لدى منظمة عسكر طيبة.

 ثالثة الاستراتيجيات التي تبناها إرهابيو مومباي هي استهداف توتير أو تثوير العلاقات بين الدول؛ لأن هذا هو المناخ الملائم لنشاط الجماعات الراديكالية. وتدلنا الخبرة الدولية أن الإرهابيين قد يحققون بعض النجاح أو الكثير منه في هذا الخصوص على المدى القصير، لكنه نجاح وهمي سوف ينقلب إلى فشل ذريع على المدى المتوسط أو الطويل. والمثال النموذجي على ذلك هو الخبرة المصرية-السودانية؛ عندما تمكنت العناصر الراديكالية في الجبهة الإسلامية القومية بزعامة حسن الترابي من تأزيم العلاقات بين مصر والسودان في التسعينيات من القرن الماضي. ولكن استراتيجية الجبهة باءت بالفشل في النهاية، واستعادت العلاقات بين بلدي وادي النيل تدريجيا طابعها التعاوني المميز، توجت بزيارة الرئيس مبارك إلى السودان الشهر الماضي (نوفمبر 2008)./n /n ويبدو أن التنظيم الراديكالي المسؤول عن هذه الهجمات (سواء كان مجاهدي ديكارت أو عسكر طيبة أو غيرهما) قد أصاب بعض النجاح في استهدافه للعلاقات الهندية-الباكستانية، التي أخذت في التطور الإيجابي في الآونة الأخيرة، ولاسيما بعد تولي الحكومة المدنية السلطة في باكستان مطلع هذا العام. فقد انغمست الهند، على المستويين الشعبي والرسمي، في لعبة إلقاء اللوم على باكستان (على مواطنين باكستانيين تدربوا داخلها، أو على تنظيمات راديكالية ترتبط/كانت ترتبط بالمخابرات الباكستانية). فيما أعادت باكستان النظر في قرارها إيفاد رئيس وكالة مخابراتها للمشاركة في التحقيقات الجارية بشأن الحادث، واكتفت بإرسال ممثل عن الوكالة، وأجرت الحكومة الباكستانية محادثات أزمة، وحذر الرئيس زرداري الهند من المبالغة في رد الفعل. وقد بلغ التوتر مداه عندما تناقلت وسائل الإعلام، في غرة ديسمبر الجاري، عن مسؤولين هنود أن حكومتهم تدرس اتخاذ عدد من الإجراءات لإظهار بعض الخشونة تجاه باكستان، تتراوح من إنهاء عملية الحوار إلى مهاجمة أهداف داخل الأراضي الباكستانية.

 يأتي الاتهام الهندي لباكستان بالرغم من أن وزير الخارجية الباكستاني كان يقوم بزيارة إلى الهند عند وقوع الهجمات، وحثه الأخيرة على عدم "إقحام السياسة في هذا الموضوع"، وتكراره أن "على البلدين أن يتعاونا من أجل هزيمة العدو" (المشترك). ربما ما يعزز الاتهامات الهندية، ويبررها في الوقت نفسه، هو الخبرة الصراعية الطويلة للتفاعلات بين البلدين، والاعتياد على إطلاق مثل هذه الاتهامات. فطالما استخدمت كل من الهند وباكستان فصائل تابعة لهما هنا وهناك في نزاعهما بشأن كشمير. ومن المعتاد أن تتكرر في أوقات الأزمات كهذه ردود أفعال من قبيل: "مسلحون من دولة جارة"، أو "روابط بدولة عدوة"، أو "هؤلاء الذين يستهدفون زعزعة استقرارنا من خارج الحدود". ففي بداية العام الحالي، وجهت أصابع الاتهام لباكستان بالوقوف وراء الهجوم على السفارة الهندية في كابل، وكادت تشتعل بينهما حرب رابعة عام 2001 إثر الهجوم على البرلمان الهندي. من جهتها، رفضت إسلام آباد الاتهامات الهندية، ونفت ضلوع أي من أجهزتها فيها. وتعهد الرئيس، آصف زرداري، باتخاذ إجراءات صارمة ضد أي مجموعة أو أفراد من باكستان يثبت تورطهم في هجمات مومباي، وشدد على ضرورة عدم السماح "للإرهابيين" بتقويض علاقات البلدين، وأهمية استمرار التطبيع بين الجارتين.

 وإن كنت متيقنا أن استراتيجية إرهابيي مومباي في استهداف توتير أو تأزيم العلاقات بين الهند وباكستان مصيرها إلى الفشل أيضا، فإن انغماس الحكومة الهندية في لعبة إلقاء اللوم على الخارج، وإن استطاع امتصاص السخط الشعبي على الحكومة، وربما مكن حزب المؤتمر من حيازة تأييد المواطنين بالنظر إلى قرب الاستحقاق الانتخابي في مايو المقبل، ليس أسلوبا ناجعا في الكشف عن مصادر الإرهاب (احتمال تورط جماعة هندية راديكالية)، أو التصدي له على المدى الطويل أو حتى على المدى القصير. كما أن العلاقات بين الجارتين النوويتين في حاجة إلى النضج.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات