نهاية اللعبة في أفغانستان

  • 22 يوليو 2010

كان شهر يونيو/حزيران الماضي أكثر الشهور دموية في حرب أفغانستان، التي تعد أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة؛ حيث قتل أكثر من مائة جندي أجنبي (60 منهم أمريكيون) في المعارك الدائرة هناك. كما كان هذا الشهر هو الأسوأ فيما يتعلق بعدد حالات الانتحار المسجلة في صفوف القوات الأمريكية. فقد أشار الموقع الإلكتروني الشهير (iCasualties.org) بأن الانتحار بين الجنود الأمريكيين كان بمعدل جندي كل يوم تقريباً خلال هذا الشهر، بإجمالي 32 عملية انتحار مؤكدة أو مشتبه فيها. ويلاحظ أن اثنتين وعشرين حالة من هذه الحالات كانت في أثناء قيام الجنود بخدمتهم العسكرية داخل أفغانستان.

ومن المفارقات أن يكون هذا العام (2010)، بعد تسع سنوات من بدء الحرب، مرشحاً ليصبح أسوأ الأعوام من ناحية خسائر الأرواح، سواء بالنسبة لقوات المساعدة الدولية (إيساف) أم للقوات الأمريكية. فوفقاً للموقع الإلكتروني نفسه، فقدت قوات إيساف، منذ بداية العام وحتى شهر أغسطس/آب الجاري، نحو 450 جندياً، فيما قتل  نحو 290 جندياً في صفوف القوات الأمريكية. وفي 12 يوليو/تموز، قدم الموقع الإلكتروني لمنظمة مراقبة الحقوق في أفغانستان ملاحظة مشابهة. فقد لاحظت المنظمة المستقلة أنه من "زاوية انعدام الأمن، يعد العام 2010 الأسوأ منذ زوال نظام طالبان". وطبقاً لحساباتها، فقد سقط 1074 من المدنيين الأفغان خلال هذا العام حتى الآن.

وفي الواقع، ليست فقط العمليات العسكرية على الأرض التي تسير بشكل بائس بالنسبة لقوات التحالف في هذا البلد الممزق نتيجة الحروب؛ فثمة انقسام، يجده المحللون، في صفوف قوات التحالف أنفسهم، وخاصة ما بين جناحي الإدارة المدنية والعسكرية الأمريكية. بداية، اضطرت إدارة أوباما أن تبتلع قسراً انتخاب حامد كرزاي رئيساً لأفغانستان، على الرغم من إقرارها بأن حكومته مفعمة بالفساد، وأن الانتخابات الرئاسية الأفغانية نفسها تم التلاعب فيها. ثم واجه البيت الأبيض موقفاً أكثر حرجاً؛ بسبب المقالة المعنونة "الجنرال الهارب"، التي صدرت في 25 يونيو/حزيران 2010 في مجلة رولنغ ستونز، وهي خلاصة مقابلات أجراها كاتبها مع الجنرال ستانلي ماكريستال، قائد إيساف والقوات الأمريكية في أفغانستان، وكبار مساعديه. في هذه المقالة، سخر الجنرال ماكريستال وأعضاء طاقم قيادته بشكل علني من المسؤولين الكبار في الإدارة الأمريكية، بما فيهم نائب الرئيس جوزيف بايدن، ومستشار الأمن الوطني جيمس جونز، وسفير الولايات المتحدة في أفغانستان كارل دبليو إيكنبري، والمبعوث الخاص إلى أفغانستان وباكستان ريتشارد هولبروك. كما كشف بعض مساعدي الجنرال ماكريستال عن خيبة أمل في سياسات الرئيس أوباما. وبعد فترة قصيرة من مقابلته مع المجلة المذكورة، أقيل الجنرال ماكريستال من منصب القيادة في أفغانستان، ليعلن بعد ذلك تقاعده من الجيش الأمريكي، وتعيين الجنرال ديفيد بترايوس، قائد القيادة المركزية، بدلاً عنه.

وقد عزا العديد من المحللين سبب التوتر بين الإدارة الأمريكية والجنرال ماكريستال إلى عدم وجود تقدم في الحرب، بعد إعلان الرئيس أوباما في ديسمبر/كانون أول الماضي عن الالتزام بإرسال 30 ألف جندي إضافي إلى أفغانستان. وقد وضع الرئيس الأمريكي ثلاثة أهداف للحملة من أجل البدء بعملية سحب الجنود من أفغانستان بداية من يوليو/تموز 2011، وهي: منع توفير ملجأ آمن للقاعدة، وعكس الزخم العسكري لحركة طالبان، وتقوية قدرات قوات الأمن الأفغانية. ووفقاً للخبراء، لم يتم إنجاز أي من هذه الأهداف بعد، كما لم تظهر أية علامات على إمكانية تحقيقها في الإطار الزمني الذي وضعه الرئيس الأمريكي. وفي هذا السياق، لاحظ عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، ريتشارد لوغار، أن "المهمة العسكرية والمدنية في أفغانستان تجري دون أية معالم نجاح واضحة".

إن استراتيجية إضعاف قوة طالبان المتنامية تعرضت لضربة قوية في شهر فبراير/شباط من العام الجاري. فعندما شنت قوات التحالف والقوات الأفغانية "عملية مشتركة" ضد معقل طالبان في جنوب أفغانستان في منطقة مرجة بولاية هلمند، وهي العملية الأكبر من نوعها منذ سقوط نظام طالبان في 2001، والتي نظر إليها بوصفها تمثل عملاً تمهيدياً وتجريبياً تحضيراً للهجوم الأكبر ضد مقاتلي الحركة في قندهار، حيث معقلها الرئيسي ومكان نشأتها، واجهت هذه القوات مقاومة قوية ودامية في تلك المنطقة بعد بضعة نجاحات أولية حققتها؛ حيث وصف الجنرال ماكريستال منطقة مرجة بأنها أشبه بـ"قرحة نازفة" يصعب برؤها.

وقد أثر فشل هذه "العملية المشتركة" في إطلاق "عملية قندهار" التي كان من المفترض شنها بداية شهر مارس/آذار 2010، ولكن تم تأجيلها حتى الخريف القادم. وبسبب إصرار القادة الأفغان، توقف المسؤولون الأميركيون عن وصف الخطة بأنها عملية عسكرية، وأطلقوا عليها بدلاً عن ذلك "تعاون من أجل قندهار"، وحددوا غرضها في أنها سوف تعزز جهودها لتقوية الحكم المحلي، وتسعى إلى تخفيض الخوف من حصول معارك في الشوارع. ويلاحظ أن هناك مواقع أخرى في أفغانستان، مثل قندز في الشمال وخوست في الشرق، تعتبر مركزاً للمشكلات مثل قندهار.

وقد أثارت حالات الفشل هذه دعوات إلى "إعادة تفكير" شاملة لحرب أفغانستان، بل إن كثيراً من أفراد النخبة الفكرية والسياسية الأمريكية باتوا يدعون إلى الانسحاب الفوري والنهائي للقوات الأمريكية من البلاد. وقد ذهب عضو الكونغرس الأمريكي، دنيس كوكينيش، إلى حد التشكيك في مشروعية الحرب، وتحدى، من ثم، ادعاء الرئيس أوباما بأنها "حرب جيدة". وفي مقابلة أخيرة له مع تلفزيون روسيا، أشار كوكينيش إلى أن "الدستور يتطلب وجوب صدور قانون من الكونغرس قبل دخول الولايات المتحدة في أية حرب"، ولكن الكونغرس "لم يقم بمثل هذا الإجراء بالنسبة لحرب أفغانستان"، و"لقد انجرفنا بكل بساطة إلى الحرب وإلى التزام طويل الأمد".
ويرى بعض المراقبين، أن "انتصاراً مشكوكاً فيه" قد يكون عديم المعنى للولايات المتحدة. ويقول المعلق المشهور توم انغلهارت إنه حتى بعد "النصر"، فإننا سوف "نكون قد استحوذنا في الحد الأدنى على أرض متصدعة ومدمرة خلال العقود الثلاثة الأخيرة. كما سنملك خامس أفقر دولة في العالم. سنملك ثاني أكثر دولة فساداً في العالم. كما سنملك دولة المخدرات الأولى في العالم، وهي الدولة الوحيدة التي تنتج نوعاً واحداً من المخدرات، وهو الأفيون. وفي ما يتعلق بالحرب الكونية على الإرهاب، سوف نستحوذ على بلد يضم، حسب مدير وكالة الاستخبارات الأميركية، خمسين من نشطاء تنظيم القاعدة المئة (وربما أقل) ممن تمثّل أجزاء من الدولة ملاذاً آمناً لهم. ومن أجل هذا، وما يستتبعه، سنتكلف ما لا يقل عن 84 مليار دولار في السنة". ويضيف إيجلهارت "اعتماداً على هدفنا المعلن من الحرب، فإن النجاح في أفغانستان يعني القليل".

علاوة على ذلك، دعا رييشارد هاس ـ رئيس مجلس العلاقات الخارجية، وهو مركز تفكير رئيسي في الولايات المتحدة، والمدير السابق للتخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأمريكية ـ إلى تخفيض عدد القوات الأمريكية في أفغانستان. وقد جزم هاس، في مقالة حديثة بعنوان "نحن لا نربح، إنها لا تستحق الأمر"، بأن حرب أفغانستان ليست حرب ضرورة بل حرب اختيار. وفي الواقع، إنها حرب اختيار باراك أوباما. ولهذا، يؤكد هاس، أنه من الحكمة "تخفيض طموحاتنا هناك، وتقليص وإعادة توجيه ما نفعله". فبعد تسعة أعوام من الحرب لا يتوقع هاس أن يؤدي الاستثمار "بالدماء والثروات الأمريكية" إلى "تحسينات دائمة".

يقف في الجانب الآخر من النقاش الدبلوماسي المخضرم والمبعوث الخاص إلى باكستان وأفغانستان، ريتشارد هولبروك، الذي يؤكد أن "المحافظة على المسار" مهم لحماية مصالح الولايات المتحدة في المنطقة والمحافظة على مكانتها الدولية. في الواقع، بعد حلول الجنرال بترايوس مكان الجنرال ماكريستال فإن الإدارة المدنية الأمريكية يمكنها تنفس الصعداء؛ لأن الأول معروف بالجنرال "السياسي"؛ فقد قام بتحويل الأمور في العراق ليس فقط من خلال زيادة عديد الجنود، ولكن عبر الوسائل السياسية مثل إنشاء مجالس الصحوة. فقد قام زعماء القبائل العراقية، والذين غررت بهم القاعدة من قبل، بتشكيل قواتهم الأمنية الذاتية التي تحالفت مع القوات الأمريكية. ومن جهة أخرى قامت الولايات المتحدة والمسؤولون العراقيون بالموافقة على هؤلاء الجنود والاعتراف بهم. وقامت هذه القوات بإبقاء إرهابيي القاعدة خارج مجتمعاتهم، مع تمرير المعلومات الاستخباراتية إلى القادة الأمريكيين والعراقيين. وقد أثبتت هذه "الصحوة"  أنها مهمة جداً لجعل الولايات الأميركية تسيطر على زمام الأمور في العراق.

في الإطار نفسه، وافق الرئيس الأفغاني كرازي على خطة الجنرال بترايوس لتجهيز أكثر من عشرة آلاف شرطي من المجتمعات المحلية في 14 يوليو/تموز الماضي. وتقول التقارير إن هذه المساهمة المحلية في الدفاع قد بدأت في منطقة المرجة. ولكن الجنرال بترايوس اعترف بأن الحرب في أفغانستان أكثر قسوة من حرب العراق، وأن النجاح فيها غير مضمون.

ومن المفارقة أن وصول الجنرال باتريوس قد تسبب في بعض المخاوف من قبل بعض الحلفاء الإقليميين للأمريكيين، مثل الهند التي تخشى من أن الأسلوب السياسي للقائد الجديد قد يجعله مقبولاً من المؤسسة العسكرية الباكستانية. ففي مقالة حديثة في الجريدة الهندية "العصر الآسيوي"، قال إندرانيل بانرجي، المحلل والخبير بمسائل الدفاع والأمن في نيودلهي: "يعرف الجنرال باتريوس اليوم بأن الجنرال كاياني (إشفاق برويز كاياني، رئيس هيئة أركان الجيش الباكتساني، والمدير السابق للاستخبارات) هو الذي يمسك بالمقاتلين في قبضته الحديدية، وهو القادر وحده على منعهم من إطلاق النار على الجنود الأمريكيين في أفغانستان. إن حصول اتفاق أمريكي مع العدو قد يكون له العديد من المؤيدين في واشنطن التي تعرف أن الحرب الأفغانية مسألة خاسرة. وهذا يجعل الهند في موقف صعب".

ولهذا، فإن الولايات المتحدة تجد نفسها غارقة حقيقة وبشكل كبير في المستنقع الأفغاني، مقبرة الإمبراطوريات المعروفة. إن المخاطر عالية، ويجب أن تقوم قوات التحالف بإحداث تحول كبير في مسار الحرب هناك في وقت قصير؛ فثمة اتفاق عام على أن هذه الحرب الممتدة لاحت مشارف نهايتها، وأن نتيجتها سيكون لها تأثير عميق ولا يمكن التنبؤ به على الأمن والاستقرار الدوليين.

Share