هاجس الحرب في الفكر الشاروني

  • 1 أكتوبر 2003

من بين التصريحات الكثيرة التي يطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون، يلفت الانتباه حديثه مؤخرا عن احتمالات تعرّض الجيش الإسرائيلي لحرب عربية مفاجئة، وهو حديث لا يتعارض فقط مع ثوابت الدول العربية التي اعتبرت السلام خيارا استراتيجيا لها منذ سنوات مضت، ولكنه يعكس أيضا سيطرة الهاجس الأمني على عقلية رئيس الوزراء الإسرائيلي في التعاطي مع الإشكاليات والقضايا الداخلية والخارجية، فمن الوارد بالطبع أن يكون التعرض لهجوم خارجي من بين الاحتمالات التي تتضمنها أجندة المخططين الاستراتيجيين في أي بلد، ولكن سيطرة هذا الهاجس بشكل غير مبرر على ذهنية صانع القرار في دولة ما، تسهم في "عسكرة" السياسة الخارجية لهذه الدولة، وتجعلها أقرب إلى تبنّي لغة القوة خصما من رصيد الدبلوماسية ولغة الحوار.

ومن الوارد بالطبع أن يكون هدف شارون من وراء التلميح بلغة الحرب مبررات "محلية" تتعلق بميزانية الجيش الإسرائيلي، التي يدور حاليا جدل بشأنها وتطرح تساؤلات داخلية حولها، في ظل الرؤى والتصورات الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على زوال ما كانوا يصفونه بالتهديد الشرقي، ولكن شارون اعتاد منذ توليه الحكم قبل أكثر من عام القفز على المعطيات والبراهين الواضحة، وتجاهل حقائق الواقع، بل يسعى دوما إلى فرض "أجندته" على المجتمع الدولي والأطراف ذات الصلة بالصراع في الشرق الأوسط، من خلال "إغراق" الجميع في دوامة البحث عن مخرج يدرأ خطر الحرب قبل البحث عن السلام والاستقرار، فحديث الحرب يكاد يكون هو الأجندة الوحيدة التي يمتلكها شارون، وهذا الحديث لم يحمل جديدا على صعيد سياساته وأفكاره المتطرفة، ويؤكد بالفعل افتقار الحكومة الإسرائيلية إلى أي برنامج أو مشروع سياسي. والغريب أن يطلق شارون تصريحاته هذه وهو يدرك أن المواطن الإسرائيلي هو الخاسر الأول من وراء انعدام الاستقرار الداخلي أو التلويح بخطر خارجي وهمي، وليس هناك أدل على ذلك من استطلاع "يديعوت أحرونوت" الأخير الذي أكد وجود حالة إحباط عالية جدا لدى الإسرائيليين الذين لا يرون أي أفق لمستقبل أجيالهم المقبلة، حيث عبّر نحو 73% من أفراد العيّنة عن عدم ثقتهم في مستقبل أفضل لأبنائهم.

والواضح أن تحليل تصريحات شارون الأخيرة يؤكد أنه من طراز الساسة الذين يميلون إلى المجازفة في إدارة الأزمات دون اعتبار للنتائج، ويستبعد الرهان على قدر -ولو ضئيلا- من احتمالات تحقيق مكاسب سياسية، وهذا الطراز من القادة يقف عادة وراء تأجيج الصراعات، خصوصا أن اللجوء إلى المجازفة ليس مرادفا بالضرورة لغياب البدائل الاستراتيجية في إدارة الأزمات، فهو منحى يعود بالدرجة الأولى إلى عوامل نفسية وثقافية تتحكم بقوة في توجيه القرار السياسي، وذلك بغض النظر عن مدى توافق هذا القرار مع قواعد إدارة الأزمات، ولعل عقلية كهذه من شأنها أن تضع المنطقة بأكملها تحت ضغط الحرب، فشارون فشل فشلا ذريعا في تحقيق نظريته القائلة بأن "لا سلام من دون أمن" كما لم يحقق أيضا الأمن للإسرائيليين، ومن المستبعد أيضا أن يسعى إلى تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات